واجب “الوقت” في المحن والنوازل

الرئيسية » بصائر الفكر » واجب “الوقت” في المحن والنوازل
1_vzWzeHIePfOxPdexHmrjVg

عن نضلة بن عبيد الأسلمي -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسده فيم أبلاه" (أخرجه الترمذي، وهو صحيح).

لم يحظ #الوقت وقيمته والحديث عنه وعن ضوابطه وأهميته مثلما حظي به في الإسلام، ولم تُعن حضارة بشرية بالوقت كما اعتنى به الإسلام، وقيمة الوقت تنبثق من كونه هو العمر الذي يعمل فيه المسلم، فما الحياة إلا أيام تمر وساعات تعمل في الإنسان ويعمل فيها، كلما مر نقص من عمره بقدر ما مر، كل دقيقة تمر بدون عمل هو عمر مهدر وحياة مهدرة وليس مجرد وقت يمر ، فما بالنا إذا حسبناها بجملة الأفراد الذي يتكون منهم المجتمع المسلم والأمة المسلمة، وحسبنا كذلك عدد الساعات المهدرة لكل منهم، فكم ضاعت على الأمة من سنوات بدون عمل، أو بعمل سلبي يأخذ منها بدل أن يضيف إليها، هو محسوب عليها تدفع ثمنه من تقدمها وريادتها وحضارتها وعمرها.

قيمة الوقت في كتاب الله والسنة النبوية

والله - عز وجل - أقسم بمفردات الوقت في أكثر من موضع في كتابه العزيز، فقال سبحانه يقسم بالوقت: {وَالضُّحَىٰ *وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} [الضحى:1، 2]، ويقول: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس:1]، ويقول: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1، 2]، ويقول سبحانه: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات:46].

فبيان قيمة الوقت لا يحتاج إليه عاقل، وهو يرى عمره ماضياً أمام عينيه ويحسب أن يزيد، ولا يعلم أنه ينقص مع كل نفس يتنفس به، وانتهاء الوقت -الذي هو انتهاء الحياة- يعني انقطاع العمل، وندم الذين ماتوا أنهم يودون لو تعود الحياة فيعملوا فيها ولو ساعة، والأمة التي تمر بمحن متوالية لا تملك رفاهية تضييع الأوقات في السكون، فضلاً عن العمل غير النافع، أو عمل السفهاء الذين يضيعون أعمارهم سدى، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وما أقسم الله -عز وجل- إلا بكل ذي قيمة!

ثم إن العبادات وشعائر الإسلام كلها تؤكد على قيمة الوقت، وممارستها كما هي تنظم وقت المسلم في اليوم والليلة وعلى مدار العام، فالصلاة خمس مرات في اليوم بمواعيد محددة لا يصح الخروج عليها إلا لظروف طارئة، والجمعة إلى الجمعة تنظم أعمال الأسبوع وفقها، ورمضان ثم الحج ينظم الأعمال السنوية وهكذا، فيوم المسلم ليس مفتوحاً وفوضوياً وضائعاً هباءً، وإنما لكل دقيقة فيه عمل محدد ومخصص، وفيما بينهما أعمال تخضع لتأثير تلك العبادات عليه، وإلا فلا قيمة لها.

العبادات وشعائر الإسلام كلها تؤكد على قيمة الوقت، وممارستها كما هي تنظم وقت المسلم في اليوم والليلة وعلى مدار العام

الوقت عند المفكر مالك بن نبي

يقول مالك بن نبي عن قيمة الوقت في حياة المسلم: "إن الزمن نهر قديم يعبر العالم، ويروي في أربع وعشرين ساعة الرقعة التي تعيش فيها كل الشعوب، والحقل الذي تعمل به، ولكن هذه الساعات -التي تصبح تاريخاً هنا وهناك - قد تصير عدماً إذا مرت فوق رؤوس لا تسمع خريرها"، ويستعين مالك بن نبي بعلم الاجتماع كي يحدد عناصر التكوين الحضاري ليحددها في ثلاث عناصر هي: "الإنسان والتراب والزمن".

وقد عرض مالك بن نبي نموذجاً لمنتج حضاري وهو "الورقة"، وعليه فإن العنصر الأول (أي الإنسان) هو الفاعل الحقيقي لأي إنتاج: وهو هنا يمثل الفكرة التي كشفت عن المولد، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصور أن هذه الفكرة جاءت من الفراغ، ومن هنا فإن الشرط الثاني يبدو ضرورياً لأية عملية ميلاد -وهو هنا عامل الزمن- ولكن أيضاً فإن الذي لا مراء فيه، هو أن الميلاد لهذا المنتج هو أصلاً مستمد من المادة التي بوساطتها ينتج هذا المولود، وهو هنا ما يسميه بالتراب والمقصود به ليس الإنتاج المادي، بقدر ما يرمز لأي شكل من أشكال الإنتاج.

وفي تحديده للعناصر المقصودة والمستهدفة بالتغيير الحضاري يذكر مالك بن نبي "الزمن" بتحوله من الحالة السائبة إلى الاستثمار الجماعي (أي بتحوله من حالة الفوضى والضياع لبذل الجهد فيها والعمل في كل ثوانيه).

