صلاة أول جمعة في مسجد آيا صوفيا “سِمة الفتح، وأمانة الفاتح”

الرئيسية » بأقلامكم » صلاة أول جمعة في مسجد آيا صوفيا “سِمة الفتح، وأمانة الفاتح”
113920750_3234168356662945_8577185825540474460_n

قد قامت الصلاة .. قد قامت الصلاة .. الله أكبر الله أكبر .. لا إله إلا الله

بعد انقطاع دام أكثر من ثمانين عاماً، وبعد غُصة ومرارة ولهفة وانكسار، وبعد وصمة من الأجداد يعتبرها الأحفاد سُبَّة في جبينهم، ها هي أرجاء مسجد أيا صوفيا والضواحي المجاورة له تصدح بالأذان وتعج بالمصلين.

لقد تم اختيار ذكرى "معاهدة لوزان السويسرية في 24 يوليو1923م" التي بموجبها تم سقوط الخلافة الإسلامية، لتكون هذه الذكرى موعداً لإقامة أول صلاة جمعة في مسجد أيا صوفيا الذي ظل 86 عاماً متحفاً يُوطأ بالأقدام.

مشاهد لابد من الوقوف عندها في صلاة أول جمعة في مسجد آيا صوفيا.

إن الأحداث العِظام عادة ما تواجه بمشاعر متناقضة، وتعليقات متباينة، وتصريحات متضاربة ومتنوعة بتنوع الوجهة والتوجه، وبتنوع الفكر والانتماء، وبتنوع ما يعتنقه الأفراد من أيدولوجيات.

وبناء على كل ما سبق ينقسم الناس إلى أربعة أصناف، وهم:-

أ) من يقف للحدث العظيم احتراماً وتعظيماً.

ب) ومن يقف مشدوهاً فاغراً فاه من هول ما يرى ويسمع.

ج) ومن يطعن في الحدث العظيم وينفث فيه سُمَّه وأضغان قلبه.

د) ومن يقرأ المشهد بكل تفاصيله ويُحيطه من كل جوانبه وخلفياته ومآلاته.

ويكفينا أن نعرج على الصنفين الآخرين، لكون أن الصنفين الأوليين هما من طبيعة الفطرة الإنسانية أمام معظم الأحداث.

1- مشهد ظهور الرئيس أردوغان في مقدمة المصلين وتلاوته للقرآن الكريم.

إن هذا المشهد أثلج صدوراً تشتاق لعبق تطبيق الصورة المُثلى لرئيس الدولة في بلاد المسلمين، كما تشتاق أن تكون القيادة بهذه الصورة في كل المستويات (إذا أردت أن تكون إمامي فكن أمامي).

وعلى النقيض من هذه المشاعر نجد أن هناك من أوَّلوا ما فعله أردوغان على أنه تجارة بالدين لكسب تأييد العرب والمسلمين.

ولهؤلاء وأمثالهم أقول

إن أردوغان من حقه أن يفعل ما يراه في صالحه وفي صالح وطنه، فماذا فعلتم أنتم من أجل أوطانكم؟

إن أردوغان له هدف مشروع يسعى إلى تحقيقه ومن حقه أن يختار الوسائل المشروعة التي يضمن بها الوصول لمبتغاه، فما هو هدفكم وما هي وسائلكم للوصول إليه؟

إن أردوغان رجل سياسة من الطراز الأول ورغم ذلك يتلو القرآن بلسان عربي مبين ليس تجارة بالدين كما يزعم المتنطعين ولكن هذا ما تربى عليه والتزم به، فكيف حالكم أنتم في تلاوة القرآن؟

إن معظم المسلمين بعد أن أصابهم الذل والصغار في بلادهم، سعدوا بهذا المشهد الإسلامي الذي يتطلع إليه كل مسلم غيور على دينه، فلماذا يغضبك أنت؟ وماذا كان تصورك عن حدث ديني وتاريخي كهذا؟

هل أردوغان وهو رجل سياسة مُحنك يتاجر بالدين لينال استعطاف جماهير العرب والمسلمين في البلاد العربية والإسلامية وهو يوقن أنهم لا يملكون من أمر أنفسهم شيئاً، ولا وزن لهم عند رؤساء بلادهم!

هل تملك هذه الجماهير الغفيرة تأثيراً في القرار السياسي العالمي لينافقها ويدغدغ مشاعرها، كما تزعمون؟

إن أردوغان يوقن أن العالم لا يرضخ ولا ينحني إلا للأقوى، فرسالته مُوجهة للعالم بأسره شرقه وغربه، ولا يخاف من هذه الرسالة إلا من يهتز من تحته الكرسي!

إذا كان ما فعله أردوغان هو تجارة بالدين كما تسمونها، فنعم التجارة هي، فلماذا لا تتاجرون أنتم بالدين مثله وتتفوقون عليه بدلاً من التجارة بالشعوب وبمقدرات الأمة ومستقبلها؟

2- مشهد صعود الخطيب على المنبر حاملاً سيفاً

ما إن ظهر وزير الشؤون الدينية التركي علي أرباش مُتكئاً على سيفه وهو يصعد منبر آيا صوفيا ليُلقي خطبة الجمعة حتى شعر المسلمون بالعزة والأنفة والشموخ والكرامة، وعلى النقيض وجدنا ألسنة حِداد قد انبرت لتصب على الرجل جام غضبها...

والسؤال هنا: (هل غضبكم هذا غيرة وحرصاً على الإسلام، أم حقداً وضغينة على هذا المشهد الذي أصاب عقولكم بلوثة الخبال وملأ قلوبكم ناراً!).

بالطبع ليست الأولى فنحن ما رأيناكم يوماً تحت مظلة الحق، ولا تكلمتم يوماً باسمه، ولا نصرتموه في قضية من القضايا.

- لماذا لا تعيبوا مشهد الرقص بالسيوف في بلاد الحرمين، أم أن هذه عادة وتقليد شعبي يجب أن يُحترم؟

- لماذا لا تعيبوا مشهد وضع السيف على رقبة الفارس في بريطانيا كشرط من شروط اعتماده، أم أن هذه عادة وتقليد شعبي يجب أن يُحترم؟

- ألا تعلموا -وأنى لكم أن تعلموا- أن السلطان العثماني "محمد الفاتح" هو أول من ألقى خطبة الجمعة مُتقلداً السيف في الجامع الكبير بمدينة "أدرنة" قبل فتح "إسطنبول"، واتّبعه السلاطين في ذلك لستة قرون تالية.

إن عادة حمل السيف على المنبر تجرى في جوامع الفتح على وجه الخصوص لإظهار سيادة الإسلام في اﻷرض التي تم فتحها.

إن إنكاركم لصعود الخطيب على المنبر متكئاً على سيف قد فضح عقولكم، وأظهر جهلكم، وأظهر خبايا نفوسكم.

ألا تعلموا -وأنى لكم أن تعلموا- أن من السنة أن يصعد الخطيب على المنبر حاملاً عصا أو قوساً أو سيفاً!

- عن الحكمِ بنِ حَزْنٍ الكُلَفيِّ قال: "وفدتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ سابعُ سبعةٍ أو تاسعُ تسعةٍ فدخلنا عليهِ فقُلنا يا رسولَ اللهِ زُرناكَ فادعُ اللهَ لنا بخيرٍ فأمرَ بنا أو أمرَ لنا بشيٍء من التمرِ والشأنُ إذ ذاكَ دونٌ فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ فقام متوكِّئًا على عصًا أو قوسٍ فحمدَ اللهَ وأثْنى عليهِ كلماتٍ خفيفاتٍ طيباتٍ مباركاتٍ ثم قال أيُّها الناسُ إنَّكم لن تَطيقوا أو لن تَفعلوا كلَّ ما أُمرتمْ بهِ ولكن سدِّدوا وأَبشروا" (حسنه الألباني).

- يقول الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه (الأم): "أحب لكل من خطب -أيَّ خطبة كانت- أن يعتمد على شيء" أهـ.

- ويقول البهوتي الحنبلي رحمه الله في كتاب (كشف القناع): "ويُسن أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا بإحدى يديه" أهـ.

- وجاء في شرح الطحاوي: "ويتقلد الخطيب السيف في كل بلدة فتحت بالسيف" أهـ.

أثق أنه لن يُخالفني الرأي أحد في أن خطيب مسجد أيا صوفيا لو صعد المنبر متكئاً على عصا لانبرت نفس الألسنة ونفس القلوب ونفس الأقلام لتنال من فِعلته.

إن كل هؤلاء لا يُعادون طقوساً ولا شعائر فقط، بل يُعادون مشروعاً إسلامياً يعلمون مدى قوته ويوقنون أنه متى نهض فلن تقوم لهم ولا لمن خلفهم قائمة.

3- ردود الفعل المناهضة لصلاة الجمعة في مسجد أيا صوفيا

إن إعادة مسجد أيا صوفيا لسيرته الأولى وصلاة الجمعة فيه ليس مجرد حدث عابر فهذا المسجد شاهد على التاريخ، وعلى سنة التدافع بين الحضارات، وعلى تغير موازين القوى.

إن الصلاة في مسجد أيا صوفيا بعد انقطاع دام لعشرات السنين ستؤرخ لبداية يقظة الأمة ونهضتها، شاء من شاء وأبى من أبى!

إن معنى إعادة الصلاة في مسجد أيا صوفيا مفهوم وراسخ في ذهن أعداء الأمة الإسلامية وأذهان أشياعهم، وبدا ذلك واضحاً من ردود أفعالهم التي تتجرع الحسرة والمرارة، وتجر أذيال الخيبة والندامة.

- فهذه اليونان تنكس علم البلاد وتعلن في كنائسها الحداد حزناً على أيا صوفيا.

- وهذه كنائس الروم الأرثوذكس بمختلف دول العالم توجه النداء بإعلان الحِداد على تحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد، وتستجيب لهذا ‏النداء كنائس كاثوليكية وأرمينية عالمية.‏

- وهذا المتحدث الرسمي باسم بطريرك الروم الأرثوذكس في مصر، يعلن تضامنه مع دعوات رؤساء الكنائس الأرثوذكسية حول العالم من أجل كنيسة آيا صوفيا.

- وهذا رئيس أساقفة أمريكا للروم الأرثوذكس يوجه الشكر للكنائس الكاثوليكية في أمريكا على الاستجابة والانضمام ليوم الحداد.‏

4- مقتطفات من خطبة الجمعة الأولى في مسجد أيا صوفيا

- إننا نشهد جميعاً في هذا الوقت المُبارك، والمكان المُقدس على لحظة تاريخية.

- اليوم انتهى الجرح العميق والحسرة في قلوب شعبنا؛ فلله الحمد والثناء.

- إن هذا اليوم يذكرنا بما حدث في يوم مشابه قبل 70 عاماً حيث ارتعدت السماء والأرض بتكبيرات رددها 16 مؤذناً في 16 شرفة من شرفات مآذن جامع السلطان أحمد، فصدحت المآذن بالآذان بعد انقطاع 18 عاماً.

- إن آيا صوفيا سمة الفتح، وأمانة الفاتح. أوقف السلطان الفاتح محمد خان ذلك المكان، وجعل منه وقفاً بصفته مسجداً إلى يوم القيامة، وتركه في عهدة المؤمنين. في معتقدنا، لا يمكن المساس بالأملاك الوقفية؛ ولا غنى عن شرط الطرف الذي أوقف هذه الملكية، وأن منتهكها يتعرض للعنة. ولذلك فإن آيا صوفيا منذ ذلك الوقت إلى يومنا ليس من مقدسات بلادنا فحسب؛ بل من مقدسات أمة محمد أيضاً.

- إِنَّ إِعَادَةَ فَتْحِ آيَا صُوفْيَا أَمَامَ الْعِبَادَةِ مِنْ جَدِيدٍ هُوَ بِمَثَابَةِ تَعَلُّقٍ لِجَمِيعِ مَسَاجِدِ هَذِهِ الْأَرْضَ الْحَزِينَةِ وَالْمَظْلُومَةِ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى الْمُبَارَكُ وَتَشَبُّثٌ لَهَا بِالْأَمَلِ.

- وَإِنَّ فَتْحَ آيَا صُوفْيَا أَمَامَ الْعِبَادَةِ هُوَ بِمَثَابَةِ اِسْتِمْرَارٍ لِحَضَارَتِنَا الَّتِي أَسَاسُهَا التَّوْحِيدُ وَلَبِنَاتُهَا الْعِلْمُ وَمِلَاطُهَا الْفَضْلُ، فِي الرُّقِيِّ وَالسُّمُوِّ.

- ما الذي يمكن أن يكون حزينا أكثر من مسجد مآذنه صامتة، ومنبره وحيد، وقببه وباحته هادئة؟ اليوم، يتعرض المسلمون في مختلف أرجاء العالم للاضطهاد بشكل مُستمر بسبب الاعتداءات التي تطال مساجدهم، فيغلق أبوابها حتى تتعرض للهدم والتفجير. وهناك مئات الملايين من المسلمين يتعرضون للظلم، وهنا أود أذكر العالم مستشهدًا بالسلوك الرائع للسلطان محمد الفاتح في آيا صوفيا، وأدعو جميع البشر إلى قول "كفى" في وجه هذه الخطاب والأفعال والمظالم المُعادية للإسلام.

- نحن نؤمن بمقولة سيدنا علي رضي الله عنه "الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، ونؤمن أن الأرض بيتنا المشترك. نحن نؤمن بأن لكل شخص بغض النظر عن معتقده وعرقه ولونه، الحق في العيش بأمان وكرامة وحرية وإنسانية باعتباره فرداً من أسرة هذا البيت.

- وباعتباري فردا لآخر ديانة، وهو دين الحق الذي يؤكد على قدسية حياة كل روح سواء كانت أنثى أم ذكر، أو طفلاً أو شاباً أو مُسنًا، وأدعو البشرية إلى المساعدة والتضامن للحفاظ على الحياة والدين والعقل والملكية والنسل. لأننا اليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى لتوحيد قلوبنا مع فطرتنا، وعقلنا مع ضميرنا، وتقريب الناس مع بعضها، ومع الطبيعة.

وأخيراً أقول:

من لم يفرح بمشهد الصلاة في مسجد أيا صوفيا فليراجع نفسه.

ومن لم يفرح بمشهد صعود الخطيب على المنبر متكئاً على سيف وعلى جانبي المنبر رايات النصر الخضراء فليراجع قلبه.

ومن لم يفرح بأداء صلاة الجمعة في مكان ظل متحفاً تدوسه الأقدام لأكثر من 80 عاماً فليراجع إيمانه.

اللهم كما رددت إلينا مسجد أيا صوفيا رد إلينا مساجد الأندلس وسائر مقدسات المسلمين

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

وسائل الاحتجاج حول العالم.. إبداع وسخرية وإجبار

إذا كان الفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت" قال: "أنا أفكر إذن أنا موجود"، فيحق لنا دون …