قراءة في كتاب “الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة”

الرئيسية » بأقلامكم » قراءة في كتاب “الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة”
50351656._SX318_

مشكلة الإنسان اليوم إنما تتمركز حول اهتمامه بفروض الكفايات عن العينيات ولا يكاد يفقه شيئا من فقه الأولويات، واهتمامه بعمران الدنيا وبذل نفسه ووقته في حطامها عن إعمار الآخرة، فجعل من خراب هذه سبيلا لإصلاح تلك والكيس من استصلح دنياه لإعمار آخرته، وفي زحمة انشغاله بمن حوله وعلى وقع خطى سعيه الحثيث لإيصال الخير لغيره نسي نفسه التي بين جنبيه فأقحلت وأجدبت حتى إذا حان موعد الحصاد لم يجد زرعا ليحصد وقد انطبق عليه المثل القائل: "باب النجار مخلوع".

وما تعثرت خطانا ولا ضل فهمنا إلا عندما أعرضنا عن كتاب ربنا فصار الواحد فينا يهرم ويشيخ وهو بعد حائرا تائها يخرج من الدنيا كما دخل ويا ليته على الحقيقة كذلك فقد دخلها سليم الفطرة وخرج منها بأوزار ناءت الجبال عن حملها، ومع أن الصحابة الكرام ما تلقوا علومهم إلا من الوحي إلا أنه أغناهم عما سواه، ولو سرنا على ما ساروا عليه لنجونا ولكن الذنوب غشت أبصارنا وطمست بصيرتنا فصرنا أحوج لكتب إثر كتب لتترجم لنا آيات ربنا ولا كأن لساننا عربي فأصابتنا عُجمة الفهم والبصر والنطق.

فجاء كتاب "الأسئلة الأربعة" من الكتب التي تهدف لردنا إلى عبوديتنا التي تبرأت منها أحوالنا وإن لم تتبرأ منها ألسنتنا فكان هذا الكتاب بمثابة المرآة الناصعة التي تكشف لنا عوارنا وتشوهات أصابت بواطننا وإن سلمت منها ظواهرنا، فكان بمثابة البوصلة التي تصحح مسارنا وتضبط حركتنا وتعيد خطواتنا للبداية الأولى، فمن أراد بلوغ وجهته سليما معافى فعليه أن يبدأ من المنطلق بداية صحيحة ليصل إلى منتهى معالمه واضحة وقبلته فيها محددة لا أن يسير متخبطا هائما بلا دليل أو رسول.

كتاب "الأسئلة الأربعة" من الكتب التي لا تعتني بدغدغة عواطفك أو الترفيه عن نفسك والخروج بها من الجدية إلى المزاح للتخلص من ضغوط الواقع ومحنه ومصائبه ولا سيما أن صدوره وافق أزمة تمر بها البشرية جمعاء، بل هو كتاب يوقد فيك العزم من خلال زرع الخوف والرجاء في سويداء روحك وعمق قلبك حتى إذا ثبّط الهزل والتسويف من عزمك لسع سوط الخوف روحك فإذا ما أوجع قلبك وشارف فيك على هاوية اليأس زرع في قلبك الرجاء.

لهذا فإن كتاب "الأسئلة الأربعة" من الكتب التي لا يناسبها أن تتناولها بيد مسترخية ونفس مترفة وأهداب مازال يعلق به الكسل، بل لا بد أن تلقي ذلك عن نفسك بعيدا وتتأهب تأهب جندي في أرض المعركة لأنه سيكون للشيطان جولات معك وأنت تقرأ بهذا الكتاب، فلا بد من أن تفتح صفحة جديدة مع نفسك وربك ومن حولك قبل أن تباشر بفتح الصفحة الأولى للكتاب بنية تصحيح بوصلتك ليرى الله منك العزم والجد على التغيير فيفتح عليك ويأذن لك في الفهم ، واقرأ ما في الكتاب ببصيرة قلبك مع بصر رأسك وأصغ بأذني قلبك قبل أذني رأسك ليصيب الهدف الذي من أجله وضع هذا الكتاب، وإياك أن يكون هدفك من قراءته مزيدا في رصيد معرفتك أو بعدد الكتب على رفوف مكتبتك بل اجعل منه حركة سعي دؤوب في حياتك تقوّم منها ما اعوج وتصحح ما انحرف وترسخ ما ثبت، فإن لم تفعل ذلك حتما ستعود بخفي حنين.

كتاب "الأسئلة الأربعة" يتناول أربع محاور في حياة كل مسلم منا فيضبطها ضبطا شرعيا وفق مراد الله لا وفق مراد البشر وبذلك يجعلك تخرج من التزامك الموروث إلى الالتزام الذي أراده الله لك عندما خاطبك كمؤمن موحد: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [سورة الشورى:آية15].

محاور الكتاب:

يتألف الكتاب من جزأين، ويحتوي الجزء الأول من الكتاب على:

مدخل: ويتناول المدخل معضلة الوجود وأزمة تحقيق الذات.

السؤال الأول: من هو خالقي؟

وبدأت المؤلفة بتمهيد تحدثت فيه عن الهدف من البدء بمعرفة الله وتناولت فيه أربعة أسماء من أسماء الله الحسنى: الخالق والمالك والحق والواحد ولما للتعرف إلى هذه الأسماء من علاقة مع انضباط بوصلة المسلم في الحياة، حيث تناولت تعريف كل اسم ثم مقتضيات هذا الاسم والمخالفات.

السؤال الثاني: ما الذي كلفني به خالقي؟

وتحدثت في تمهيد هذا السؤال عن خلط جهتي النظر؛ جهة الخالق وجهة المخلوق وأن مصدر الإشكال واللبس في حركة العبد رغم إيمانه هو خروجه عن حدود جهته بتكلف الاشتغال بجهة خالقه.
ثم تناولت مسائل عدة بأسلوب جذاب مع ضرب الأمثلة للتقريب وهذه المسائل: إتباع مراد الله، إحسان الظن بالله، عبودية الدعاء، الإيمان بالقدر خيره وشره، سداد السعي، يسر الالتزام، أدب السؤال وأخيرا فقه الدعوة .

الجزء الثاني ويشمل السؤال الثالث والرابع:

السؤال الثالث: كيف سواني خالقي؟

تناولت المؤلفة في هذا السؤال: الكيان الإنساني، وتحدثت فيه عن الفطرة ماهيتها معياريتها ثم ذكرت أمثلة على سوء فهم الفطرة وتقديرها ومشقة التكليف ووسع المُكَلّف، ثم تناولت ظاهرة اليأس والانتحار بين المسلمين، ومفاهيم حول الذات من حيث: أركان تقدير المسلم لذاته ومظاهر سوء تقدير ومعاملة الذات، وتحقيق الذات من خلال عُمران الذات.

أولا: الكيان الإدراكي، وتناولت فيه العقل والقلب ومن ثم آفات الإدراك الوجدانية وآفات الإدراك الفكرية.

ثانيا: الكيان النفسي، وتناولت فيه المرض النفسي والإيمان، أسباب فوضى ونكد الكيان النفسي، طبيعة تركيب النفس، رياضة النفس ثم مزالق وعوارض.

السؤال الرابع: كيف أرجو خالقي؟

بدأت هذا البند بالحديث عن الشعور بمعنى الحياة والمسؤولية الشخصية عنها، ولماذا تشقينا أحلامنا وطموحاتنا، ثم تناولت بطريقة جذابة القواعد العشر مع هواجس تغيير الكون، وتحدثت عن العمر الثاني محذرة من السعي الذي تكون بُغيته الأثر والذكر والرفعة والرياء.

ثم تناولت معالم لملك زمام النفس، ورعاية الوقت، ومدخل للعلم الحق بالحق، ثم تحدثت عن علوم الاضطرار ومعارف العمران، وتناولت الفجوة بين العلم والعمل من حيث المنشأ والعلاج، وتناولت معالم اتخاذ القرار وكسب المال والمسار المهني، ثم كان لها بصائر في عدة مجالات من منطلق شرعي: بصائر في معاملة الأهل، بصائر في اختيار شريك الحياة، بصائر في التنشئة والتربية، ثم تحدثت عن الحقيقة والمجاز في العلاقات.

وطرحت نموذج تخطيط عملي من خلال مفكّرة مسؤوليتي، وتناولت شهر رمضان وكيفية التعامل معه واستقباله وكيفية استغلاله للسباق بالنفس لا للسباق مع النفس، وختمت المؤلفة كتابها بطرح عدة قضايا وأمور حتى لا تشقينا أحلامنا وطموحاتنا.

وأخيرا، قد تكشف لك قراءة هذا الكتاب ندوبا في روحك وجسمك وفكرك لكن لا تبتئس هكذا قدر الجندي في المعركة أو لسنا أنا وأنت وهو والكل في هذه الحياة نخوض معركة يتناوب علينا فيها العدو فتارة الشيطان وتارة النفس الأمارة؟!

لا تبتئس وإن وارتك الندوب من رأسك لأخمص قدميك وكن في ركن الله في هذه المعركة تفز، وما كان هذا الكتاب وما وُضع إلى ليعود بك إلى حمى الله وليخرجك من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته، وإياك أن تنفر نفسك من المرآة التي واجهتك بتشوهاتك الخُلقية والقلبية بل اشكر مولاك أن يسرها لك لتريك عيوبك قبل الفوات واشدد بنواجذك على ما وضعته بين يديك فقد عرفت فالزم ما عرفت يا مسكين!!

وارج السلامة لقلبك وروحك ودينك وأسألِ الله أن يجعلك في ميزان مؤلفة الكتاب واشكر الله وفضله عليك فهو الذي يسر لك هذا ولولاه لما كان.

وأخيرا لو كنت بمركز يسمح لي ترشيح منهج دراسي أو كنت من أصحاب القرار لقررت هذا الكتاب في المرحلة الإعدادية مع شرح ميسر على هامشه لما يتمتع به من لفظ جزيل وعبارة قوية راسخة، وذلك لما فيه من مادة عقدية تربوية تزكوية لا ينفك المسلم عن ضرورة فهمها وتعلمها والتنشئة عليها منذ البدايات ليكون التزامنا التزاما راسخا يستند على الجانب المعرفي والسلوكي المستمد من كتاب الله وسنة نبيه لا التزاما موروثا من الآباء والأجداد يقوم على العادات والتقاليد منفكا عن سعي المسلم وحركته الدؤوب في الحياة.

بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب: الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة
المؤلف: هدى عبد الرحمن عبد اللطيف النمر
الناشر: دار المعرفة_ القاهرة
سنة النشر: الطبعة الأولى، (1441هـ_2020م)

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

الإنسان الحضاري …. في سورة القلم

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) القلم.. وما يكتب القلم.. بذلك يقسم الله تبارك وتعالى في مطلع …