كُفَّار، لكن شرفاء!

الرئيسية » خواطر تربوية » كُفَّار، لكن شرفاء!
p22_books

عنوان غامض وغريب ويثير العجب والدهشة والذهول، فأي شرف هذا الذي يكون في الكفر وقد قيل إنه "ليس بعد الكفر ذنب"، وأن الكفر كفيل بنسف كل خير، فالكافر لا يَهدي لخير، ولا يُهدى لخير، ولا يُقبل منه خير.
قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]

وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} [الفرقان: 23]

ربما يزول الغموض وتذهب الغرابة ويتلاشى العجب وتنتفي الدهشة إذا عرفنا أن الأخلاق الإنسانية مع اتساع مجالاتها وتشعب فروعها إلا أنه يمكننا حصرها في قسمين أساسيين، وهما:

1. الأخلاق الإسلامية: وهي أخلاق الشرع التي يقوم بها المسلم تعبداً لله تعالى مُخلصاً، خشية عقابه وطمعاً في ثوابه، ولا يفعل ذلك إلا المسلم.

2. الأخلاق الإنسانية: وهي كل صنيع حسن أو خلق قويم يفعله الإنسان بغض النظر عن ديانته ومعتقداته، وللإنسان في ذلك دوافع ومبررات حسب ما يعتنقه من فكر وقناعات، وحسب العادات والتقاليد والضوابط المجتمعية التي تربى عليها.

وهنا نستطيع أن نقول إن كل خلق إسلامي يكون إنسانياً، وأن كل خلق إنساني قد أوصى به الإسلام ، ولكن ليس كل خلق إنساني يكون إسلامياً لكون أنه تنقصه النية وصدق التوجه لله تعالى، لذا لا يثاب عليه فاعله لانتفاء وجود أصل قبول الأعمال وهو الإسلام والإخلاص.

إن المسلم يتعامل مع أخلاق المسلم الطيبة بقلبه (مشاعره) وخُلقه، ومع غير المسلم فإنه يتعامل معه بخُلُقه فقط، فمسألة الحب والبُغض والموالاة... الخ لا تكون إلا بالضوابط التي حددها الشرع.

إن الاختلاف الواضح والشاسع بين صاحب الأخلاق الإسلامية وصاحب الأخلاق الإنسانية هو أن صاحب الأخلاق الإسلامية تتسم أخلاقياته بالتوازن فيما بينها، بينما صاحب الأخلاق الإنسانية تراه إن تميز في خلق انتكس في أخلاق أخرى كثيرة.

أعتقد أنه بعرضنا لما سبق من توضيح نكون قد أزلنا الغموض الذي قد يثيره العنوان عند البعض، فإعجابنا بخلق من إنسان لا يعني بالضرورة حُب هذا الإنسان ولا موالاته.  

إن الاختلاف الواضح والشاسع بين صاحب الأخلاق الإسلامية وصاحب الأخلاق الإنسانية هو أن صاحب الأخلاق الإسلامية تتسم أخلاقياته بالتوازن فيما بينها، بينما صاحب الأخلاق الإنسانية تراه إن تميز في خلق انتكس في أخلاق أخرى كثيرة

نماذج لبعض الكفار الذين بدرت منهم مواقف للمروءة والشرف:

إننا نعلم يقيناً أن الإسلام عندما جاء لم يأتِ ليمحو كل ما في الجاهلية من أخلاق ولكنه أبقى على كثير من الأخلاقيات النبيلة مثل الكرم والشجاعة والمروء ونصرة المظلوم، وغير ذلك من الأخلاقيات، بل إن النبي ﷺ أثنى على حلف الفضول الذي أقامته قريش في الجاهلية فقال: "لقدْ شَهِدْتُ في دارِ عبدِ اللهِ بنِ جُدْعانَ حِلْفاً، لو دُعِيتُ به في الإسلامِ لأَجَبْتُ، تَحالَفوا أنْ يَرُدُّوا الفُضولَ على أهْلِها، وأنْ لا يَعِد ظالمٌ مَظلوماً" [ابن الملقن في البدر المنير بإسناد صحيح].

ومما تجب الإشارة إليه أن المناصب في قريش كانت خمسة عشر منصباً، قسمتها قريش بين بطونها لتحفظ التوازن بينها، ولتحفظ لقريش وحدتها وهيبتها، ولتوفر لمكة الهدوء والاستقرار اللازمين لتشجيع الحجاج والتجار على زيارة مكة، وكانت أشرف هذه المناصب وأعلاها السدانة والسقاية والرفادة والعمارة. وبالرغم من أن المجتمع كان جاهلياً إلا أنه لم يكن هناك من يجرؤ على أن يخرق عُرفاً تعارف عليه الناس وإلا قامت حرب ضروس من أجل المحافظة على هذه الأعراف .

1. النبي ﷺ يدخل مكة بعد عودته من الطائف في جوار المُطعم بن عدي وأهله بالرغم من كفر المُطعم وأهله.

كان المطعم بن عدي من مشركي مكة ومات على الشرك ولكن بعد غزوة بدر قال النبي ﷺ في أُسارى بدرٍ: "لو كانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيّاً، ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ له" [صحيح البخاري].

لقد قال النبي ﷺ ذلك اعترافاً بشهامة المطعم بن عدي ومروءته؛ لكونه أجار النبي ﷺ وسمح له أن يدخل مكة بعد عودته من الطائف في جواره حيث دعا بنيه وقومه، وقال: البسوا السِّلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرتُ محمداً، ثم قام المطعم على راحلته، فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمداً، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن، فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته ومُطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته".
ومما عُرف عن المطعم بن عدي أنه كان أحد الخمسة من المشركين الذين سعوا في نقض الصحيفة الجائرة وإنهاء الحصار الظالم الذي فرضته قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين، حتى قال أبو جهل: "هذا أمر قُضِيَ بليلٍ، وتُشُووِر فيه بغيرِ هذا المكان".

2. من لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله

جاء في السيرة النبوية لابن هشام أن النبي ﷺ قال لأصحابه في غزوة بدر: "من لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله."

قال ابن إسحاق: "وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبي البختري لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض صحيفة المقاطعة".

ومن مآثر أبو البحتري أيضاً، أنه عندما سمع أن أبو جهل رمى الفرث (أمعاء الحيوان المذبوح وما بداخلها) على النبي ﷺ وهو يصلي بجوار الكعبة ذهب إلى النبي ﷺ واستوثق منه عن ذلك ثم ذهب مع النبي ﷺ إلى أبي جهل وقال: "يا أبا الحَكَمِ، أنتَ الَّذي أمرتَ بمحمَّدٍ فطُرِحَ عليهِ الفرثُ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فرفعَ السَّوطَ فضربَ بِهِ رأسَهُ" [المعجم الأوسط للطبراني].

3. أبو جهل يستجدي السيدة أسماء خوفاً على سمعته

جاء في السيرة النبوية لابن هشام، قال ابن إسحاق: عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر -رضي الله عنه- أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: "أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيثاً، فلطم خدِّي لطمة طرح منها قرطي".

يُقال إن أبا جهل أخذ يستجدي السيدة أسماء قائلاً لها: "خبئيها عني.. خبئيها عني" خشية أن يُعيَّر بين الناس بأنه لطم وجه امرأة، ويذكر أنه قال لمن حوله: "اكتموا عنيّ ما رأيتم... أخشى أن تعيرني العرب وتقول روّع بُنية تعمِّي عن أبيها".

4. كفار قريش يتورعون عن أن يتسوروا بيت النبي ﷺ ليلة الهجرة

عندما أخذت قريش من كل قبيلة رجلاً لقتل النبي ﷺ ليلة الهجرة، أشار عليهم أحدهم بأن يكسروا الباب عنوة، أو أن يتسوروا البيت ويدخلوا لقتل النبي ﷺ، لكن من معه من المشركين اعترضوا على كلامه، وقالوا: "والله إنها لسُبَّة في العرب أن يُتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا".

5. عبد الله بن أريقط يضحى بمائة ناقة حتى لا يخون العهد

عندما خرج النبي ﷺ من مَكَّةَ مُهاجراً إلى المدينةِ هو وصاحبه -رضيَ اللَّهُ عنهُ- اتخذا عبدَ اللَّهِ بن أُرَيْقطٍ دليلاً لهما يدلهما على طريق إلى المدينة لا تعرفه قريش.

كان عبد الله بن أريقط مشركاً، وعلم أن قريشاً جعلت مائة ناقة لمن يدلهم على النبي ﷺ أو لمن يرده عليهم، ورغم ذلك لم تغريه المكافأة التي رصدتها قريش ولم ينكث في عهده ولم يخون.

6. هند بنت عتبة وزوجها أبو سفيان بن حرب زعيم المشركين يساعدان السيدة زينب بنت رسول الله ﷺ على أن تلحق بأبيها في المدينة

عندما علمت هند بنت عتبة أن السيدة زينب -رضي الله عنها- تتجهز للحاق بأبيها في المدينة ذهبت إليها وقالت لها: يا ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحاق بأبيك؟ أي ابنة عم، إن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تتخوفي مني فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال.

قالت السيدة زينب رضي الله عنها: "والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك".

أما أبو سفيان بن حرب عندما رأى أن كنانة بن الربيع يريد أن يخرج بالسيدة زينب من مكة نهاراً عنوة عن قريش، قال له: "إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذ خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا إن ذلك عن ذل أصابنا وإن ذلك ضعف منا ووهن ولعمري ما لنا بحبسها من أبيها من حاجة ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سراً وألحقها بأبيها، ففعل".

ولقد ذمَّت هند بنت عتبة الرجال الذين أردوا منع السيدة زينب -رضي الله عنها- من الهجرة للمدينة قائلة:

أفي السلم أعياراً جفاءً وغلظةً * وفي الحرب أشباه النساء العوارك

7. أبو سفيان بن حرب يثني على النبي ﷺ بين يدي هرقل ملك الروم

عندما سأل هرقل ملك الروم أبو سفيان بن حرب عن نسب النبي ﷺ وعن خلقه فيهم، وعن أتباعه، وعما يدعوهم إليه، قال أبو سفيان: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبا لكذبت عنه".

إن الأمثلة في هذا المجال كثيرة، بل أكثر من أن تُحصى في موضوع كهذا، ولكن من مجمل هذه المواقف ندرك أن المجتمع الجاهلي لم يكن شراً مَحضاً، ولكن كانت به نماذج من المروءة والشرف ربما نفتقد مثلها في زماننا.

وختاماً أقول

إن النماذج التي ذكرناها جمعت خصالاً وشيماً مختلفة، وشملت الرجال والنساء، وكانت في مواقف في غاية الصعوبة بالنسبة لفاعليها إلا أن من يحمل في طيات نفسه المبادئ السَّامية يقبل أن تفصل رأسه عن جسده ولا يقبل أن يتخلى عما بداخله من قيم ومبادئ.

ولا يفوتنا أن نقر أن العظمة في المواقف التي ذكرناها كانت في المجتمع الذي تبنى قيماً ومبادئ تطبق على الجميع دون استثناء.

إن المُجتمع بالرغم من كونه مجتمعاً جاهلياً إلا أنه كان بداخله من يرفضون الممارسات الخاطئة ويلفظون فاعليها ويعيِّرُنهم بها مهما كانت مكانتهم ومهما بلغ نفوذهم، لدرجة أن سادة قريش أنفسهم كانوا يخشون خرق عادات وتقاليد المجتمع بالرغم من جاهليته.

من هنا نعلم أن الدرع الواقي لقيم ومبادئ المجتمع هو احترامها وعدم قبول اختراقها تحت أي ظرف من الظروف، وحين يتخلى المجتمع عن ذلك، تنتهك الحرمات، وتضيع الأمانات، وتداس القيم، ويكتوي الجميع بنار هذا التخلي وشؤم هذا التخاذل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

(1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …