خطة الضَّم الصهيونية… ماذا بعد المؤتمرات الصحافية والتصريحات؟

الرئيسية » بصائر الفكر » خطة الضَّم الصهيونية… ماذا بعد المؤتمرات الصحافية والتصريحات؟
thumb_1593456018

في حقيقة الأمر، لا يحمل العنوان أيَّ غبنٍ أو انتقاص من جهد أحد؛ فنحن -بالفعل- أمام مرحلة في التقييم الموضوعي لها، أثبتت أن كل الجهود المبذولة في العقود الماضية لأجل القضية الفلسطينية إنما كانت قبض الريح، بل وجهداً عقيماً، مهما حسُنَتْ نواياه.

وهذا لا يقلل من شأن تضحيات الشهداء، ولا من شأن جهود حركات وفصائل ظلت ولا تزال مخلصة للقضية، وتضحِّي بالغالي والنفيس من أجل استمرار جذوة المقاومة حية تحت رماد وغبش السياسات العقيمة والأوضاع بالغة السوء التي تمر بها مظلة الدعم التي من المفترض أن يقدمها العالم العربي والإسلامي للقضية وأصحابها.

صحيح أن نتنياهو قد أجَّل -بشكل ما- قرار ضم المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية، وغور الأردن، ولكن ذلك التأجيل ليس بسبب أي جهد بذلته الأطراف المعنية بالقضية الفلسطينية، وإنما لأسباب وحسابات سياسية تتعلق بالكيان الصهيوني نفسه، وربما هنا ينبغي لنا أن نعترف على استحياء بأن الموقف الأردني كان حاكماً في هذه النقطة، لكنه بطبيعة الحال لا يكفي.

كانت خطوة المؤتمر الصحفي الذي عقدته حركتا "حماس" و"فتح" بحضور قيادات كبيرة من الحركتين، صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، وجبريل الرجوب المُخوَّل من جانب منظمة التحرير الفلسطينية بترتيب التحرُّكات المطلوبة لمواجهة الخطط الصهيونية، كانت خطوة طيبة، لكن –ولاعتبارات موضوعية بحتة– ليس من المتوقَّع أن ترشَح عن تطوُّر منسَّق أكثر فاعلية، من بينها استمرار الاختلافات المبدئية بين الطرفَيْن، مما لا يمكن لأي منهما تغيير موقفه إزاءها، بالذات حركة "حماس"، وإلا فقدت شرعية وعِلَّة وجودها، باعتبار أنَّ أيَّ تحوُّل من "حماس" سوف ينقلها إلى منطقة التفريط.

وربما يُحمِّل هذا الأمر مسؤولي "فتح" والسلطة الفلسطينية الجانب الأكبر من المسؤولية؛ لأن تبديل مواقفهم لن يقودهم إلى منطقة تفريط، وإنما إلى منطقة النضال الحقيقي لأجل الحقوق الفلسطينية، وهو أمرٌ قد تكون كُلْفَتُه عالية في ظل أنه سوف يضعهم في مواجهة صريحة مع الكيان الصهيوني وحلفائه، لكنه -على الأقل- سوف يكون نقطة تحوُّل إيجابية.

وفي حقيقة الأمر، فإن أهم عنصر ضيق في الموقف الراهن، هو أنه لا توجد خطة عمل متكاملة ومنسَّقة على المستوى الفلسطيني، تشمل النواحي القانونية والسياسية أو العسكرية ، في ظل أنه كان موقفاً متوقَّعاً ليس بمفهوم التوقُّع المنطقي؛ وإنما لأنه معلنٌ من جانب الكيان الصهيوني، فلم يخفِ نتنياهو -حقيقةً– أيَّ شيء، وسبقته الكثير من المواقف المماثلة، كان أسوأها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بـ"القدس الموحَّدة" عاصمة لدولة الكيان الصهيوني.

الأمر المؤسف الذي يعبِّر عن حقيقة الدَّرَك الأسود الذي انزلقنا إليه كعربٍ وكمسلمين، هو مشهد المسيرات الشعبية التي خرجت يوم الجمعة 3 يوليو 2020م، في قطاع غزة للاعتراض على قرارات الضم المرتقبة، كَم كان عدد المتظاهرين؟ وإذا كان هذا هو المشهد الفلسطيني في غزة المقاوِمة، فكيف سوف يكون الحال في الدول الأخرى!

كان مشهداً محزناً مبكياً؛ فقد بدت تلك الثُّلَّة القليلة من الناس الذين لا يزالون يؤمنون بقضيتهم، وكأنهم تُركوا لوِحَدِهِم، ولمصيرهم، وسط حالةٍ من الخذلان الذي يقتلُ النفس الصامدة.

ومما يدلُّ على نفاق السلطة الفلسطينية بالفعل فيما تعلنه من مواقف، أن الضفة الغربية المحتلة التي من المفترض أن السلطة وحركة "فتح" لها فيها تأثير، لم تشهد ولو مسيرة مثل هذه، حتى ولو كانت باهتة، وكانت كل الإجراءات التي خرجت، إنما كانت بعض المبادرات الشعبية بالإضراب، وربما لو استثنينا مواقف البعض في الخليل ورام الله، لما وجدنا أي شيء.

وليس ما سوف نقول في هذا الموضع هجوماً شخصيّاً على أحد، وإنما هو إقرارٌ لواقعٍ موضوعي، فلم يتفاءل أحد بإمكان إقدام سلطة عباس على أي فعلٍ إيجابي فعَّال، بعد تعيين جبريل الرجوب مسؤولاً لملف مواجهة الضم. الرجوب الذي كان أحد أهم الأوجه التي كانت تحارب المقاومة في مناطق السلطة، وكان مسؤولاً للأمن الوقائي وقت مذابح جنين وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال بمشاركة رسمية من قوى الأمن الفلسطينية وقت "انتفاضة الأقصى" الثانية.

ولا أحد يعلم ماذا ينتظر عباس أو على ماذا يخاف وهو قد شارف على الدنو من القبر لكي يعلنَ حل السلطة، وإنهاء اتفاقيات أوسلو، بكل خيباتها، وبكل ما فيها من خيانات، وعلى رأسها التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني. سوف تكون على أقل تقدير حسن خاتمة لتاريخ مليء بالخيانات والخذلان للقضية الفلسطينية.

في المقابل -ومن دون تزويق- فإن فصائل المقاومة تجد نفسها الآن في موضع حرجٍ كبير؛ فهي -بالفعل- وفي موقف نادر أن نجد أصحاب هذا المنطق محقِّين فيه، تواجه سؤالاً وجوديّاً حول ما فائدة السلاح.

إن الرد على هذا السؤال بعبارات على غرار "الخوف على مصيرها" و"عدم تعريض قطاع غزة للدمار"، لا يمكن أن يلقى قبولاً في ظل هكذا ظروف، فإن ما تدافع عنه أصلاً، قد شارف على الضياع النهائي، كما أن الحديث عن تجنيب المقاومة أو قطاع غزة للدمار، هو حديثٌ غير منطقي، سواء فيما يتعلق بالظرف الحالي، أو بالمنطق العام للحديث، فالمقاومة تعني التضحيات، وتعني الصبر على المكاره، وتحمُّل الأعباء، واحتساب المشقة والدماء والأموال.

وبما أننا نقول إننا ننطلق مِن منطلقات إسلامية سليمة وواضحة، فإن القرآن الكريم يعترض تماماً على مثل هذا الموقف، ومثل هذه التبريرات، يقول تعالى:

{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 5 -8].

وتجارب المقاومة عبر التاريخ، لا تضع في الحسبان نقطة التكاليف، ولو كانت المقاومة بالأيدي العارية ، بدءاً من ثورات العبيد في وجه ظلم الدولة الرومانية، وحتى ستالينجراد والجزائر وبورسعيد وفيتنام.
المستوى الثالث من الفلسطينيين، هو فلسطينيو المهجر، وجزء كبير منهم مؤطَّر تنظيميّاً بين منظمة التحرير وحركة "حماس" على وجه الخصوص، ولا نجد منهم مظاهرةً أو تحرُّكاً واحداً أمام برلمانات وحكومات بلدان المهجر -إلا قليلاً- برغم اشتراك جمعيات وشخصيات فلسطينية كثيرة في تحرُّكات مماثلة ضد حكومات عربية خلال ما يُعرَف بثورات الربيع العربي.

ونحن ها هنا نركِّز على الجانب الفلسطيني بمختلف مستوياته لسبب بدهي للغاية في العلوم السياسية، ينصُّ على أنه لن يتحرَّك أحد أبعد بمترٍ واحدٍ عن صاحب الشأن والقضية نفسه.

نقول إنه في حقيقة الأمر، الواجبات واضحة أمام كل طرفٍ فلسطيني، ولا يجب التعلل بأي شيء يتعلق بضعف الموقف العربي والإسلامي الرسمي؛ لأن السلبية والخذلان هما اسم اللعبة منذ البداية .

فكلنا نعلم طبيعة الأنظمة والحكومات القائمة في عالمنا العربي والإسلامي، وما فعلته القوى العظمى التي خلقت المشروع الصهيوني في الأصل، خلال العقود والسنوات القريبة الماضية، إلا للتجهيز لمثل هذه اللحظة، سواء بدعم أنظمة الفساد والاستبداد التي لا تعنيها قضايا الأمة من قريبٍ أو بعيدٍ، وإنما كل ما يعنيها هو كرسي السلطة والحكم، أو بإشغال الدول والأوطان بأزمات وجودية داخلية وخارجية، بحيث لا تستطيع التنفُّس.

والمؤسف هنا، أن الموقف التركي الذي عوَّل عليه الفلسطينيون كثيراً في السنوات الماضية، بات أقل من المتوقع، ووجدنا الموقف الأردني أكثر قوة منه، برغم الاتهامات المتكررة من جانب القوى الإسلامية الفلسطينية والأردنية للحكومة الأردنية بالخذلان والضعف.

بل إن أحد البلدان الخليجية لم يجد سوى هذا التوقيت لكي يبدأ –بمنتهى البجاحة والوقاحة– تعاوناً "علميّاً" مع الكيان الصهيوني، في مجال مكافحة فيروس كورونا المستجد، وشاءت "الصُّدَف"، أن يكون ذلك التعاون مع شركات صناعة السلاح الصهيونية، مثل "رافاييل" و"آي. إيه. آي"!

وفي الأخير، فإن الأمور واضحة، والواجبات واضحة، إعلان إلغاء اتفاقيات أوسلو، وحل السلطة الفلسطينية، وبالتبعية وقف التنسيق الأمني، وإعادة الأمور إلى مربع الانتفاضة الفلسطينية الأولى ومرحلة الكفاح المسلَّح، أو على أقل تقدير، المقاومة الشعبية المدنية واسعة النطاق، وهذه ثبت فاعليتها في مواقف كثيرة، منها موضوع مقاطعة منتجات المستوطنات.

وفي هذا الموقف، فإن الاتحاد الأوروبي الراغب في الفرار من الهيمنة الأمريكية ينتظر فقط تحرُّكاً فلسطينيّاً لدعمه، ولكن الأوروبيين لن يتقدموا من أنفسهم بحالٍ ما دامت الجبهة الفلسطينية نفسها هامدةً!

أما التعلل بتبدُّل الظروف الإقليمية والدولية، فهذا الأمر لا يمكن قبوله، وإلا كُنَّا ضعيفي الإيمان حقيقةً، فآيات "الأنفال" واضحة وضوح الشمس، ذلك لمَن كان له قلبٌ، أو ألقى السمع، وهو شهيد!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

فن تغييب الوعي واغتصاب العقول (2-2)

إن العقل هو النعمة التي كرَّم الله تعالى بها الإنسان وميَّزه بها عن سائر المخلوقات، …