تأملات في عمر الإنسان

الرئيسية » خواطر تربوية » تأملات في عمر الإنسان
life

يمر الإنسان بمراحل مختلفة في عمره ويتخطاها بين العناية مرة والإهمال مرات عديدة، فمرحلة الشباب التي تمتاز بتوهج القلب وتوقد الروح ينشغل الكثير منا فيها عن هدفه الحقيقي من الحياة، فتخطفه السنوات خطفاً وهو ذاهل عنها منكب بين السعي على دراسته وبين مجاراة هواياته وملء وقت فراغه بعلاقاته الاجتماعية والأسرية وقضاء أوقاته مع أصحابه وخلانه فإن لفت أحدهم انتباهه ودعاه للتركيز على غايته أجابه بأنّ العمر أمامه.

ثم يلي تلك المرحلة مرحلة البحث عن شريك الحياة والاستقرار والسكنى وكأن المرء مفروض عليه أن يظل في اضطراب وفوضى بلا أهداف ولا غايات حتى يجد شريك حياته، مفاهيم متوارثة على ما هي عليه من أخطاء ونواقص وهل كان خالياً من المسؤولية عن حياته قبل هذه المرحلة أم تراها ستسقط من صحيفة حسابه يوم يقف بين يدي الجليل ليسأله عن كل صغيرة وكبيرة في حياته من وقت أن جرى عليه القلم؟ وقديماً قالوا: "من شب على شيء شاب عليه"، فكيف بمن لم يتعود حمل مسؤولية نفسه أو فشل في تزكيتها وتربيتها وضبطها أن يكون مسؤولا عن أسرة هو القوّام فيها؟ الزوجة والأبناء من مسؤوليته بل ومحاسب عنهم جميعاً، إنها مرحلة يلزمها الإعداد من قبلها بوقت للرجل والمرأة على حد سواء.

ثم ماذا! ثم يأتي الانشغال بشؤون وواجبات الأسرة ورعاية الأبناء فلا متسع لتحقيق أي هدف من تلك القائمة المؤجلة للأوقات المثالية التي نرسمها في أذهاننا وننتظر قدومها ولو تفكرنا في حياتنا وحياة من سبقنا لأيقنا حقيقة أن خير الأوقات وأفضلها تلك التي تكون بين يديك حقيقة فتحسن استثمارها على ما هي عليه من ظروف وعلى ما أنت عليه من عرج وضعف ووهن؛ لأن الأوقات المُثلى والفضلى الخالية من تزاحم الأعباء والمسؤوليات لن يكون لها وجود إلا في عالم أمنياتك ؛ لأنك ستكتشف أن انتظارك هذا كان ضرباً من الجنون ففي اللحظة التي تعي ما يدور حولك من تسرب للعمر كحبات الرمل من بين أصابعك تجد قدميك تضع أولى خطواتها على طريق الرحيل وأنك لدار الآخرة أقرب منك لدار الدنيا، في هذه اللحظة تحديداً ستجد نفسك وكأنك تقف على هضبة تستشرف المستقبل وترقبه وتنظر إلى الماضي بعين متأملة متفحصة، في لحظة ما من هذه المرحلة ستجد نفسك مجبراً على إعادة النظر في كثير من الأمور الماضية والراهنة والآتية.

خير الأوقات وأفضلها تلك التي تكون بين يديك حقيقة فتحسن استثمارها على ما هي عليه من ظروف وعلى ما أنت عليه من عرج وضعف ووهن

فستنظر أول ما تنظر إلى تلك العلاقات التي أخذت مساحة شاسعة من عمرك ووقتك ومررت بها، ستجد البعض منها ثابتاً في حياتك كما الجبال الراسية بل وتستمد ثباتك منها فهي تماماً كما الجبال للأرض أوتاد، وبعضها كنسمة صباح مرّت على وجهك خفيفة لطيفة أو كسحابة صيف أرسلها الله لك في صحراء عمرك لتستظل بها وتجتاز وعورة اعترضت مسيرك، أسباب سببها الله لك في وقت ما لحكمة الله الجليلة، وبعضها كأوراق الشجر اليابسة تتساقط في فصل الخريف قد اقتاتت على شرايين قلبك وخطت على صفحاته ندوباً موجعة فأهدرت من وقتك وعمرك ما يساوي ثمناً باهظاً تلسعك سياط الندم في وقت السحر وأنت تحاسب نفسك قبل أن تُحاسب في وقت لا ينفع فيه ندم ولا حساب.

هكذا هم البشر تأخذ منهم الغفلة فيخرجوا منها صفر اليدين، وما أكثر نسيانهم وتسويفهم، آمالهم طويلة يؤجلون عمل اليوم للغد ودواليك حتى إذا جاء الغد وجدوا بضاعتهم مزجاة فماضيهم خرج من حدود كسبهم فصار إما لهم وإما عليهم وحاضرهم محفوف بعَقْد التسويف على الآمال الطويلة ومستقبلهم لا سلطان لهم عليهم إن شاء الله بلغوه أو قضوا دون أن يدركوه.

