رفعت العلم يا عبد الحكم

الرئيسية » بأقلامكم » رفعت العلم يا عبد الحكم
390745_180335838720593_595119200_n

تقوم الحكومة المصرية حالياً بإنشاء العديد من الطرق والكباري والمحاور بطول البلاد وعرضها وكأنها مهمة هامة وعاجلة لإعادة رسم الخريطة الجغرافية للبلاد، وفي سبيل إتمام هذا الأمر تتم إزالة كل ما يعترض هذه الطرق والمحاور مهما كانت أهمية وقدسية هذا الشيء.

آخر أحداث هذه الحملة هو إزالة بعض المقابر المعروفة باسم (قرافة صحراء المماليك) أو (قرافة ترب الغفير) حيث يرجع تاريخها إلى فترة حكم المماليك في مصر، وذلك من أجل استكمال إنشاء (محور الفردوس).

وأثناء هذه الأحداث تشاء إرادة الله تعالى أن يظهر قبر مكتوب عليه (هذا ضريح الشهيد الشريف محمد أفندي عبد الحكم الجراحي)!!

فما هي قصة هذا الشهيد!!

استشهد الطالب الشهيد محمد الجراحي -الطالب بكلية الآداب جامعة القاهرة- برصاص الإنجليز في المظاهرات التي انطلقت من الجامعة المصرية "جامعة القاهرة حاليًا" على كوبرى عباس عام 1935 وكانت المظاهرات اعتراضاً على تعطيل دستور 1923، وعلى تصريحات وزير خارجية إنجلترا ضد مصر، وتطالب المظاهرات بجلاء قوات الاحتلال الانجليزي عن مصر.

وعرفت هذه بـ"مظاهرات كوبرى عباس 1935"، ونسبة إلى هذه الأحداث يتم الاحتفال بيوم الطالب العالمي.

ومع الشهيد محمد الجراحي في نفس القبر شهيد آخر هو الشهيد محمد عبد المجيد مرسى، الذى كان يحمل علم مصر في هذه المظاهرات وعندما استشهد وقبل سقوط العلم على الأرض تلقفه الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي وحمله ولذلك أصبح الشعار الرئيسي لكل مظاهرات الطلبة والثوار في الأربعينيات من القرن الماضي:

"عبد المجيد عاد من جديد " و "رفعت العلم يا عبد الحكم".

استشهد الطالب محمد عبد الحكم الجراحي بـ15 رصاصة ونقله زملاؤه إلى قصر العيني واستخرجت من جسده 8 رصاصات، عندما شعر محمد الجراحي أنه على مشارف الموت كتب رسالة بدمه إلى رئيس الوزراء الإنجليزي نشرتها جريدة اللطائف المصورة ونُقشت على لوح رخامي لا يزال محفوظًا بالمدفن.

نص رسالة الشهيد محمد الجراحي لرئيس وزراء بريطانيا

"بسم الله الرحمن الرحيم ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، إلى رئيس وزراء إنجلترا، أحد رجالكم الأغبياء رماني برصاصة وأنا الساعة أمشى رويداً إلى الموت ولكنى سعيد أن أترك روحي تنتزع منى وأضحى بدمى، إن آلام الموت عذبة المذاق من أجل مصرنا نحن فتحيا مصر، مصر فوق الجميع، لتحيا التضحية ويسقط الاستعمار، أحد الشهداء المصريين محمد عبد الحكم الجراحي 16 نوفمبر 1935".

تم نشر الرسالة في جريدة اللطائف المصورة في العدد رقم 1086 القاهرة في يوم الاثنين 7 ديسمبر 1935 بعنوان "الشهيد يكتب بدمه رسالة خالدة إلى الإنجليز ورئيس حكومتهم ".

كما تم ذكر حادث الشهيد الجراحي بأرشيف الأهرام العدد 18689 بتاريخ 5 يناير 1937 بعنوان "الاحتفال الرائع بنقل رفات الشهيد إلى مقره الأخير".

ونقش على قبر الشهيد لوحة رخامية مكتوب فيها

"هذا ضريح الشهيد الشريف محمد أفندي عبد الحكم الجراحي الطالب بكلية الآداب الجامعة المصرية المولود في أول يناير 1915 الذى اغتيل برصاص الإنجليز في مظاهرة طلبة الجامعة المصرية عند كوبرى عباس في يوم 14 نوفمبر 1935 للمطالبة بالحرية والاستقلال وتوفى في يوم الثلاثاء 19 نوفمبر 1935 ونقل إلى هذا المكان باحتفال ثانٍ رائع في 4 يناير 1937 رحمة الله عليه".

إن هذا النحت الرخامي يُعد أول دليل أثرى تاريخي يُسجل عليه رسالة كتبها شهيد بدمه في العالم وعندما مات حمله زملاؤه إلى مدفنه وأُعلن الحداد العام في كل مدارس القاهرة.

جنازة الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي

حضر جنازة الشهيد "الجراحي" الآلاف من الطلاب والمواطنين وكان على رأسهم مندوب عن رئيس الوزراء النحاس باشا آنذاك، وأحمد ماهر رئيس مجلس النواب، ويوسف الجندي وكيل وزارة الداخلية، ومحمد صبري أبو علم البرلماني ووكيل الحقانية المشهور، والدكتور طه حسين عميد كلية الآداب بالجامعة المصرية آنذاك، والدكتور على مصطفى مشرفة أول عميد مصري لكلية العلوم بالانتخاب عام 1936 وأول عالم مصري يحصل على الدكتوراه في الذرة في ذلك الوقت، وأحمد لطفى السيد أول مدير للجامعة المصرية، والآلاف من طلبة الجامعة وتلاميذ المدارس الثانوية الأزهرية والجامعة الأزهرية وطلبة المدارس الصناعية والإبراهيمية والسعيدية والخديوية. وكلهم أعلنوا الحداد العام.

تم دفن الشهيد في البداية في (قرافة باب الوزير) بعد ذلك تم بناء مدفن خاص له في الطرف الشمالي من (قرافة صحراء المماليك) المعروف بـ (قرافة ترب الغفير) عند كوبرى الفردوس الآن، وأقيم له احتفال آخر مهيب حيث تم تكفينه في كفن جديد وتم لفه بعلم مصر من جديد وتمت الصلاة عليه في (جامع الكخية) الذى لا يزال موجودًا حتى الآن بالأوبرا القديمة تقاطع شارع قصر النيل مع شارع إبراهيم باشا "الجمهورية حاليا" وسار الموكب في شارع فاروق "شارع الجيش حاليا" ودخل هناك لمقابر الطرف الشمالي بترب الغفير في المدفن الحالي حيث مثواه الأخير.

كان الشهيد محمد الجراحي صاحب موهبة شعرية فذة وله قصائد منشورة في مجلة أبوللو، أول قصيدة له "حجرتي الأولى"، والثانية "الشيخ النائم في المشرب" نشرها في نوفمبر 1934 وله خطب حماسية رنانة.

من الجدير بالذكر أن هذا المدفن مدفون فيه المهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل السابق الذى أصيب برصاص الإنجليز في نفس المظاهرة التي استشهد فيها الشهيد محمد الجراحي ولكنه تعافى من إصابته وتوفى عام 2008 ولقبوه بـ"الشهيد الحى" لأنه تعافى من إصابته.

بعد 85 سنة من استشهاد الجراحي تشاء إرادة الله تعالى أن تخلد ذكرى هذا الشهيد بعد أن ظهر قبره ضمن الحملة ضد هدم الأضرحة والمقابر لإنشاء محور الفردوس.

إن شباب مصر وفي القلب منهم الطلاب لهم تاريخ نضالي لا يقارن ولا ينكر:

- اسألوا كوبري عباس عن انتفاضة طلاب الجامعات وطلاب المدارس يوم 9 فبراير 1946 حيث حدثت اشتباكات عنيفة بين الطلاب وقوات البوليس التي فصلت المتظاهرين إلى قسمين بعد أن فتحت الكوبري ليسقط الطلاب من على الكوبري في النيل وأسفرت هذه الفعلة الإجرامية عن سقوط نحو 28 شهيدًا وأكثر من 400 جريحًا فانتقلت الأنباء إلى عدة دول عربية منها سوريا والسودان والأردن ولبنان لتعلن جميعها إضرابًا عامًا تضامنًا مع انتفاضة الطلاب المصريين.

- اقرأوا عن خضوع السلطات في ذلك الوقت لمطالب الطلاب وقيام فاروق بتغيير وزارة النقراشي -الذي كان رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية في نفس الوزارة والذي أشارت إليه معظم أصابع الاتهام فيما حدث على كوبري عباس- وتم تشكيل وزارة جديدة برئاسة إسماعيل صدقي في 16 فبراير 1946، وهو المتمرس في قمع الحركات الوطنية أيضاً.

- اقرأوا عن التحالف الطلابي بين جامعتي القاهرة والأزهر الذي تطور حتى أصبح إضراباً شمل جميع الهيئات عن العمل بقيادة الحركات الطلابية.

- اسألوا ساحات جامعة القاهرة التي تحولت إلى معسكر تدريب على الأسلحة وإرسال كتائب طلابية إلى منطقة القناة اعتراضا على ممارسات الانجليز.

- اسألوا عبدالناصر والسادات ومبارك الذين نكلوا بالطلاب وعاقبوهم بالمحاكمات وبالفصل من الدراسة وغير ذلك من العقوبات التي ظنوا أنهم بذلك سيكمموا أفواه الطلاب ولكن كان للطلاب رأياً آخر فلم تمر قضية تتطلب الدعم الطلابي إلا وكان لهم بصمتهم فيها وخاصة القضية الفلسطينية.

- اسألوا ثورة يناير عن دور الشباب وفي القلب منهم الطلاب وعن مدى حبهم لبلدهم.

- بعد هذا العرض السريع والموجز لتاريخ طلاب مصر النضالي والوطني نستطيع أن ندرك لماذا كل هذه المحاولات للنيل من الشباب وفي القلب منهم الطلاب.

وأخيراً أقول

إن المصلحة الوطنية تقتضي أن يتم تجميع كل القصائد التي كتبها الشهيد وكل الخطب التي ألقاها ونشرت له في الجرائد في ذلك الوقت وتتم إقامة متحف حول هذا القبر يزوره طلاب الجامعات ليعرفوا أن هناك شباب مثلهم ضحوا من أجل مصر وأمنها واستقلالها.

وأقول

إن مشيئة الله تعالى التي أبرزت للجميع مكان فبر الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي تقول لنا أن سلسلة النضال الوطني ممتدة بامتداد الزمان وأن جهود المخلصين لا تذهب سدى مهما حاول خفافيش الظلام طمسها وتشويهها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

من أي طين الأرض خُلِقت يا أردوغان!! (2-2)

في الجزء الأول  من هذا الموضوع تحدثنا بفضل الله تعالى عن:- بعض إنجازات أردوغان التي …