مُتحرشٌ ومُتحرشةٌ ودولةٌ مُحرّشةٌ!

الرئيسية » خواطر تربوية » مُتحرشٌ ومُتحرشةٌ ودولةٌ مُحرّشةٌ!
20190916155830appp--1dfad2272d9c46aabab90265fdd23eaf-1dfad2272d9c46aabab90265fdd23eaf-entry.h

لغطٌ كثيرٌ يدور في بلادنا اليوم عن التحرش، وهاشتاجات مواقع التواصل لا تتوقف عن الكلام عن الأمر ونقل السجالات حوله، بدأ الأمر بما نُقل عن أحد لاعبي كرة القدم المصريين المحترفين في أوروبا من تحرشه أكثر من مرة بصحفيات ونساء معروفات أوروبيات، ثم أخذت الممثلات المصريات يتحدثن عن الأمر وعمّا يحصل معهن من كثير من عموم الناس.

وكان للموضوع بُعدٌ عالمي سابق، عندما تحدثت كثيرات من ممثلات هوليود عن تحرشٍ حدث لهن واغتصاب لبعضهن من ممثلين ومخرجين ومنتجين، فيما صنع حملة إعلامية عالمية، وبدأت تنضم للحملة كلُّ امرأة معروفة حدثت لها حادثة شبيهة، وعُرفت الحملة باسم (me too) أي (أنا أيضًا).

ومن عجيب الأمر أن بعض الرجال انضموا للحملة، وأعلنوا عن تحرش نساءٍ مشهوراتٍ بهم وهم في سن صغيرة عند بداية خطواتهم الأولى في طريق التمثيل والسينما والدراما.

يتحدث العلمانيون في بلادنا بجهلٍ وغباءٍ فطريٍ ومكتسبٍ عن أن التحرش جريمة من المتحرش بصرف النظر عن لباس التي تحرش بها أو طريقتها أو سلوكها، وغلاةُ العلمانيين في بلادنا أعداءٌ حقيقيون للدين، ويظهر منهم ذلك العداء الفج في كل حادثة وكل خطب.

كيف يفصل هؤلاء بين التحرش وبين دواعيه، وأول دواعيه ما يكون من المرأة من سفور في اللباس وميوعة في الحركة والسير وتبجح في الاختلاط، ألا يدرك هؤلاء أن الله قد خلق لنا شهوة زاعقة، أشبه ما تكون بالنار التي تحرق الأجساد، ولا يكون إطفاؤها إلا في بحر مرادها وبغيتها، إن هي أثيرت وأضرمت، وهنا تتبين فلسفة الإسلام كمنهج للحياة، فهي فلسفة وضعها الخالق، الذي خلق وهو الأعلم بمن خلقه.

يعلم أن بأجساد الناس شهوة طاغية، ولذلك فقد حبسها بالحجاب والحشمة ومنع الاختلاط إلا لضرورة، وندب النساء للقرار في البيوت ما أمكنهن ذلك، ثم بتحريم نظر الرجال للنساء ونظر النساء للرجال، ثم بتجريم تطلع هؤلاء إلى أولئك وأولئك إلى هؤلاء، بأي شكل من أشكال التطلع، بِدءًا من الكلام وانتهاءً بفعل الفاحشة الحرام.

الرجل عندما يتحرش بامرأة، فإنها - قبل أن تكون ضحية تحرشه - تكون متحرشةً به بسفورها وعُريّها وتهتكها، وهو ضحيتها قبل أن تكون ضحيته ، وكيف تتخيل امرأةٌ تسير وعورتها مجسمة ومكشوفة ألّا تستفز شهوات الرجال المكبوتة ليتطلعوا إليها بكل سوء.

والرجال حينها أمام هذه السافرة بين رجلين، رجل متديّن يُعرض عن سفور هذه السافرة حفاظًا على دينه وخلقه، لكنه يعاني أشد المعاناة في ذلك، إذ أنه يزيد في كبت شهوة زادت في تهييجها تلك السافرة السافلة، ورجلٍ آخر لا دين له، ينقضّ عليها متحرشًا بالعين واللسان وربما باليد، بل وربما ينقض عليها من بعد ذلك انقضاضًا كليًا، نهايته اغتصاب وإطفاء كامل لناره المؤججة بفعل الفاعلة.

من أعجب الصور التي رأيناها، ممثلة مصرية، مشهورة بأدوار الإغراء، إلى جانب إطلالها على مواقع التواصل يوميًا بمشاهد عري وإسفاف، كانت هذه الممثلة من القائمات على إطلاق حملة منع التحرش في بلادنا، حتى أنها -وفي تصرف مضحك- بدأت في الإبلاغ عن المتحرشين بها على صفحاتها على مواقع التواصل، الذين يكتبون لها عبارات فيها تحرش.

ويا لفجاجة الصورة، امرأة تصور نفسها في مشاهد مغرية ثم تُشهّر بمن يغرون بها ويتطلعون إليها.

وتلك الصورة الفجة تشبه مثيلتها لذلك الرجل الاقتصادي المصري الشهير الذي يحارب التحرش وفي الوقت ذاته يؤكد على أن الحجاب ليس له علاقة بالأديان، وعلى أن الله لو أراد أن يجعل النساء محجبات لخلقهن بالحجاب.

وهو الرجل الذي كانت له قناة تلفازية، وكانت أول قناة عربية تقدم على تقديم أفلام عالمية من غير حذف أي مشاهدٍ منها، بما في ذلك المشاهد الإباحية التي تظهر العورات كاملة، ثم يتحدث ذلك الرجل بعد ذلك عن التحرش، وعن بِدعية الحجاب والنقاب.

ويخرج ممثل مصري آخر طاعن في السن، ليتحدث عن أن سبب ظاهرة التحرش المعاصرة هو الكبت الجنسي الذي يعيش فيه الشباب في مجتمعاتنا، وأن الحل هو في بعض التحرر، وتخفيف الرقابة على أفلامنا ومسلسلاتنا بعض الشيء، ليكون هناك تنفيس جنسي عن الشباب والفتيات في مرحلة المراهقة وغيرها من المراحل.

ألا ما أتعس هؤلاء! وهل أدى بنا إلى ما نحن فيه إلا ذلك التنفيس الذي يصمُ أفلامنا ومسلسلاتنا من قديم.

وهل هيّج الشباب والفتيات في الشوارع إلا هذه المهيجات من العهر الفني والإعلاني الذي نعيش فيه منذ أن بدأ الفن والإعلان في بلادنا.

ما أغبى هؤلاء وما أتعسهم! نارٌ تحرق أجساد المراهقين والمراهقات، ويظن هؤلاء أن الحل هو في زيادة إشعالها، وفي صب السولار عليها.

ولينظر هؤلاء إلى بلاد الغرب الأكثر تحررًا وانفتاحًا في اللباس والفن والعلاقات الجنسية، ألا يرى المنصفون أن الغرب - كما تشير الإحصاءات - هو الأكثر تحرشًا والأكثر اغتصابًا والأكثر صخبًا جنسيًا .

هذه الحملة التي تهاجم التحرش بدأت من أمريكا، ولما بدأت ظهر أن جميع المشهورين تقريبا متحرشون، وجميع المشهورات تقريبا متحرشٌ بهن، مع أن مشاهير ومشهورات أمريكا من الفنانين والفنانات هم أكثر الناس على وجه الأرض تحررا جنسيًا، وأعمالهم ومشاهدهم زاعقة بذلك.

التحرش جرمٌ كبير، لكنه جرم له دوافعه، وأول دوافعه هي المتحرشّ بها، التي تسعّر شهوة المتحرش وتدفعه إلى السفه عليها بلباسها وسلوكها.

التحرش جرمٌ كبير، لكنه جرم له دوافعه، وأول دوافعه هي المتحرشّ بها، التي تسعّر شهوة المتحرش وتدفعه إلى السفه عليها بلباسها وسلوكها

ثم يأتي دور الدول والأنظمة، التي تقوم بدور "المُحرّش" بكل ما تفعله في ممارساتها السياسية والاقتصادية والثقافية.
فعندما لا توفر الدولة عملًا مناسبًا لملايين الشباب وتتركهم في الشوارع دون عمل وشغل، فهي تدفعهم لشغل فراغهم بالسفه والمجون والجنون.

وعندما تترك كل أنواع المخدرات بين أيدي هؤلاء الشباب لتذهب بعقولهم، فهي تزيد بذلك من مجونهم وجنونهم، وعندما تسعّر شهواتهم الجنسية بإعلامها الداعر، وبتركها لمواقع النت ومواقع التواصل لتفعل بهم الأفاعيل، فهي تشعل فتيل البركان لتستفحل الكارثة.

الأنظمة تعرف كل ذلك يقينًا، وهي إما أنها عاجزة عن حل الأزمة بكل أبعادها، وإما أنها راغبة فيها قاصدة لها مساهمة في تعقيدها لأغراض سياسية.

الدول والأنظمة "مُحرّشة" وهي أول لاعب في لعبة التحرش التي نحن بصددها، وتأتي من بعدها السافرات السافلات من المتميعات والمتهكات، ثم مرضى العقول والقلوب من البهائم السائبة التي لا تفكر إلا بفروجها ولا تعيش إلا لإشباعها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

(1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …