النزعة القارونية ووهم العظمة!

الرئيسية » خواطر تربوية » النزعة القارونية ووهم العظمة!
GettyImages-1035037224-e1566592116907

النفس البشرية تحتاج لوقفات تأملية متأنية؛ لإعادة لترتيب أمورها، بل من حقها على صاحبها ذلك؛ إذ هي عرضة للأمراض تماماً كما الجسد، وفي خضم سيرنا في دروب الحياة وخوض الكثير من المعارك فثمة أمور تتعلق بها نفوسنا ولوثات تعكر صفوها وتعترض سيرها ولا بد من مراجعتها بصورة دورية؛ كي لا يستفحل فيها مرض ولا يقيم بها سقم عارض، والنظر في سِيَر الأولين والتفكر في أحوالهم وما آل إليه مصيرهم عبادة يغفل عنها الكثير منا، وهل كانت النسبة الأكبر من القرآن الكريم قصصاً تقص علينا أخبار الأولين والسابقين؛ إلا ليعتبر الإنسان ويتعظ، فلا يتعثر بما تعثروا ولا يسلك سبل الضلال كما سلكوا بل يقتدي ويقتفي أثر الصالحين والمصلحين، فكم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه وهو لا يدري ولا يعلم.

ونقف في سورة الكهف من كل جمعة على حوار بين رجلين يفاخر أحدهما بماله وولده وجنته التي أثمرت وآتت أُكلها، فبدلاً من أن يكون ذلك سبباً في إنابته وخضوعه وتواضعه تجبر وعتى وأنكر البعث والحساب، بل وبلغ ظنه واعتقاده إن كان هناك ثمة حياة أخرى وحساب وقيامة، فسيكون له خير من هذه الجنة: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً} [الكهف:36]، وكأنّ ما هو فيه من نِعَمٍ حق واستحقاق له -لا تكرُّماً وتفضلاً من الله- وما أشبه حاله بقارون الذي يخرج على قومه متباهياً فرحاً بما عنده من أموال وكنوز، فأعمى الكبر بصيرته واغتر بما يملك، حتى إذا نصحه قومه أن يحسن كما أنعم الله عليه من نعمٍ، فلا يستخدمها في معصية كان رده: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] فقد ورد في تفسير ذلك أنه نسب ما يملكه لعلمه بوجوه المكاسب والتجارات وقيل معرفة الكنوز. (زبدة التفسير).

وكم من قارون فينا يقيم بين أظهرنا، ففي اللحظة التي يغتر بها الإنسان بنفسه أو عزوته أو بماله وجاهه وسلطانه فينسى حقيقة ضعفه المتأصلة فيه -والتي هي جزء أصيل من كيانه- وتنتشي نفسه وتنتفخ أوداجه ويستعرض ما هو فيه من نِعَم -لا على سبيل الشكر بل المباهاة وأنه جدير بكل هذا باستحقاقٍ مطلقٍ، وأن علمه الذي حصله وشهاداته التي يزين بها جدران منزله أو مكتبه ما كانت إلا نتيجة سعيه وتعبه وسهره وكسبه- وقد نسي أن ذلك ما كان ليكون لولا فضل الله عليه، وأنّ الفاعل الحقيقي لذلك إنما هو الله تعالى بما مكنه من قدرة وقوة على فعل ذلك، وما هو إلا سبب من جملة الأسباب التي سببها الله، ونسيَ قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال:17]، وقوله جل شأنه: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة:63، 64].

انظر وتأمل كم من قارون يعيش بيننا بل كم من قارون في أنفسنا وتحت جلودنا نخرج به على قومنا وصحبنا مفاخرين بسلطان أو جاه أو حفنة من مال، ومفاخرين بذرياتنا تلتف حولنا وكأننا في منعة وعزة كفلنا دوامها، وإن تقصيرنا في أداء ما علينا من حقوق اتجاه هذه النعم لهو أكبر دلالة على نزعة قارون المتجذرة فينا ؛ فكم من صاحب مال أقفل بابه دون الفقراء وكم منا قصر في تربية أبنائه وإصلاح شؤونهم وهل ذلك إلا جزء يسير من دلالات إنكار النعمة!

أوليس من شكر النعم أداء حقوق الله فيها؟ فيكون بتزكية المال واستخدامه بما يرضي الله، وفي حال الذرية يكون بتعهدهم والعمل على تربيتهم وفق شرع الله ويكون بالقوة والجاه والسلطان والعلم بالتواضع والنصرة للمظلوم وأخذ حقه من الظالم، لكن الإنسان من ظلمه لنفسه لا يرى ما فيه من نِعَم إلا نتيجة طردية لتعبه وثمرة لجهوده وسهره.

وأعجب للإنسان ونسيانه وهو لا ينفك من دلائل ضعفه على مدار الساعة، والأيام تقلبه بين الشدة والرخاء والصحة والمرض والعزة والذلة، فإن مدّ الله له قليل بحبل النعمة والرخاء نسي ضعفه وعجزه المتأصل فيه، وهل يخلو إنسان مهما بلغت قوته وجبروته من صداع يسير في ساعة من نهار أو ليل، وهل يملك أن يدفع عن نفسه سِنَة من نوم ليستأنف جمع الثروة فلا يغفل دقيقة عن ذلك أو عن التمتع بالعز والجاه الذي فيه.

أين قارون المستتر فينا، ومجرد شعورنا ورؤية أنفسنا بـ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] يجعل منا نسخة أخرى من قارون قوم موسى أين نزعة قارون مما يجري على ساحة الزمن اليوم من أحداث وابتلاءات يقف أمامها كل الخبراء على ما هم عليه من خبرة وعلوم وقوى وأدوات، عاجزين عن دفع أقل ضرر يصيب صرح تقدمهم وحضارتهم!

أين نزعتهم وشعورهم: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] وهي عاجزة عن صد هذا الضرر بما يملكونه من أسباب ووسائل، وما بال الضعف يتقهقر بهم عشرات السنين للخلف فلم يصد عنهم ما هم فيهم من ضر ومصاب بما يملكون مما أوتوه من علم عندهم أو من قوة ومال وجاه وسلطان وولد.

سيظل الإنسان كتلة الضعف المتحركة عبر الأزمنة والأمكنة ولن يقوى إلا بربه ، وسيظل فقيراً ما لم يغنه الله، وفي اللحظة التي ينسى فيها حقيقة عجزه وضعفه فاعلم أنّ الله قاصم ظهره ومهلكه بما يملك، فتنتهي فيه نزعة قارون كما انتهى قارون من قبله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

هل العبادة حقّاً تجارة مع الله؟

كثُرت في خطاب الدعوة اليوم تشبيهات المقايضة وتصوّرات المتاجرة في معاملة الله تعالى، اتّكاءً على …