قيمة "الوقت" في المحن والنوازل

إن قيمة الوقت تتضاعف عند المحن ؛ لأن الأمة والمجتمع والأفراد يكونون في حاجة لكل دقيقة تبذل فيه جهدها للخروج من المحنة والمأزق، وحال الأمة لا يخفى على أحد، تلك الأمة التي كانت تقضي الوقت ما بين المسجد مع العلماء، وفي الجبال لترصد حركة الكواكب والنجوم، وفي المعمل تعدد الميكروبات وتصف الدواء، وفي الجامعات تضع علوم الجبر والفيزياء، وفي أروقة السياسة تسود العالم، وفي الحروب تفتح الممالك، وفي الظلمات تنشر العدل والحكمة وتفصل بين الناس وتعلمهم، تلك هي الأمة حين كانت تتمسك بتعاليم ربها، وتعلم قيمة وقتها وتستثمر كل دقيقه تمر، وليس كاليوم محنة مركبة تمر بها الأمة على المستويين الداخلي والخارجي.

وعليها اليوم واجبان/ أو مَهمَّتان: الأولى/ الخروج من محنتها الداخلية لحاجة العالم إليها في وقت غابت فيه القيم، وضعفت فيه النفوس، وأصبحت الحاجة إلى قيم سماوية هي حاجة وجودية وليس مجرد خيار إنساني يعبر عن حريته في الاختيار، واجب على الأمة أن تعي وتدرك أن بقاءها مرهون بعملها وتحركها وانتقالها من الحالة الصفرية التي تمر بها.

واجب على الأمة أن تعي وتدرك أن بقاءها مرهون بعملها وتحركها وانتقالها من الحالة الصفرية التي تمر بها

وأما الواجب الثاني أو المَهمة الثانية/ فهي تقديم حل جذري لمشكلات العالم الناشئة عن انفراد الإنسان بالمشهد دون شريعة سماوية تحميه من انزلاقه في بؤرة عبادة ذاته.

والأمة -وفي القلب منها الحركة الإسلامية التي ما تزال تحمل عبء مَهَمّة الحفاظ على الدين باقياً وسط تلك الهجمة العالمية الشرسة وحدها- يجب عليها اتخاذ خطوات أكثر حرفية تجاه تحقيق مفهوم الوسطية وتنفيذ مقتضيات الشهادة -التي هي لب مهمة الأمة ومناط خيريتها- واختصاراً للوقت أحاول في نقاط محددة بلورة الخطوات العملية اللازمة للحركة الإسلامية العالمية والتي يمكن اتخاذها في هذا الخضم:

أولاً: إن أي حراك منفرد، أو إقليمي في عملية بعث الأمة من جديد هو عمل منقوص، لن يجدي كثيراً في عملية البناء الحقيقي ، وكأنك تعالج عضواً وتترك الآخر لينقل إليه الوهن من جديد، إن أية عملية بعث حضاري يجب أن تشمل الأمة من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها على التوازي وبنفس المنهجية.

إن أية عملية بعث حضاري يجب أن تشمل الأمة من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها على التوازي وبنفس المنهجية

ثانياً: إن انتظار القائد الملهم، والزعيم الأوحد ليس أوانه، ولا زمانه ؛ فالعمل المؤسسي التكنوقراط الواعي هو الحل الأمثل لإعادة لحمة الصف الإسلامي، وتجديد سريان مجرى مائه لتطهر ما أفسده السكون، فأي بناء قادم يجب أن ينبني على فكر مؤسسي جامع متكامل، الزعامة فيه للفكرة وليست لفرد بعينه، فكرة تستوعب الأمة، وتحسن توظيف كوادرها.

ثالثاً: إن التسويف في إدارة الأزمة وإيجاد حل سريع لها، واللعب على عامل الوقت وأنها سوف تحل من تلقاء نفسها ليس من سمة أصحاب المهام الكبرى، فصناعة الحدث وليس انتظار الفعل ليكون هناك رد فعل مناسب، هو واجب الوقت دون الانشغال بقضايا جانبية قد تخرج أصحاب الفكرة عن هدفهم المنشود.

رابعاً: ضرورة عمل ورش عمل -سريعاً- تتبناها الحركة الإسلامية تحمل تخصصات في مختلف العلوم الشرعية والعلمية، تشمل كوادر من كافة البلاد الإسلامية، وتمثل الفكرة الإسلامية الخالصة دون النظر للانتماء التنظيمي لتجديد الفكر الديني والتنظيمي والحركي والتربوي، والخروج بالمناهج التي ما عادت كافية لصناعة جيل من الشباب يساير الزمن، وواجب الوقت ألا يكتفي بمسايرته، بل بسبقه.

إن التغيير المنشود يجب أن يكون تغييراً شاملاً لأطراف الأمة، نسابق فيه الزمن للخروج بصيغة الخلاص من المحنة الحالية بمنهجية واعية وإدراك عميق وفهم دقيق، إننا لا يجب أن نتهم الظروف المحيطة على الدوام، ولا يجب الإلقاء بالتبعة واللوم على الشعوب دون قيد ، وإنما يجب إجراء مراجعات شاملة لبحث ما آلت إليه الأمور من نتائج، وتقرير العودة للمنبع الصافي من كتاب الله وسنة رسوله، ثم فكر علمائنا وكذلك المجدد البنا -رحمه الله- للعمل به وفق المستجدات، وحاجة الوقت.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

المنهجية العلمية في الفقه الإسلامي

قال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى …