الدّولة والهوّيّة في فكر الشّيخ نحناح

الرئيسية » حصاد الفكر » الدّولة والهوّيّة في فكر الشّيخ نحناح
محفوظ-نحناح

تمرّ علينا الذّكرى الـ17 لوفاة الشّيخ الرّئيس محفوظ، نحناح عليه رحمة الله. تلك الشّخصية المتفرّدة ذات الأبعاد الإسلامية والوطنية والعالمية، التي أصبحت مدرسة تجديدية في الفكر السّياسي الإسلامي المعاصر، والتي هي ليست حِكرًا على عائلته وحركته ووطنه، بل هي وَقفٌ للأمّة ومِلكٌ للإنسانية جمعاء. وقد أصبح تاريخ 19 جوان من كلِّ سنة محطّةً للوقوف مع ذكراه، تساوقًا مع المنهج القرآني في التذكير بالصّالحين والمصلحين والمجدّدين، لا للوقوف على أطلال الأشخاص والأحداث وعالم الأشياء ولكنْ للارتقاء إلى النّماذج والقيم وعالم الأفكار، إذ لا معنى للعودة إلى الماضي إلا بمقدار ما ننتفع به من أفكارٍ في الحاضر ولنستشرف بها المستقبل، كما قال تعالى: “.. فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.” (الأعراف: 176)، وأنّ التاريخ هو النّاطق بالعبرة والعِظة لأصحاب العقول الكبيرة، عندما يتجرّدون من كلّ الخلفيات والأحكام المسبقة على الأشخاص والأحداث والأفكار، كما قال تعالى: “لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب.” (يوسف:111). ولعلّ من أدقّ المعارك الفكرية وأهمّ التحدّيات السّياسية التي واجهت الشّيخ نحناح خصوصًا وواجهت الحركة الإسلامية المعاصرة عمومًا هي مسألة الدولة والهويّة.

الشّيخ نحناح والدّولة الوطنية:

يعتقد البعض أنّ الشّريعة كانت مجرد تفاعلٍ للفقهاء مع النّص الدّيني في ممارسة الوظيفة التشريعية، وأنّه لم يكن للسّلطة السّياسية دورٌ مركزيٌّ في إقامة الشّريعة، وهي مغالطةٌ كبرى، إذ أنّ إقامة الشّريعة كانت تجمع بين الوظيفة التشريعية للفقهاء والوظيفة التنفيذية للأمراء، التي أعطت نموذجًا رائعًا لأطول حضارةٍ في تاريخ الإنسانية، وهي الحضارة الإسلامية. ومع ذلك، فقد تمّ استدعاء مفهوم العلمانية الغربية عندنا لفصل الدّين عن الدولة، والتشكيك في علاقة الإسلام بالإطار الدّستوري والقانوني للحكم، والطعن في مفهوم الدولة لدى الإسلاميين واتهامهم بالقصور في ممارسة السّلطة فيها. وبالمقابل، هناك بعض الإسلاميين ممن لا يؤمنون بالدولة الوطنية تحت ذريعة مفهوم الأمّة وعالمية الدّعوة، وهو ما يشكّك في وطنيتهم وحقيقة انتمائهم وصِدق وَلائهم لأقطارهم.

إلاّ أنّ شخصية الشيخ نحناح، التي جمعت بين رصيد الحركة الوطنية ومرجعية جمعية العلماء المسلمين ولمسات فكر مالك بن نبي وتجربة جماعة الإخوان المسلمين صنعت منه نموذجًا للحسم في الجمع بين الإسلام والوطنية والديمقراطية كمعادلةٍ مفقودة بين الدولة والهوية والتنمية، وهو المتشبّع بفكرة الدولة وفق بيان أول نوفمبر: “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السّيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، مع الفصل بين عالمية الفكرة ووطنية التنظيم، وترجيح المنهج الإصلاحي الوسطي المعتدل على منهج المواجهة والمغالبة المتطرّف، والإيمان بإستراتيجية المشاركة السّياسية العامّة، والتغيير عبر المسار السياسي والديمقراطي من مواقع المسؤولية من داخل مؤسّسات الدولة ومجالسها المنتخبة، والتمييز الدقيق بين الدولة والنّظام والسّلطة والحكومة، ممّا جعله يؤمن بالدولة الحديثة ويحوز على شرف الوطنية فيها، ليس على مستوى التنظير بل على مستوى الممارسة المبدئية والمواقفية، وهو الذي يؤمن بأنّ هذه الدولة الوطنية هي الوعاء الطبيعي الضّامن لعناصر هويّتها، وقد كرّس حياته للجهاد من أجل الإسلام والجزائر أثناء الثورة التحريرية وبعد الاستقلال، وتحديدًا من سنة 1961م سنة التحاقه بالثورة وكان عمره 19 سنة إلى وفاته يوم 19 جوان 2003م، وذلك من أجل حماية: (الإسلام من التشوّه، والأمّة من المافيا، والشّعب من التجزّؤ، والوطن من التفتّت، والدولة من الانهيار، والاستقلال من الاغتصاب، والإنسان من الضّياع، والعربية من الضّرائر، والديمقراطية من المصادرة، والدّعوة من الدجّالين، والاعتدال من التطرّف، والثقافة من التبعية، والقانون من التلاعب، والانتخابات من التزوير، والذّاكرة من النسيان، والأسرة من الانحلال، والجزائر من الجزائرية الملغّمة..).

الشّيخ نحناح والهوّيّة الوطنية:

تحدّث الشيخ نحناح في كتابه: “الجزائر المنشودة” في الفصل الثالث عن الهويّة من الصّفحة 77 إلى الصّفحة 110، وفصّل في كلِّ عنصرٍ من عناصرها الأساسية الثلاثة: الإسلام، العربية، والأمازيغية. ويعتقد أنّ الخلاف لا يتعلّق بتحديد عناصر الهويّة في حدّ ذاتها، بقدر ما يتعلّق بفهمنا لهذه المكوّنات، وللدور الذي يجب أن تلعبه في حاضرنا ومستقبلنا، وللمكانة التي يجب أن تحتلّها، وللعلاقة التي يجب أن تربطها ببعضها، وأنّ الصّراع حولها ناشئٌ من التوظيف السّياسي والاحتكار الإيديولوجي والتنافس الحزبي عليها أوّلاً وآخِرًا. ويرى بأنّ هناك من لديه رغبة في إحداث مواجهةٍ بين الإسلام والعروبة من جهة وبين الأمازيغية من جهةٍ ثانية، عن طريق محاولة قطع صلة الأمازيغية بالعربية والإسلام، وربطها – بتعسّفٍ- بالتنصير والفرنسية، ويتجلّى ذلك في المواقف المتطرّفة لبعض رموز الحركة البربرية من الإسلام، ومن الوقوف ضدّ سياسة التعريب، ومن التمكين للفرنسية في المؤسّسات والوثائق الرّسمية، وفي السّعي لكتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني، مع أنّ أقرب الحروف تناغمًا وتناسقًا معها تاريخيًّا هو الحرف العربي، كما تزخر به المخطوطات الأمازيغية المكتوبة بالحرف العربي في مختلف العلوم والفنون، وأنّ الأمازيغية تعرّضت إلى نوعٍ من الاحتكار والتوظيف الحزبي والإيديولوجي من أجل الضّغط والمساومة، كما أنّها تعرّضت إلى الإقصاء والتهميش من طرف النّظام السّياسي بعد الاستقلال، وأنّ هذه الخصوصية الأمازيغية هي حقيقةٌ ثابتة وواقعٌ ملموس على المستوى اللغوي والثقافي، وهي تعبّر عن الثراء والتنوّع الذي يميّز الشّعب الجزائري، وأنه يجب عدم الرّبط بين المطلب المشروع للتمكين لها وبين التوجّهات التفكيكية والانفصالية، وأنّ ترقية الأمازيغية يجب ألاّ يتصادم مع اللّغة العربية وألاّ تكون بديلةً عنها، كما يجب ألاّ تُتخذ حصان طروادة لهيمنة اللّغة الفرنسية والحرف اللاتيني. يقول الشيخ بشكلٍ واضحٍ وحاسمٍ ونهائيٍّ عن الهوية الوطنية وعناصرها الأساسية في الصّفحة 85: (فمقوّمات هويتنا وأبعادها محدّدة ومضبوطة، ومعالم مرجعيتنا بيّنة ظاهرة، إنّها الإسلام أوّلاً، والعربية ثانيًّا، والأمازيغية ثالثًا.. هويتنا العِرقية هي الأمازيغية البربرية التي تفاعلت بدخول العرب والمسلمين، وامتزجت بهم وانصهرت معهم وقبِلَتهم وحملت معهم رسالةً ذاتِ مضمونٍ حضاريٍّ إنسانيٍّ وهي الإسلام، الذي يعترف الجميع أنّ وعاءه هو اللّغة العربية.. ولم يحصل عبر التاريخ تصادمٌ أو تضارب إلاّ كما يحصل بين أخويْن شقيقين من أمٍّ واحدة، لهذا فإنّ محاولة إثارة النّعرات بين أبناء مازيغ وأبناء يعرُب كمحاولة إثارة أبناء مازيغ على بعضهم، أو إثارة العربي على أخيه العربي، هدفها أن يهوي الجميع وبتشتّت الشّمل ليس إلاّ..). يؤمن الشيخ أخيرًا بالتناغم الحتمي بين مفهوم الدولة وبين عناصر هويّتها، وبوجوب الانسجام بين طموحات الشّعب السّياسية ومطالبه الأساسية وبين هويّته ومرجعيته الأصيلة، حتى نتمكّن من إرجاع الدولة إلى الأمّة، وألاّ نقع في التناقض الخطير بينهما، وأنّ الدولة يجب أن تقوم على الشروط والمبادئ والمؤسّسات التي يتطلّبها نظام الحكم الديمقراطي، والذي لا يتناقض مع جوهر المقاصد والغايات الكبرى التي جاء بها الإسلام.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • الشروق الجزائرية
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

هذا هو “المنهج” الذي أَعجب الصّهاينة!

تداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية تغريدة نشرت على حساب “إسرائيل بالعربيّة” …