إذا أدركت هذه المرحلة من عمرك ولا شك سيدركها كل من رزقه الله يقظة في الفكر والقلب اغتنمها فهي فرصة ذهبية أتتك بها الأقدار الإلهية، ولا تبتئس ولا تجزع بل إياك أن يتسلل لنفسك وقلبك شيء من قنوط أو يأس؛ لأنك وليد اللحظة التي صحوت بها من غفلتك وبدأت تحاسب نفسك فتابع مسيرك فربما كنت أنت عثرة في طريق بعضهم فسقطت من حياته كما أوراق الشجر وربما كنت لنفسه وتداً ثابتاً وعضداً يشد من عضده، وربما كنت سبباً هيأه الله لأحدهم ليقضي له حاجة على يديك، فهذه أقدار والله مسببها وفاعلها ومختارها لحكمة قد طويت عن بني البشر.

ستجد كل ذلك يعصف في ذهنك وقلبك ومشاعر الألم على ما فرطت قد تطيش ببقية عقلك، وربما ستفشل في كثير من علاقاتك ومشاريعك التي بذلت فيها دقائق عمرك ليصفعك الخذلان بلا هوادة عندما تقف فرداً في مواجهة حاضرك وماضيك ومستقبلك، وكي لا تقع فريسة لليأس وصيداً ثميناً للعجز والقنوط من رحمة الله، إليك بعض القواعد الذهبية التي إن جعلتها نصب عينيك وانتهجتها في تعاملاتك فيما مررت به من توصيف سابق خرجت من معترك الحياة بأقل الخسائر واستطعت أن تعوض شيئاً مما فاتك من الماضي وترسم معالم واضحة لحياتك المستقبلية وقد تجنبت الوقوع بأخطاء الماضي، ومن هذه القواعد التي عليك أن تسوي بها أمر نفسك وخاصتها:

أولاً/ لن يديم رفقتك أي كان فستجد أنك في لحظة ما ستقف وحيداً، بل وربما يتحتم عليك شق دربك وحيداً، فالكل زائل وإلى فناء فوحده جل شأنه الباقي فتعلق بأسبابه واترك أسباب الأرض فلن تغنيك عن أسباب السماء مهما بدت قوتها ومتانتها في البدايات فهي إلى ضعف وزوال  وهذا من طبيعة المخلوق لا يدوم له حال.

ثانيا/ هذه الحياة الدنيا لا تغني عن الآخرة شيئاً فعزها وجاهها وسلطانها لكل ذلك آجال فهي دار عبور لحياة باقية ومن سفاهة العقل وعمى البصيرة أن ننشغل بدار العبور عن دار القرار.

ثالثاً/ القبر أول منازل الآخرة فلا تنشغل ببناء القصور وتغفل عن عمارة القبور ، فعمارتها مؤشر قبول وفلاح، وأن الدنيا مهما بلغت سعتها وتمتعت بجاهها وسلطانها ستنسيك أول ضمة لك من القبر كل ملذات الدنيا بل وكأنك ما تذوقتها.

رابعاً/ سيتخلى عنك الجميع شئت أم أبيت حتى الراسخون في روحك وقلبك وحياتك من عائلة وأصحاب وأحباب فهم إلى رحيل، وأن صاحبك الوحيد الذي لم يتخل عنك في بؤسك وشقائك فرحك وسعادتك هزلك وجدك، ألمك ووجعك ووحدتك في غربتك هو: الله جل شأنه فقد كان معك في كل وقت وحين وأنت عنه لاهٍ.

خامساً/ لا تنتظر من بشر جزاء أو شكوراً واصنع المعروف تبتغي منه وجه الله لا وجوه البشر فكل عمل لغير الله فهو رد على صاحبه ووبال.

سادساً/ ضع هدفك أمام عينيك جيداً، وأسمى الأهداف وأجل الغايات رضى الله ونعيمه والفوز والنجاة بالآخرة، وتأكد أنّ هذه الدنيا ما سُميت دنيا إلا لأنها أدنى من أن تحقق فيها كل توقعاتك وآمالك وطموحاتك وستظل دنيا قال الله - عز وجل - فيها: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185]، ثم قال جل شأنه: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64].

سابعاً/ حافظ على سلامة قلبك فإنه رأس مالك  لقوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88، 89]، وجاهد أن تظل روحك سامية متشوقة للسماء، فللجهاد أنواع وأنواع وجهاد النفس أهمها فلا تولّ ظهرك عنه وتركن لطينيتك البشرية، وترضى بالدون وسفاسف الأمور عن معاليها، وتأمل قول الله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة:38].

ثامناً، وأخيراً/ لا تنتظر أن تحصد ثمار زرعك في هذه الحياة فكم من مزارع زرع شجره وبذر بذره فأكل غيره ثمار ما بذر وزرع وإنما جني الثمار على الحقيقة يكون في دار غير هذه الدار فالله -جل شأنه- يربي لك عملك هنا ليجزيك خير الجزاء فما عليك إلا أن تحسن في سعيك والله يحسن لك الجزاء ويجزل لك في العطاء.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

كيف تمت الفتوحات الإسلامية بشكل سريع؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع …