العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية

الرئيسية » كتاب ومؤلف » العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية
العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية - غلاف أمامي

مثَّلت مقولة "نهاية التاريخ" التي نحتها المفكر الأمريكي من أصل ياباني، فرانسيس فوكوياما، أيقونة مهمة في المجال السياسي والإعلامي، وكذلك الأكاديمي في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة.

وتكاملت هذه المقولة مع مقولات وكتابات أخرى لمفكرين غربيين، مثل صموئيل هنتنجتون، ضمن عملية متكاملة من التبشير السياسي بهيمنة وسطوة الغرب ونمطه الحضاري على الإنسانية بعد الانتصار الذي حققه في الحرب الباردة على الكتلة الشرقية.

وللدقة، فقد مثلت مقولات فوكوياما وهنتنجتون -ومَن نحا نحوهما- تبشيراً بالحضارة الأنجلوساكسونية التي تضم التحالف الأمريكي البريطاني، وأمماً أخرى تدور في فلك هذا التحالف.

وبطبيعة الحال، مثَّلت هذه المقولات استفزازاً وتحدياً للكثير من الأمم الأخرى التي سعت واجتهدت لإيجاد مكانٍ لها تحت شمس العالم الجديد قبل أن يتشكَّل بصورة نهائية تضمن هيمنة الأمريكيين وحلفائهم وأتباعهم على العالم.
وجاء الأوروبيون –باستثناء بريطانيا بطبيعة الحال؛ لأنها ضمن هذا السياق المهيمن أن الساعي إلى الهيمنة– والصينيون على رأس الأمم التي سعت إلى إيجاد مكانٍ لها في مقدمة السباق الحضاري، والروس بطبيعة الحال، ضمن ميراث ما بعد المرحلة السوفييتية، وفي الخلفية ظهرت الهند، وحاولت البرازيل، أن تكون متواجدة.

وهنا ثار سؤال كبير: أين العالم الإسلامي من كل هذا الذي يجري، موضعاً وموقفاً؟

وفي حقيقة الأمر فإن هذا سؤال مشروع؛ ليس فقط لأنه من حق أية أمة أن تبحث لنفسها عن مكانة، ولكن أيضاً لأن العالم الإسلامي كان بالفعل هو سيد العالم القديم حضاريّاً طيلة قرون طويلة.

فعلى مدار أكثر من عشرة قرون، منذ ظهور الدولة العباسية الأولى التي نهضت كدولة إمبراطورية الطابع لجهة الهيمنة والانتشار على الأسس التي وضعتها دولة الإسلام الأولى، والدولة الأموية، وكان ذلك بين القرنَيْن السابع والثامن الميلاديَّيْن، وحتى سريان عوامل الضعف والتراجع الحضاري على الدولة العثمانية، في القرن الثامن عشر الميلادي، كان العالم الإسلامي هو المهيمن سياسيّاً وحضاريّاً وفق معايير دقيقة موضوعية للهيمنة، مثل السيطرة على طرق التجارة الأهم، البرية والبحرية، والإسهام في المجال العلمي، والسيطرة على مناطق جيوسياسية شاسعة.

وبالتالي، كانت هناك ارتدادات لمقولة هنتنجتون في مستويات عديدة في عالمنا الإسلامي، كان من بينها هذا الكتاب الذي وضعه رئيس الوزراء التركي الأسبق، البروفيسور أحمد داوود أوغلو في التسعينيات، وبين أيدينا الطبعة العربية الأولى له، والتي صدرت في العام 2006م.

تمهيد

الكتاب في رسالته الرئيسة، يمثِّل صيحة تحذير قوية للمسلمين تنذرهم بأنهم سيكونون خارج السباق الحضاري إذا ما ظلوا على هذه الحالة من التشرذم، ومن التخلف الحضاري لدولهم.

وضع أوغلو هذا الكتاب خلال عمله في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في الفترة ما بين العام 1990م، عندما أنشأ قسم العلوم السياسية في الجامعة وحتى العام 1994م، ثم عاد بعد ذلك إلى بلاده لكي يعمل أستاذاً في قسم العلاقات الدولية في جامعة مرمرة في الفترة ما بين العام 1995م إلى العام 1999م.

وخلال تلك الفترة وضع أوغلو أيضاً العديد من الكتب والمؤلفات التي مثَّلت برامج عمل للسياسات الرسمية التركية بعد وصول حزب العدالة والتنمية بعد إلى الحكم في تركيا عام 2002م، ومنها "العمق الإستراتيجي" و"نماذج بديلة".

وفي حقيقة الأمر، كان الكتاب من الأهمية بمكان في زاوية لم يلتفت إليها الكثيرون في حينه، وهي أن نهاية الحرب الباردة وتفكُّك الاتحاد السوفييتي السابق ويوغسلافيا السابقة، والكتلة الشرقية بشكل عام، قد أخرجت مساحات جيوسياسية من أهم ما يمكن بالنسبة لتاريخ الدولة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، ومن بين أهمها، آسيا الوسطى وبعض مناطق القوقاز والبلقان.

واهتم أوغلو في هذا السياق بأحوال المسلمين في هذه المناطق، وما تعرضوا له من أزمات واضطهاد على يد القوى القومية هناك، كما حدث مع مسلمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا ومسلمي البوسنة والهرسك.
وللتنويه الواجب هنا، أن الكتاب صدرت طبعته الأولى في ماليزيا، وبالتحديد عام 1994م – كان بعنوان أكثر تعبيراً عن المضمون والرسائل التي أرادها منه أوغلو، وهو "التحول الحضاري والعالم الإسلامي" – وذلك بسبب ظروف تركيا السياسية وقتئذٍ، والتي لم تكن تسمح بظهور مثل هذه المطبوعات، بينما كانت وقتها هناك حاجة شديدة الإلحاح بالفعل لمناقشة مستقبل العالم الإسلامي في مرحلة السيولة وإعادة تشكيل النظام العالمي التي لا يزال العالم يشهدها في واقع الأمر، فلا يمكن بحال القول إن الأمور في يد واشنطن وحدها.

مع الكتاب

الكتاب من ثمانية فصول، الأول منها/ فنَّد فيه أوغلو مقولات نهاية التاريخ من زاوية موضوعية بحتة تنطلق من قراءة صحيحة للتاريخ الإنساني وصيرورات الحضارات الإنسانية، مع لمسة من الهوية الإسلامية التي انطلق منها أوغلو في الأصل في كتابه.

الفصل الثاني من الكتاب/ عدَّد فيه الفيلسوف والمفكر الإسلامي الكثير من مناطق الخلل القائمة في الواقع الحضاري والعام للإنسانية في تلك المرحلة، ونرى أنها لا تزال تمر بها الإنسانية إلى الآن، بل وتنحدر إلى المزيد منها بسبب هيمنة رؤية واحدة غير رشيدة على مقاليد التطور والتحول الإنساني.

ودخل أوغلو في هذا المضمار في كثير من القضايا الموضوعية ذات الطابع المتخصص، بجانب نواحٍ فلسفية وفكرية، مثل اختلال التوازن البيئي، كذلك ردَّ على مدرسة العلم المادي، والتي أعلت من سطوة العقل على حساب منظومة الدين والأخلاق.

وبالرغم من أهمية هذه القضايا ذات الطابع المادي الموضوعي، إلا أن الأهم من ذلك، كانت القضايا الفكرية التي تناولها، والتي هي أساس توجيه الإنسان في حياته، فقد حذَّر –كما في الفصل الأول– من مخاطر الرؤية الحالية التي تسيطر على الحِراك الحضاري الإنساني، وأنها تقود إلى مهاوٍ عديدة ولو على مستوى الفرد، وليس الوجدان الجمعي للإنسانية، مثل طغيان المادة في عصر الثورة الصناعية الرابعة، وتنامي اغتراب الوعي عند الإنسان والعديد من القضايا الوجودية الأخرى.

الفصلان الثالث والرابع/ كانا مهمَّين في زاوية منح الكتاب المجال الموضوعي اللازم لكي يحوز ثقة القارئ، مهما كانت ديانته أو انتماؤه القومي عند مناقشة التفكيك الذي قدمه أوغلو للحضارة الغربية ومرتكزاتها، فتناول فيه المحاولات التي يكررها الغرب، الذي أسند حضارته إلى هوية مسيحية في الأساس، من أجل تصويب الأوضاع التي يعيشها.

كذلك أشار إلى نقاط مهمة متعلقة بإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، ولعل أهم ما أشار إليه في هذا الصدد، هو قضية تعدد الأقطاب المحتملة له، والتي أثبت ربع القرن التالي –منذ نشر الكتاب لأول مرَّة، وحتى الآن– أنها صحيحة، لأن مركز القرار العالمي لم يعد في الولايات المتحدة فقط بحال من الأحوال.

الفصول من الرابع إلى السادس/ هي أهم ما جاء في الكتاب من زاوية الرؤية الإسلامية، والواجبات المطروحة، فقد ناقش أوغلو -بشكل دقيق- كل ما يتعلق بعملية إطلاق النموذج الحضاري الإسلامي.

ولعل أهم ما اصطكه أوغلو فيه من مصطلحات، هو "الوعي الوجودي الإسلامي"، وقال إن ذلك مدخل أساسي في مواجهة اختلالات الحريات والأمن الوجودي للإنسانية التي قاد إليها النموذج العلماني الغربي.

وتناول في هذا السياق طائفة واسعة من الأمور التي يمكن أن يقدمها المسلمون في هذا المضمار، وعلى رأسها منظومة القيم والأخلاقيات التي لها بطبيعة الحال، الدور الأكبر في توجيه مساقات الحياة بشكل عام.

وهنا دافع أوغلو ضد منتقدي النموذج الإسلامي، فقد قال بشمولِه أولاً، ولو فيما يتعلق بأمور كانت ثانوية حتى وقت قريب في اهتمامات العالم، مثل البيئة، وثانياً، الرد على اتهام متواتر للإسلام والمسلمين برفض الآخر، وقال إن الأصالة والتمسُّك بالهوية لا تعني رفض الإسلام والمسلمين للتعددية الثقافية.

وفي السياق، تناول أوغلو منظومة من الأزمات الحقيقية التي تعترض تطبيق النموذج الحضاري الإسلامي وإطلاقه كبديل فيه الخلاص للإنسانية، مثل الأزمات الاقتصادية والسياسية والفكرية، وأزمات المؤسسات الإسلامية الجامعة، ودعا في الإطار إلى حلول لا تنفصل أو تنعزل عن السياق العالمي، ولو في المجال الاقتصادي.

الجانب المهم الذي تناوله كذلك أوغلو في كتابه هو كيفية الوصول إلى شرعية جامعة للمسلمين من أجل تحقيق وحدتهم في ظل شرعية الدولة القُطْرِيَّة المسيطرة في الوقت الحالي.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أوغلو حمَّل الإرث الاستعماري والقوى الدولية الكبرى مسؤولية الأزمات الداخلية للدول الإسلامية، وضرب على ذلك نماذج كثيرة، مثل الأنظمة الحاكمة المستبدة، وفاقدة الشرعية، والتي تلقَى دعماً من الغرب، وكذلك دور القوى الاستعمارية الكبرى في تأجيج الأزمات، كما كان الحال في الحرب العراقية الإيرانية، بالإضافة إلى قضايا الأقليات المسلمة في الكثير من دول العالم أيضاً، والتي قال إن الغرب ناقض نفسه فيها، بتجاهلها بينما هو يعلن أنه يدعم حقوق الإنسان بدون تمييز.

الفصل السابع/ قدَّم فيه المؤلف ملامح لنظام عالمي جديد وفق الرؤية الإسلامية، وإن أكَّد أن ذلك ليس بالأمر السهل، فهناك قوى ممانعة كبيرة سوف تعترض ذلك، بما سوف يفرض مواجهات حتمية بالمعنى الحرفي للمواجهة الحضارية.

وعندما طرح رؤيته لكيفية الوصول إلى صيغة من الوحدة الإسلامية لإعادة الانطلاق، فإنه قدَّم نقطة مركزية في هذا الصدد، وهي الضغط باتجاه إعادة إحياء الهوية المسلمة للدول والمجتمعات العربية والإسلامية، والثانية، تدعيم الحضور السياسي للقوى الإسلامية من خلال منافذ العمل السياسي المختلفة، مثل الانتخابات مثلما رأينا في مصر والأردن والجزائر في تلك الفترة، وصولاً إلى الثورة الشاملة كما حدث في إيران، أو تكرار نموذج الجهاد الأفغاني في مناطق أخرى يتعرض فيها المسلمون للاضطهاد، مثل إقليم مينداناو في الفلبين، والشطر الذي تحتله الهند من إقليم كشمير.

الفصل الثامن - والأخير - من الكتاب/ أعاد فيه أوغلو التأكيد على ملاحظاته الأساسية التي أوردها فيه، وعلى رأسها أن هناك أزمة حضارية تمر بها الإنسانية، وأنها تسمح للمسلمين بتقديم الكثير لطرح البديل الإسلامي.

مع المؤلف

والمؤلف هو البروفيسور أحمد داوود أوغلو، من مواليد قونية في 26 فبراير من العام 1959م، وحاصل على درجة الماجستير في الإدارة العامة، ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة بوجازتشي.

ويعتبر أوغلو أحد أشهر وأهم الشخصيات السياسية التي ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة، ونالت شعبية كبيرة خارج بلاده (تركيا) في ظل الدور الذي لعبه في تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، ورسم السياسات المركزية التي انطلق منها حزب العدالة والتنمية الحاكم في الداخل والخارج، ولا سيما في يتعلق بالسياسات التركية إزاء مجالات تركيا الحيوية الثلاثة: الجوار العربي، والدول الناطقة بالتركية، وفي الخلفية العالم الإسلامي.

ومنذ 2002، شغل أوغلو مناصب قيادية، منها منصب وزير الخارجية، ورئيس الوزراء، قبل أن يستقيل من الحزب الحاكم بعد خلافات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ويؤسس حزباً جديداً باسم "حزب المستقبل".

بيانات الكتاب:

اسم المؤلف: أحمد داوود أوغلو
اسم الكتاب: العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية
ترجمة وتحرير ومراجعة: إبراهيم البيومي غانم
مكان النشر: القاهرة
الناشر: مكتبة الشروق الدولية
تاريخ النشر: يناير 2006م
الطبعة: الطبعة العربية الأولى
عدد الصفحات: 207 صفحات من القطع الكبير

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

الاجتهاد: النَّص، الواقع، المصلحة

تُعد قضية الاجتهاد، واحدة من أكثر القضايا التي رافقت هذا الدين (الإسلام) منذ نزول أول …