استمرار العمل التربوي في ظل الجائحة

الرئيسية » بصائر تربوية » استمرار العمل التربوي في ظل الجائحة
muslim

مما لا شك فيه، أن جائحة كورونا قد أثرت على معظم جوانب الحياة، ويتفق الجميع أنها تعتبر أزمة طارئة، أجبرتنا على القيام بالكثير من الأمور الاستثنائية للتعامل معها، ومناط الأمر راجع إلى أن العلماء وأهل الاختصاص لم يستطيعوا -إلى حد هذه اللحظة- من إيجاد لقاح أو علاج فعّال يقضي على المرض، بل مازال الجدل والغموض قائماً حول آلية انتقاله، وهو ما يزيد الأمر تعقيداً والأزمة عمقاً.

وهذا بدوره دفع العديد من القطاعات الحياتية، إلى التعامل مع هذه الجائحة كأمر واقع لا مناص منه، حفاظاً على مصالحها، فبتنا نرى الكثير من الأنشطة تعتمد على الإنترنت بدلاً من التواصل الشخصي، وبات اختلاط الناس بعضهم البعض مرهوناً بالحالة الصحية داخل الدولة، ومدى تفشي الوباء فيها، مع مراعاة التدابير الوقائية التي تمنع من انتقال المرض بين الناس.

وإذا كانت القطاعات الدنيوية تبذل كل ما بوسعها للتغلب على ما أوجدته الجائحة من عوائق، فإن العمل على استمرار العمل التربوي والدعوي والذي يعنى بالارتقاء بالإنسان، وجعله أقرب إلى الله عز وجل، بات أكثر إلحاحاً وضرورة من أي وقت مضى.

إذا كانت القطاعات الدنيوية تبذل كل ما بوسعها للتغلب على ما أوجدته الجائحة من عوائق، فإن العمل على استمرار العمل التربوي والدعوي والذي يعنى بالارتقاء بالإنسان، وجعله أقرب إلى الله عز وجل، بات أكثر إلحاحاً وضرورة من أي وقت مضى

وإن من الأمور التي تجعل الدعوة إلى ذلك أكثر ضرورة في وقتنا، ما أصاب الكثير من الناس من قلق واكتئاب واضطراب نفسي؛ نتيجة البقاء بالبيوت، والتوجه للعمل عن بعد، ومنع السفر، وهو ما ينعكس على سلوكهم واهتماماتهم بالضرورة، فالإنسان كيان واحد، يصعب الفصل بين أجزائه، فما يؤثر على جزء معين، يؤثر على الكل تلقائياً .

وهنا يأتي دور الدعوة، لتوصل رسائلها لأفرادها -من خلال المربين- وتعمل على معالجة هذا الجانب، فالدنيا بلا شك مصدر للقلق والهم والغم، والناس بحاجة إلى تجديد الإيمان في النفوس في ظل هذه الأوضاع، وربطهم بالآخرة قبل الدنيا، انطلاقاً من قوله تعالى: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً} [الكهف:46].

وهذا هو نوع من التواصي بالحق والصبر، الذي يجعل المؤمن أقوى بإخوانه، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ بيد الرجل والرجلين، فيقول: (تعالوا نزدد إيماناً).

المسؤولية.. وتجاوز التحدي

من المهم جداً أن ندرك أن شريعتنا الغرّاء قد أصّلت للتعامل مع الأزمات والظروف الاستثنائية في أحكامها، بحيث توازن بين تحقيق الأمر والحفاظ على مصلحته، وبين مراعاة الظرف الخاص بالمكلف وكيفية القيام به.

فالتيمم، وصلاة المريض، وتعجيل الزكاة، والنفير العام وغيرها من الأحكام المتعلقة بالفرد أو المجتمع، تبيّن أن الظرف مهما كان استثنائياً، والأزمة مهما كانت طبيعتها، إلا أنها تحتاج إلى مرونة في التطبيق، بشرط أن لا تعود على أصل بالأمر بالضياع والنقض .

وهذا بدوره ينطبق على أعمالنا الدعوية والتربوية، فالمقصد منها عظيم، والغاية المرجوّة منها تعود بالنفع على الأفراد وعموم المجتمع، فلا يجوز أن نتغاضى عن تحقيقها في ظل وجود أزمة أو جائحة ما، وإنما علينا أن نكون أكثر مرونة في كيفية تحقيق أهدافها، فالمهم القيام بها وتحقيق مقاصدها بعض النظر عن الوسيلة المتغيّرة.

إن من الأمور الهامة المستفادة من الأزمات، أن الناس يبدؤوا بالبحث عن القيادات والمسؤولين لتوفير الطمأنينة، وقتل أي شعور بالتردد والضعف، وهنا يجدر بالمسؤول التربوي والدعوي أن لا يجعل مكانه فارغاً، بل لابد أن يدرك أن دوره يتعاظم في ظل هذه الظروف .

إن العمل على استمرار العمل التربوي يتطلب تخطيطاً دقيقاً يبنى على معطيات كل منطقة، والوضع الصحي فيها، بالإضافة إلى قنوات الاتصال بين أفرادها (شخصي، إلكتروني.. الخ) كما يحتاج إلى رؤية ورسم للسيناريوهات المحتملة في حال تطبيق هذه الوسيلة أو تلك، بحيث لا تضيع الأهداف الخاصة به، بل نحقق أغلبها -أو جميعها- فما لا يدرك كله لا يترك جله.

ومما ينبغي التنبيه عليه عند استخدام الوسائل التكنولوجية في العملية التربوية، عدم تكثيف الطلبات ممن يملكون خبرات قليلة فيه، وعدم إثقال كاهلهم بممارسة أشياء جديدة عليهم، حتى لا نوقعهم في أزمة أخرى، ويعود الأمر بالسلب على ما نرنوا إليه وننشده.

مما ينبغي التنبيه عليه عند استخدام الوسائل التكنولوجية في العملية التربوية، عدم تكثيف الطلبات ممن يملكون خبرات قليلة فيه، وعدم إثقال كاهلهم بممارسة أشياء جديدة عليهم، حتى لا نوقعهم في أزمة أخرى، ويعود الأمر بالسلب على ما نرنوا إليه وننشده

وسائل عملية..

من الأمور التي ينبغي إدراكها والتي لا تخفى على كل من يحمل هم الدعوة إلى الله، أن الوسائل توفيقية، تقبل الاجتهاد، ولابد أن تكون مناسبة للظروف والأحوال الراهنة ، وربما تكون بعض الوسائل أقل نجاعة وتأثيراً مما اعتدنا عليه، لكن علينا أن نجتهد في اختيار ما يحقق الغايات المنشودة، فلا نقصر في إيصال رسالتنا أو متابعتنا للأفراد والارتقاء بهم، ومن ثم الارتقاء بمجمل دعوتنا المباركة، ومن أبرز هذه الوسائل:

1- وضع برامج شهرية يتم تطبيقها على مستوى الأفراد، تتناسب مع مستواهم التربوي والفكري، مع اقتراح برامج للعبادة، (تلاوة القرآن، الأذكار، صلوات النوافل، صيام التطوع..)، بحيث يرتقي الفرد بنفسه ومن معه إيمانياً ويزداد تقربه إلى الله.

2- توفير برنامج للأفراد، يشجعهم على تدبر القرآن، وقراءة الكتب المفيدة، فالقراءة وسيلة للمحافظة على الجانب الروحي من الإنسان في الأساس، والتدبر والتعلم والفهم أساس الارتقاء بالشخص ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها). ولا بد من السعي على أن تكون هذه الكتب متناسبة مع الأهداف الخاصة لكل مرحلة، بحيث تتحقق الأهداف المرجوة، مع فتح المجال للأفراد لمشاركة استفساراتهم وآرائهم.

3- زيادة التواصل مع الأفراد، فلا يكتفى باللقاء الأسبوعي، وإنما يمكن من خلال مجموعات معينة عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، أو التواصل من خلال برامج المحادثة الجماعية، وإشعار جميع الأفراد أنهم ما زالوا مرتبطين بالدعوة، تهتم لأمرهم، وتسعى لتلمّس احتياجاتهم، وحل مشاكلهم، ومساعدتهم في هذه الظرف، فالمؤمن قوي بإخوانه، وحري بنا أن نقوي رابط الأخوة بين أفراد الدعوة في هذا الوقت .

4- توجيه الأفراد لمتابعة المواقع التربوية المفيدة، بحيث يجد الأفراد ضالّتهم في الأمور التي لم تغطى من خلال قراءاتهم، وحثهم على مشاركة أفكارهم عبر الكتابة -لمن يستطيع- حتى تصل الفكرة إلى كل الأفراد، فيعم الخير وتزداد الفائدة.

5- حصر أبرز المشاكل التربوية والنفسية، وأبرز الفرص والتحديات التي نتجت عن هذه الجائحة، والعمل على توصيفها وحلها، من خلال المواقع التربوية الخاصة بالحركة الإسلامية، أو عبر برامج عملية تراعي اختلاف المناطق وأوضاعها، بالإضافة إلى الاهتمام بها في أي ندوة أو نقاش عبر وسائل التواصل المختلفة.

6- إقامة الندوات والمحاضرات العامة، والتي بات من السهل ترتيبها ونشرها وحضورها، والتركيز على ما يكمل مفردات المنهاج الدعوي، أو ما يعالج الظواهر والتحديات الناجمة عن الجائحة، بالإضافة إلى زيادة الوعي حول القضايا العامة وخصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وما يقوم به الاحتلال مؤخراً من إجراءات تهويدية خطيرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

مصطلح “تأثير الفراشة” ودوره في تغيير مسار الحياة

عندما سقط مسمار من حِدوة الحصان، سقطت الحِدوة من ساق الحصان، فتباطأ الحصان في سيره، …