كيف تكون الحياة مع ذكر الموت؟

الرئيسية » خواطر تربوية » كيف تكون الحياة مع ذكر الموت؟
death

مما يجعلنا سريعي الجزع من كَدَر الدنيا وتقلباتها، الغفلة المتّصلة والمُطبِقة التي تسبقها في أحوال الرخاء، فبدل أن ننظر لابتلاءات الشّدّة على أنها فُرَص تُخرجنا قسريًّا من غفلتنا، وتُلجئنا اضطرارياً للافتقار لله، وتذكرنا بما طال علينا العهد به، ننزعج ونبتئس فلا نزداد بها إلا غفلة وبُعداً، بما نضيف لرصيدنا من سوء أدب وسوء تَصرّف في الشّدّة، كما في الرّخاء! وخير دواء لهذا الإشكال تذكير النفس بين الحين والحين بحقيقة فناء هذه الدار وأهلها.

والغالب في ذكر الموت أنه مُنغّص مُكدِّر، لذلك يَفِرّ المرء بطبعه من تذكّره كما يَفرِّ من غيره من المُنغّصات، وهذا الغالب على حال الكفار في تصوّرهم عن الموت؛ لأنهم لا يَرجُون بعده خيراً، بل لا يعتقدون بعده شيئاً، ويتجلّى في مفهوم الموت والتعامل معه فوارق المنطلق والمنتهى بين التصور الشرعي للوجود وغيره من التصورات، ومن أهم تلك التجليّات:

الغالب في ذكر الموت أنه مُنغّص مُكدِّر، لذلك يَفِرّ المرء بطبعه من تذكّره كما يَفرِّ من غيره من المُنغّصات

1) السوداوية: فالموت عندهم قطيعة للدنيا وما سبق فيها من حياة، ونهاية كل شيء وآخِرُه، وإيذانٌ بفناءٍ تام، والموت عندنا انتقال من الدار الأولى للثانية وبناءٌ على ما كان فيها من حياة سالفة، وهو ابتداء لحياة جديدة وتمهيد لبقاء خالد.

2) آثار الموت على الأحياء الباقين: فيكثر عندهم مخاصمة الدنيا وانعدام معنى الحياة بعد رحيل راحل عزيز، ولا فُسحَة عندنا لمثل ذلك المَسْلك أبداً مهما أُعْذِر صاحبه في حزنه وشوقه وافتقاده، إذ مهما أَسَرَتْنا محبةُ مخلوق وشَخصُه، وتعلَّقنا بوجوده وحضوره، تظلّ عبوديتنا لله أوّلاً وآخِراً، مِصداق قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِّلَّه} [البقرة: 165]، وتأمّل لما فُجِع المسلمون بوفاة المصطفى -عليه السلام- تَلا عليهم سيدنا أبو بكر -عليه الرضوان- قولَ الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].

يكثر عند غير المسلمين مخاصمة الدنيا وانعدام معنى الحياة بعد رحيل راحل عزيز، ولا فُسحَة عندنا لمثل ذلك المَسْلك أبداً مهما أُعْذِر صاحبه في حزنه وشوقه وافتقاده

3) حال الميّت وَوِصاله: فالميّت عندهم ينتقل لوَحْشَة ووَحْدَة في باطن الأرض، وينقطع عن كلّ خير من مُتَع الدنيا ومتاعها، لذلك يشعرون له بالرثاء ويتحسّرون على سوء ما انتقل له، فضلاً عن أنه لا يبقى له -ممّا خلَّف وراءه- شيء يعود نفعه عليه هو في قبره، بما في ذلك ذِكرُ مآثره إذا ذُكِرَت، أمّا عندنا، فالميّت على الإسلام ينتقل لجِوَار الله تعالى، ويُبدِلُه اللهُ داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، ويصحبه في قبره عمله الصالح، ويَصِلُه ثواب ما يهديه إليه الأحياء من القُرَب، ويتلاقى مع أرواح المؤمنين ويتعرّف على من سَبَقه من أهله ومن يلحقه، ويذكره الله في الملأ الأعلى... وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنّة من أحوال الموتى، وخلاصتها جميعاً أن الميّت المسلم ينتقل لمنزل أعلى وخيرٍ مما خلَّف وراءه، ويكون في سَعَة وفضل وأُنسٍ من الله، ولا تنقطع الصلة بينه وبين أهله ومن شاء ذِكرَه ووَصْلَه.

لذلك يجب أن يكون للمؤمن حالٌ غير حالِ الكافر في فهم الموت ومعاملته ، وأن يُربِّي في نفسه ذلك الحال، والذي يشرحه القرطبي في "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"، فيقول: "ذكر الموت يُورِث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجّه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية، ثم إنّ الإنسان لا ينفكّ عن حالتَيْ ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهّل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسعة، فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها والسكون إليها؛ لانقطاعه عنها آخر المطاف"، وهذا مقصود الحديث: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلا وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، وَلا ذَكَرُهُ وَهُوَ فِي سَعَةٍ إِلا ضَيِّقَهُ عَلَيْهِ" [ابن حبّان]، والاستعداد لملاقاة الله تعالى يبدأ -حقيقة- من أوقات الرّخاء، لكن لأننا نميل للغفلة وقت الرّخاء تكون أوقات الشدّة تذكرة قهريّة -إن صحّ التعبير- لمن أفاق وفَقِه فَتَدارك.

وفي المقابل، تجد من المؤمنين من ينتظر الموت انتظاره "للخلاص" من تكاليف هذه الدار ومشقات هذه الحياة، والموت للمؤمن حقاً راحة وخلاص، لكن لمن عاش مؤمناً أوّلاً ، والجهاد للحياة في سبيل الله أصعب وأشقّ من أمنية الموت في سبيل الله، بل إن تلك الموتة الشريفة لا تكون إلا لمن جاهد ذلك الجهاد الشريف، فتأمّل!

وكما أنّ للحياة عند المؤمن ثقل أمانة وتكاليف مسؤوليات، لها كذلك جمال معرفة الله تعالى وفرصة الاستزادة من الصالحات وأعمال الخير، فلا بد من موازنة الرؤية واكتمال التصور كي لا تنكفئ كفّة المؤمن برغم إيمانه بدل أن يكون إيمانه سبب اعتدالها!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …