وقفات تربوية مع موسى عليه السلام

الرئيسية » بصائر تربوية » وقفات تربوية مع موسى عليه السلام
quran
5 / 5 (7 votes)

القرآن الكريم يعرض لنا سِيَر الأولين ليس عبثا وإنما لنتخذ منها دروساً وعبراً فنسير على خطى من أفلح فنسلك سبيلهم ونتجنب دروب الهالكين: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف:111]، وأن يقص عليك من قصص الأنبياء الكرام -ولا سيما أولوا العزم منهم- فهذا فيض من الإله وكرم فاق كل كرم، فأن تعيش تفاصيل حياتهم بكل ما فيها من جهاد ومصابرة واحتمال أذى وعدوان، وهم الذي صنعهم الله على عينه -جل شأنه- وتربوا على مائدة النبوة وكأنهم أمام عينيك دون أن يلغي القاسم المشترك بينهم وبين البشرية جمعاء، وهي إنسانيتهم وبشريتهم فقد أرادهم الله رسلاً وأنبياء بشراً، ليكون لبني البشر رسل منهم يمرون بما يمر به البشر جميعاً من طبائع وغرائز، وأن هذه الطبائع والغرائز إذا هذبها الإنسان ارتقت به لمكانة تفوق مكانة الملائكة وإن تركها على حلّها انتكست وانحطت به لما دون مرتبة الأنعام بل وأضل سبيلاً.

وقصة موسى -عليه السلام- من القصص التي تملك عليك شغاف نفسك ولباب قلبك ويعرضها القرآن الكريم في كل مراحل حياته، منذ أن ولدته أمه وحتى بعثه الله رسولاً لبني إسرائيل فوجد منهم ما وجد، وشاء الله أن يرسله لمن ترعرع في بيته ليكون ليس أول الكافرين فيما يدعيه فرعون فحسب، بل حامل معول هدم زيفه وبهتانه وجبروته، فحياة موسى -عليه السلام- من المهد إلى اللحد، والتي هي حقيقة كانت من اليم إلى اليم تحمل لنا في طياتها من أعظم ما يستفيد بشر منها من دروس وعبر، فاستوقفتني في رحلة حياته مرحلة تحدث عنها القرآن الكريم في سورة القصص، وهو يخرج من دياره خائفاً متوجها إلى ديار مدين، وعند بلوغه مياه القوم الذين يسقون مواشيهم منها جذب انتباهه تأخر امرأتين في سقيا أغنامهما، فتتقدم به مروءته ليسقي لهُما، وكيف عرض القرآن الكريم وصور لنا هذا المشهد لنستخلص منه بعض الدروس التي تساعدنا في خوض غمار حياتنا عبر مرحلة من مراحلها:

1. إن الضرورة قد تقحم أحدنا دخول معترك الحياة أو دخول مجال قد لا يكون بالأصل من مجالات مشاركاتنا تماما كما حدث مع الفتاتين، إلا أن هذه الضرورة لا ينبغي أن تؤثر على طبائعنا السليمة وفطرنا النقية فنحافظ على مبادئنا وأخلاقنا ولا أن نتخذ من مقولة: “الغاية تبرر الوسيلة” منهجاً وشعاراً، فنلتزم الحدود في كل مجالاتنا ونسعى لتحقيق غاياتنا عبر وسائل مشروعة غير ملتوية.

2. مساعدة الآخرين وتقديم النفع لهم خير ساقه الله على يديك وفضل حباك به؛ فقد يأتيك وأنت في شدة وضيق ليكون فاتحة خير لك، فينبغي على المسلم أن يفعل الخير حيث لاحت فرصته ولا ينتظر استقرار مزاجه ونفسيته أو ظروفه، وإنما باب يعاجله إذا فُتح فكم من فرصة ضاعت ولم تتكرر وباب خير أغلق وندمنا على فواته.

3. افعل الخير ولا ترتقب جزاءً ولا شكوراً، بل اشكر فضل الله عليك أن جعلك غيثاً وسبب خير، مستشعراً فقرك وذلك وحاجتك لله: {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24].

4. لا تقف على ما لا يعنيك شأنه ولا تدخل في تفاصيل قد تفتح لك باباً يتسلل منه شياطين الإنس والجن، اقض حوائج الآخرين دون اقتحام مساحاتهم، ولا تتجاوز حدود الشرع والأدب، فانظر لموسى سقى لهما ثم تولى (لم يعنه أي شيء آخر لا اسمهما ولا من مكانتهما ولا وظيفتهما ولا أي من خصوصياتهما) فكم من فضول أوقع صاحبه في حرج أو مخالفة شرعية، وانظر للفتاة تأتيه بأمر من أبيها ولكن على استحياء.

5. الحياء خلق جميل بل جزء لا يتجزأ من الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم: “الحياء من الإيمان” [صحيح البخاري]، وضروري من ضروريات الحياة للرجل وللمرأة على حد سواء؛ فدخول المرأة لمعترك الحياة لا يعني تخليها عن فطرتها في الحياء والذي هو من أهم شيمها وزينتها الخُلقية، كما أن اتصاف الرجل وتخلقه به لا يتصادم مع رجولته ولا يتعارض معها.

6. القوة والأمانة صفتان لا بد من اجتماعهما في أداء العمل الذي أسند إلينا، فلا يخون المرء فيما أسند إليه ثم يكون قوياً على أدائه وتشمل القوة البدنية على ذلك العمل والخبرة فيه والهمة الدافعة لانجازه.

7. مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل الصالح المناسب لها، وقد كان هذا عهد سلفنا الصالح، كما عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهم جميعاً- والقصة معروفة وغيرها من الشواهد كثير.

8. انتقال موسى من حياة الدعة والترف إلى مدين وعمله أجيراً بعدما كان ربيب القصور إنما ذلك لتهيئته ليتحمل أعباء الرسالة لتقوية ملكة الصبر والأناة ليتحمل ما سيلاقيه من شدائد في طريقه لتقويض أركان الظلم والجبروت، لذا على كل مسلم أن ينوّع في تربية نفسه ومن هم تحت مسؤوليته فلا يتخذ الدعة والترف والتنعم ديدناً ولا لوناً واحداً في حياته إذ لا بد من تربية على شظف العيش ومفارقة النعم ولو مرة في الأسبوع أو الشهر أو السنة؛ ليكون الإنسان مهيأً لكل الظروف والاحتمالات لا سيما وأن أصحاب الرسالات وحملة الحق دروبهم محفوفة بالمكاره والصعاب والعثرات.

وقصة موسى – عليه السلام – من القصص التي تتعدد جوانبها ومراحلها ومع كل تلاوة لها ووقفة تدبر في كتاب الله ستخرج منها بخير عظيم وصفحة مضيئة وهذا من سمت القرآن وبركته كلما اقتربت منه غرفت من أنواره وهداه، ولقصة موسى عليه السلام بقية إن بقي في العمر بقية.

اللهم اجعلنا ممن يهتدي بالقرآن واجعلنا من أهل القرآن وخاصته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

30 طريقة لتوطيد العلاقة مع ابنك المراهق (1-2)

يشكو كثير من الآباء عدم قدرتهم على التفاعل والتواصل مع أبنائهم المراهقين، وللأسف لا يسعى …