الدين والدولة الحديثة.. رؤية لعلاقة إيجابية

الرئيسية » كتاب ومؤلف » الدين والدولة الحديثة.. رؤية لعلاقة إيجابية
الدين والدولة الحديثة - غلاف أمامي

شهدت العقود الأخيرة صعودًا كبيرًا لظاهرة الحركة الإسلامية –على اختلاف ألوانها الفقهية ومرجعياتها الفكرية واتجاهاتها السياسية– طرحت خلالها هذه الحركات نفسها كبديل للحكم للأنظمة التي تولت إدارة شؤون الدول العربية والإسلامية في مرحلة ما بعد الاستعمار.

وبالتالي؛ فإن أهم ما ركَّزت عليه مختلف الأطراف التي عناها ذلك، هو قضية مدى قدرة هذه الحركات على تقديم بديل سليم للحكم، يقوم على قواعد الحكم الصحيحة، وفق قوانين العلوم السياسية والنظم المعروفة، وما هو المحتوى الموجود في الإسلام، أصولاً وتاريخًا الذي يدعم إنشاء دولة إسلامية الهوية على المستوى المؤسسي.

وبطبيعة الحال، كان الجدل في هذا المضمار كبيرًا، بين أصحاب وخصوم المشروع على حدٍ سواء، وكان أبرز ما دار حوله، هو قضية المحتوى الإسلامي في المجال النُّظُمي، ومدى اتفاق الدين مع الدولة في صورتها الحديثة.
وكما قال البعض باستحالة ذلك، مثل وائل حلَّاق في كتابه المثير للجدل، "الدولة المستحيلة"، رأى كثيرون آخرون أنَّ هناك صيغة يمكن أن تجمع بين الدين وبين الدولة الحديثة.

وبين أيدينا، كتاب من هذا الاتجاه الأخير؛ الذي يرى أنه لا تعارُض بالمطلق بين منطق الدين ومنطق الدولة الوطنية الحديثة، سواء بمعنى "Patriot" أو "Nation".

والكتاب الذي يحمل عنوان "الدين والدولة الحديثة.. رؤية لعلاقة إيجابية"، يتناول نظرية دولة المواطنة والحقوق والواجبات في الإسلام، وما يتضمنه الدين الحنيف من تعاليم وأحكام تسمح بإقامة دولة ذات نظام سياسي واجتماعي متطور.

الكتاب، جاء في مقدمة وتمهيد و13 فصلاً، مع مجموعة من الملاحق، واستغرق المؤلف في كل فصل من هذه الفصول، في مناقشة نقطةٍ أو بندٍ من بنود الدولة الحديثة ومتطلبات بنائها على مختلف المستويات، النظمية والدستورية والاجتماعية، وغير ذلك، وما جاء به الإسلام في هذا الصدد.

وفي هذا الإطار، فقد ناقش جُملةَ من المفاهيم التي تمثل إشكالية بالنسبة لغير المسلمين، أو المسلمين من غير أنصار المشروع الإسلامي، وكيف يمكن التوفيق فيها بين مفهوم الوطن ومفهوم الأمة، مثل الجهاد، وصولاً إلى الفصل الثالث عشر والأخير من الكتاب، والذي وضع فيه تصوره لمشروع دستورٍ إسلامي.

مع الكتاب

في المقدمة والتمهيد، تناول مجموعة من القضايا العامة حول الواقع الحضاري للأمة الإسلامية، بين التاريخ والواقع المعاصِر، وكيفية الخروج من المأزق الحالي لها، وأهمية القرآن الكريم كمصدر أساسي لهوية الأمة، وربطها ببعضها البعض، مع محاولة لفك الاشتباك المعطِّل في بعض الأمور، مثل العلاقة المُلتَبَسَة بين الدين والسياسة.

الفصل الأول، حَرَّر فيه المؤلف مجموعة من المفاهيم الأساسية التي تناولها في الكتاب، مركِّزًا على مصطلح الدولة، وبشكل مقارَن مع النمط الإسلامي والنمط الغربي، مع إعطاء مساحة نظرية خاصة لتصورات الشريعة الإسلامية في مصادرها الأساسية، القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، مضيفًا إليهما الفقه الاجتهادي، للدولة، بعيدًا عن نمط "الدولة الدينية" الذي ساد الغرب وقت هيمنة الكنيسة على السلطتَيْن الزمنية والدينية.

الفصل الثاني، قدم فيه المؤلِّف تشريحًا مُفَصَّلاً لطبيعة النظام السياسي في الدولة الحديثة، والتي تستند كما قال إلى المشروعية الدستورية والقانونية، والشرعية الجماهيرية، والأهلية بالمفهوم القانوني، والرشد والمصداقية بالمفهوم السياسي.

الفصلان الثالث والرابع، تناول فيهما المؤلف كيف أن الدولة في الإسلام، من المهم أن تعكس هوية وذات المجتمع المسلم، وتجربة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في دولة المدينة، وكيف أسس فيها أول دولة مواطنة في التاريخ، كرَدٍّ على منتقدي نمط الحكم في الإسلام، والاتهامات الموجهة إليه باعتبار أنه لا يعترف بحقوق الآخر غير المسلم وما إلى ذلك.

الفصول من الخامس وحتى الثامن، قدَّم فيها المؤلف تصوُّرَه للتصور أو للمفهوم الإسلامي للدولة وتنظيمها في مجالات شتى، مثل النظام السياسي، وحقوق الإنسان، وكيف يمكن للإسلام تقديم نموذج ديمقراطي متطور، يراعي سيادة القانون والتنمية البشرية.
تضمن ذلك تصحيحًا منه لبعض المفاهيم الخاطئة المأخوذة عن قضية المرجعية الدينية للدولة في الإسلام، والتي ذكر أنها مختلفة بالكُلِّيَّة عن مفهوم الدولة الدينية في أوروبا وقت هيمنة الكنيسة.

الفصلان التاسع والعاشر، تناول فيهما الكاتب قضيتان على أكبر قدر من الأهمية في كيفية الموائمة بين الإسلام ونمط الدولة الحديثة للحكم، وهما، أولاً التحديث، مثل قراءة القرآن الكريم وتفسيره بروح العصر، وعدم قطع أواصر الصِّلَة مع المكتشفات العلمية الحديثة.
وثانيًا، الاجتهاد، الذي أُغلق بابه فعليًّا في آخر قرنين من تاريخ الأُمَّة، وقال إن الأُمَّة في الوقت الراهن بحاجة إلى اجتهاد جديد في كثيرٍ من قضاياها المستجدة.

وهنا أشار إلى قضية مهمة، وهي أن تطبيق الأحكام الشرعية لا يمكن أن يتم بمعزل عن تنمية شاملة، تشمل عملية كفؤه من التعليم وصناعة الوعي.

الفصلان الحادي والثاني عشر، دعا فيهما –من خلال تصورات عملية– إلى عدم الخوض في مواجهات مع الحكومات القائمة والحضارات الأخرى، وقال إن المسلمين ينبغي عليهم قيادة عملية من التغيير والإصلاح التدريجي الشامل، من خلال قيم الحوار والعلاقات الصحية مع الآخر.

وأدرج بعض الإجراءات العملية في هذا الصدد، مثل تأسيس حزب يحمل المرجعية الإسلامية، ويعمل وفق قواعد الديمقراطية والحوار، من أجل تحقيق أجندة متدرجة للوصول إلى السلطة من خلال الممارسة الديمقراطية، والبدء في تطبيق قواعد الحكم الإسلامي.
وهنا قال إن هناك مهمة كبيرة على عاتق القانونيين والمفكرين الإسلاميين، في صدد تقنين الشريعة الإسلامية، أي تحويل الأحكام الشرعية إلى صياغات قانونية ومشروعات قوانين تحكم المجتمع مثل أية دولة حديثة.

ولقد قدَّم هو بالفعل في الفصل الثالث عشر، تصوُّرًا لدستورٍ إسلامي الطابع، شمل التبويبات التقليدية للدساتير، مثل شكل الدولة ونظام الحكم والسلطات المختلفة، وهنا أكد على أهمية مبدأ الفصل بين السلطات الذي هو من أهم مبادئ الحكم في الدول الديمقراطية والمدنيات الحديثة.

ملاحق الكتاب كانت أربعة، الأول هو الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان الصادر عن المؤتمر الإسلامي على مستوى وزراء الخارجية بالقاهرة عام 1990م، والثاني والثالث، الإعلانان العربي والعالمي لحقوق الإنسان.

الملحق الرابع كان عبارة عن حقوق الإنسان الأساسية في الإسلام، وهو من وضع المؤلف؛ حيث جاء بكل حقٍّ من حقوق الإنسان الأساسية، وكيف صانها الإسلام من خلال آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة.

مع المؤلف

المؤلف، هو السفير المصري محمد أمين جبر، من مواليد الواسطى بمحافظة بني سويف، في العام 1938م، نشأ في قرية بني غنيم، وحصل على الثانوية العامة الإنجليزية من كلية فيكتوريا عام 1954م، مما أهَّله للالتحاق بكلية الحقوق جامعة القاهرة؛ حيث نال درجة الليسانس عام 1959م، بدأ بعدها العمل في السلك الدبلوماسي والقضاء بدءًا من العام 1961م.

أَلَّف العديد من الكتب في مجال الفكر الإسلامي والصوفية؛ حيث كان من أتباع الإمام الصوفي، الشيخ محمد ماضي أبو العزائم، ومن بين مؤلفاته، "الإسراء والمعراج في العلم الحديث"، و"مورد الحكمة وأوراد الحكيم"، و"الإنسان والخلافة في الأرض"، و"الأخلاق والمال في الإسلام"، و"في معية الرسول في القرآن الكريم، و"حديث الروح في أسماء الله الحسنى"، و"الإنجيل والقرآن.. دراسة في الحُجِّية".

بيانات الكتاب:

اسم المؤلف: محمد أمين جبر
اسم الكتاب: الدين والدولة الحديثة.. رؤية لعلاقة إيجابية
مكان النشر: القاهرة
الناشر: مكتبة الشروق الدولية
تاريخ النشر: أكتوبر 2006م
الطبعة: الطبعة الأولى
عدد الصفحات: 180 صفحة

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

كيف ربَّى المسلمون أبناءهم؟

تربية الأطفال هي من أكبر التحديات التي يعيشها آباء اليوم في ظل نظام تعليم متدهور …