الذات المسلمة وقضية الهوية.. بين الأصول والاغتراب

الرئيسية » بصائر الفكر » الذات المسلمة وقضية الهوية.. بين الأصول والاغتراب
المسلمون-في-الغرب

يُعد هذا الموضوع -موضوع الذات المسلمة، وهويتها، وكيفية الحفاظ عليها- من القضايا القديمة التي دأبت الكثير من الأوساط الفكرية والحركية المسلمة على تناولها بعد التحولات التي طرأت على العالم الإسلامي في المائة عام الأخيرة، وقادت إلى نتيجتَيْن مهمتَيْن: دخول الإسلام إلى مناطق ومجتمعات جديدة، أُسْلَم أهلها، وذهاب موجات هجرة للمسلمين، من بلدان العالم العربي والإسلامي إلى بلدان باتوا فيها أقليات.

وفي الحقيقة، لسنا في معرض تناول الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلف ظاهرة الهجرة، فهي من الاتساع والتعقيد بمكان مما يزيد على قدرة استيعاب هذا الحيِّز، وإنما المهم هو ما آلت إليه أحوال المسلمين في مجتمعات المهاجر، فيما يتعلق بقضية الهجرة.

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، نِسَباً وأرقاماً حول مشكلة -غاية في الأهمية- تتعلق بقضية استمرار الأجيال -التالية للجيل الذي هاجر إلى المجتمعات غير المسلمة- على دينهم، ومن بين الأرقام المتداولة في هذا الصدد، أنَّ مَن هاجروا من 100 عام، هناك 96 بالمائة من ذريتهم، لم يعودوا مسلمين، وأن من هاجروا منذ 60 عاماً، فإنَّ نسبة 75 بالمائة من ذرياتهم لم يعودوا مسلمين، والذين هاجروا منذ 60 عاماً، لم يعد 40 بالمائة من ذرياتهم مسلمين، وتصل النسبة إلى الربع عند الذين هاجروا منذ 40 عاماً.

ونموذج مهم في هذا الصدد، أنَّه من بين ذرية الشيخ رمضان البيروتي -الذي هاجر إليها في العام 1923م، وأسس أول مسجد هناك- لم يعد أيٌّ من أحفاده -المقيمين في الأكوادور- مسلماً.

وقد أشار الكثير من المفكرين والمؤرخين المسلمين إلى ذلك، والتفتوا إليه مبكراً، منهم الدكتور عبد الحليم عويس، الذي تناول هذه الإشكالية في أكثر من دراسة وكتاب، منها دراسة له بعنوان: "الشيخ محمد الغزالي.. قصة داعية جاهد بقلمه ولسانه نصف قرن"، ونُشِرَت في مجلة "الفيصل" السعودية [العدد (147)، أبريل/ مايو 1987م، ص. ص 39 - 42].

والغزالي نفسه، تناول هذه المشكلة في كثيرٍ من كتبه، من بينها "مستقبل الإسلام خارج أرضه"، و"الغزو الثقافي يمتد في فراغنا".

بل إن صحفيين غربيين التفتوا إلى هذه المشكلة، منهم الصحفي الفرنسي، آلان جريش، صحفي "اللوموند ديبلوماتيك" الأشهر، الذي وضع كتاباً مهمّاً بعنوان "الإسلام والجمهورية والعالم"، وصدر عن "دار الساقي" العربية اللندنية، والذي أشار أيضاً إلى مشكلة أخرى في هذا الإطار، وهي مشكلة الانقسامات المذهبية والسياسية بين المسلمين، كعائق كبير أمام الأجيال التالية من أبناء المهاجرين المسلمين للاستمرار على ديانة آبائهم.

وبعض هذه الإحصائيات من أربابها، ضمَّنها عدد من أحفاد الشيخ رمضان البيروتي، الذي كان أوَّل مَن أسس مسجداً في الأكوادور على النحو المذكور.

هذه القضية هي مدخل لقضية أكبر وأعظم، يجب أن تحتل مركزاً متقدِّماً في اهتمامات الحركة الإسلامية، فهي تُعدُّ صلب الأمانة الدعوية؛ لأنها ترتبط بمصير ملايين المسلمين حرفيّاً، مهددون في ذاتهم وهويتهم على النحو الذي تعكسه هذه الإحصائيات، وإحصائيات أخرى، منها مثلاً انصراف نسبة أكثر من نصف الشباب العربي عن التديُّن والفكرة الإسلامية وفق ما أبرزته أبحاث مؤسسة الباروميتر العربي بين العام 2016م والعام 2018م.

والتحديات المطروحة في هذا الصدد، كثيرة، وعظيمة التأثير، والحديث ليس على وجه العموم المعتاد، باعتبار أننا نقف أمام مشكلة ممتدة؛ لأننا نتكلم عن نقطة زمنية فارقة تشهد الكثير من المستجدات التي تفرض طرح هذه القضية بصورة شفافة، تعترف بوجود قصور كبير في الجهود الدعوية.

ففي هذه المرحلة، تتزامن الصراعات التي نهضت على أنقاض ما يُعرَف بثورات الربيع العربي، وما تبعها من حروب أهلية وصراعات مسلَّحة، أفقدت الحركة الإسلامية الكثير من الأرضية المجتمعية التي كانت تقف عليها في خطابها الدعوي، نقول تتزامن هذه الحالة مع تطورات عميقة في مجالات العلوم ومكتشفات مراكز البحوث، ولا سيما في مجال الفضاء والعلوم الحيوية، مما يتصل اتصالاً مباشراً بعدد من القضايا المهمة المطروحة في القرآن الكريم، ولها تصورات وأحكام لدينا كمسلمين.

ولعل أهم الجدالات التي ظهرت في هذا المجال، ما يتعلق بالكشوف الخاصة بالتركيبة الجينية للإنسان الأول غير الآدمي الذي كان يسكن الأرض من فترة بين مائة ألف إلى نصف مليون عام، قبل ظهور الإنسان الآدمي الذي تتوافق أدلة ظهوره من خلال الحفريات والُّلقيات الأثرية، مع بعض المرويات عن توقيت نزول أبي البشر، آدم -عليه السلام- من السماء إلى الأرض، والأحداث الكبرى التي تلت ذلك، والتي كان أهمها طوفان نوح -عليه السلام- وظهور التجمعات البشرية الأولى في العالم القديم.

كذلك نواكب الآن زمنيّاً، جدل المثلية الجنسية، والتي هي صورة فقط من صور الشذوذ الجنسي والانحرافات الجنسية، التي هي طائفة واسعة من الانحرافات، لم نقف على تصدٍّ حقيقي لها، يعكس فهماً لجوانبها المختلفة، الطبية والنفسية والسلوكية، وتطرح تصوُّراً للدين حولها، لا يتضاد أو يُبدي تصلُّباً مع حقائق علمية لا يمكن دحضها.

بل إن الجريمة الكبرى أننا نجد بعض دعاتنا -لو ظهر تضادٌّ ظاهري بين نتيجة علمية ما، وبين أحكام شرعية- لا يبذلون أي جهد في البحث عن طرائق للموازنة، ويكتفون بالإعلان عن حكم شرعي لا ينطبق على الحالة المعروضة بالإطلاق. نعلم أن الحدود والأحكام الشرعية لها اشتراطات للتنفيذ والتطبيق، هذا المنطق لا نجده في كثير من الأمور المُستَجدَّة، ولا يُوجد أي تفهُّم لتعقيدات وتنوُّع محتوى أية ظاهرة من الظواهر.

أَلَم يتعطَّل حد السرقة في عام الرمادة؟ ألا تُعطَّل الحدود للمجنون؟ ألا تحكم الشريعة الإسلامية على أصحاب الأهلية والحرية، بخلاف ما تُطالِب به غير ذوي الأهلية والمُقيَّدة حُرِّيَّتهم؟ أين هذه المفاهيم الأساسية أصلاً في الإسلام!
كما أنه في هذا تغافلٌ عن حقيقة مهمة: وهي أنَّ العلم ومكتشفاته ليس صنيعةً للغرب أو الشرق، وإنما هو اكتشاف لقوانين اللهِ تعالى في خلقه . لم يخلقوه. فقط اكتشفوه، وذلك يتم بإرادة اللهِ تعالى مما يحقق قوانين عمرانه في التطور الحضاري، وضمان صيرورة حياة الإنسان والدنيا بأسرها، وفق حكمته البالغة، وفق مبدأ وننزِّلُ بقَدَرٍ، بما في ذلك العلم.

فنحن لمَّا نصل إلى أنه يمكننا توليد تيار كهربائي من خلال آلية معينة في مجال مغناطيسي، فهذا ليس من عند العلماء، وإنما هو اكتشاف لقوانين وضعها اللهُ تعالى في المجال المغناطيسي عندما يتفاعل مع هذه الآلية.

كما أنه خطيئة كبرى، لأننا إذا لم نبدِع في إيجاد توافق بين التصور الديني ومكتشفات العلم الأكيدة، سوف نكون نحن الذين – والعياذ بالله – نهدم الدين ولا نقيمه، وليس الغرب أو الصهاينة أو أي خصم آخر من خصوم ديننا الحنيف.

إذا لم نبدِع في إيجاد توافق بين التصور الديني ومكتشفات العلم الأكيدة، سوف نكون نحن الذين –والعياذ بالله– نهدم الدين ولا نقيمه

وهذا يردَّنا إلى قضية مزمنة في الواقع، وهي قضية المسلمين والحداثة وما بعدها. هذه صرنا نناقشها منذ أكثر من نصف قرن، ولم نصل إلى صيغة صحيحة لتطبيق لمعادلة بسيطة للغاية توازن بين هويتنا، وبين ضرورةِ فعلاً الانفتاح على العالم، والأخذ بالقيم المدنية ومفردات الحضارة المختلفة.

بل إن الأزهر الشريف تعرَّض ولا يزال يتعرَّض لحربٍ طاحنة من جانب بعض الأوساط التي تنسب نفسها للدين، وتتكلم باسمه، لمجرَّد أنه قد أدخل العلوم الدنيوية إلى أروقته، وكأن المسلمين عبر تاريخهم لم يقدموا إبداعات اعترف لهم العالم بها في مجالات الطب والرياضيات والفلك وسائر هذه العلوم. بل إن الحضارة الغربية انطلقت مِن منجزات علماء المسلمين في هذه المجالات وغيرها.

المدهش أن أجيالاً كاملة من المسلمين، بل ومن الدعاة منهم، لا يعرفون أن غالب علماء المسلمين -مثل البيروني والإدريسي وابن سينا- كانوا في الأصل فقهاء وقضاة شرعيين . أي أنهم انطلقوا في آفاق العلم المختلفة على أساس معرفة شرعية راسخة، ولم يجدوا هذا التناقض العجيب الذي يراه البعض من المسلمين بين هذا وذاك.

بل إن المضحك، أن مستشرقين غربيين قدامى ومعاصرين، يؤكدون أن علماء المسلمين لهم هذا الفضل الذي انبنى على الإسلام الحقيقي، بينما مسلمون يقفون يتصدُّون لذلك، ويفصلون بين الدين والعلم ومفردات الحداثة، بصورة ظلامية عقيمة.

والمؤسف هنا أن الحركة الإسلامية وهي التي لديها القدرات الأكبر على المستوى التنظيمي، ومحاضن تربوية واجتماعية وعلمية وشرعية ودعوية، انشغلت بالكثير من الأمور التي لم تحقق نتائج في مهمة المسلم الأساسية، وهي الدعوة.

والأرقام التي وقفنا عليها في بداية هذا الموضِع من الحديث تبرز ذلك، ولا يمكن الركون إلى الأرقام المتعلقة بالمسلمين الجُدد في المجتمعات الأخرى، والتي يتباهى بها البعض بثورة فيها الكثير من ضيق الأفق بالمعنى الموضوعي الذي لا يأخذ في حسبانه كامل أرجاء الصورة وأبعاد الموقف.

فبالبحث في هذه الأرقام التي تتكلم عن أنه –مثلاً– هناك 20 ألف شخص يدخل الإسلام كل عامٍ في الولايات المتحدة، سوف نجد إغفالاً للأرقام التي تشير إلى عدد حالات الخروج من الإسلام، سواء من هؤلاء العشرين ألف، ممَّن اعتنقوه كفلسفة يريدون فيها السلام الروحي في مواجهة وحش الرأسمالية، أو من أبناء المهاجرين المسلمين القادمين في الأصل من العالم العربي والإسلامي.

لا نقف على دراسات علمية حقيقية في هذا الاتجاه، وكلها جهود فردية من أصحابها الذين لم يجدوا أي دعمٍ برغم أن هذا هو أهم ما ينبغي أن يشغلنا.

وفي الأخير، فإنه من المؤسف أن أبحاث الباروميتر العربي لم تجد صداها عند أولي الأمر من المسلمين، ونقف الآن أمام إشكالات أخرى لن تقود إلى ترك الشباب المسلم للتديُّن، بل ترك دينه نفسه. والأرقام تقول ذلك. نسأل اللهَ تعالى الهداية والثبات.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

الاستشراف المستقبلي ووضع السيناريوهات المختلفة عند اتخاذ القرار

مع التعقيد الكبير الحاصل في مفردات الحياة البشرية، وفي ظل التداخُل الكبير الحادث بين مختلف …