فلسطين.. العلامة الفارقة!

الرئيسية » خواطر تربوية » فلسطين.. العلامة الفارقة!
18012018-548076

انقطع الوحي بانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، غير أن وحي الله وكلامه وسنة نبيه بين أظهرنا، فقد تركنا صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، وكلام الله وسنة نبيه الحق الذي لا شك فيهما وهما معيار الحق ومنبع النور الذي يكشف للحيارى ظلمة دروبهم ويهديهم إلى الطريق القويم في كل جوانب عيشهم وحياتهم، فمن أراد الفلاح عليه بهما، يدور حيث دارا ويضبط بوصلة قلبه وعقله بهما فإن تعارضا ولو بالقليل فليتهم عقله وقلبه بالنقص أو العلل أو أن اتباعه للشهوات أو الشبهات قد أثر على بوصلته لتشير باتجاه يعاكس ما يشير إليه وحي السماء.

ودونك آيات الله ميزان دقيق حري بك أن تزن فيه أقوالك وأعمالك لتعرف من أي أصناف البشر أنت، والقرآن الكريم له شواهده التي بها كشف نفاق الأفاكين الكذابين المنافقين ليطلق على بعض سوره بالفاضحة لأنها أزالت اللثام عن وجوه القوم لتظهر مرض قلوبهم وزيف أعمالهم وأقوالهم، ومازال القرآن بيننا يُتلى آناء الليل وأطراف النهار فمن يعرض عنه ويعمل بضده فقد كفانا مؤونة كشف قناع الكذب والنفاق عن وجهه وقلبه.

وإن كان الوحي قد انقطع فلا آيات تنزل لتفضح المنافقين -في وقتنا- فلا يعني ذلك ألا تميز بين حق وباطل، فثمة أمور بل ونقاط وضعها الشرع على الحروف لتظل من الثوابت التي إن دل مخالفتها على شيء إنما يدل على مخالفة للشرع تحت أي كان المسمى سواء كان البحث عن ما يسمى التقدم والازدهار أو السلم والسلام مع ضرورة الانتباه لأمر والإشارة إليه أنه قد يستدعي فرض السلام والأمان تسيير الجيوش واستخدام القوة، وليس بالضرورة أن يتحقق السلام بالانبطاح والتخاذل والذوبان في الغير .

وفلسطين والقضية الفلسطينية من الضروريات التي لا يسع العبد المسلم الجهل بها بل وعليه أن يحمل هم قضيتها في قلبه وروحه لا عنصرية ولا قومية ولا أو غيرها من تلك الدعوات التي يتهاتف القوم على التغني بها في المحافل، وإنما لارتباطها الوثيق بالسماء، فهي قبلة المسلمين الأولى إليها أُسري بخاتم الأنبياء ومنها عرج إلى السماوات العلا، ودونك نصوص الشرع التي تتحدث عن أفضليتها ومكانتها فليس هذا المقال غرضه ذلك، وليس عبثا أن يربط النبي شد الرحال إلى المساجد الثلاث في رباط عقدي لا تنفصم عراه، ومن استطاع في واقع فكره وقلبه أن يفرّط بهذا الرابط العقدي فاعلم أن عقيدته لا أقول كبناء يحتاج إلى ترميم بل يحتاج أن يعيد البناء من جديد على ضوء القرآن والسنة لا على ضوء حزبية أو قومية أو أي كان، وإن كان الثوب يرتديه صاحبه على ما فيه من خروق لوقاية جسده وستره من حر صيف وبرد شتاء، فإن العقيدة هي الأساس في كل بناء، لا تهاون في أي خروق فيها، فبالقدر الذي يكون به الأساس متينا فأنت في حصن من كل ما قد يعرض لك من شبهات أو شهوات.

وفلسطين من الثوابت التي قُدر لها أن تكون الفاضحة التي يفضح الله بها أفعال وأفكار أقوام بل وتكون الفيصل بين فسطاطي الباطل والحق، فمن انحرفت بوصلته عن القدس فاعلم أنها بوصلة مشبوهة لا يحتج بها ولا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها ، وما يحدث اليوم من هجوم بل ومن تفريط بحق هذه القضية إنما هو مخالفة للنهج الصريح من كتاب ربنا وسنة نبينا، فإن كان الله جل شأنه يحارب الظلم ويكرهه فإن قمة الظلم أن تبقى القدس في قيودها أسيرة في الوقت الذي يتبجح به علية القوم بحقوق الإنسان وحرياته وفلسطين الكعكة التي تتنافس الأيدي الآثمة على تقسيمها دون مراعاة لما لهذه البقعة المقدسة من حرمة لأرضها وبرها وجوها.

فلسطين من الثوابت التي قُدر لها أن تكون الفاضحة التي يفضح الله بها أفعال وأفكار أقوام، بل وتكون الفيصل بين فسطاطي الباطل والحق

ومن يظن أن فلسطين أرض خاصة بقوم وشعب فقد افترى على الله عز وجل، ففلسطين جزء من عقيدة التوحيد التي أرسل الله رسله دعاة لها، ومن حصر هذه الجزئية من العقيدة في زمان أو مكان أو أشخاص لا يعدو أن يكون إما جاهلاً لم يفقه من شرع ربه ولم يتدبر سورة الإسراء ولم يدرك من الشرع إلا حركات وطقوس خالية من روح الشرع، أو أنه ضال مضل يبحث عن عرض من الدنيا، أو خائن خان الله ورسوله ومن خان الله ورسوله ليس بمستغرب عليه أن يخون أمته ومقدساته.

وشاء الله تعالى أن تكون القضية الفلسطينية هي البوصلة في زماننا فمن ضبط بوصلته وفقها فقد فتح الله له فتحا عظيما، وتأمل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لتعلم من أي فسطاط أنت وإلى أي مدى تضبط بوصلتك، فعن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: قلت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس قال: "أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قلت أرأيت إن لم استطع أن أتحمل إليه قال فتهدي له زيتا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه" (رواه ابن ماجه).

زيتا يا رسول الله نعم زيت، أوصاك نبيك إن لم تستطع الوصول إليه والصلاة فيه أن تهديه زيتا فما بالك إن أهديته عمرك أو وقتك أو قلمك! فإن لم توفق لأي مما سبق فأقلها اعقل لسانك فلا تنال من أهله ولا تستنصر عليه عدوه ولا توالي من عاداه، فإن فعلت فإنك في خير عظيم، فما موقفك إذن ممن يظاهر عدوه ويرتمي بأحضانه وغايته استرضاءه وفتح ربوع بلاده وأحضانه على مصراعيها، ألا تجده ممن خالف عقيدة ربه وانحاز لفسطاط الباطل يدعو إليه وينتصر له بكل ما أوتي من قوة، ألا ترى أن قضية الأقصى باتت العلامة الفارقة والفاضحة التي تفضح خبايا أقوام وأقوام !

وتذكر وصية نبيك عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم:" إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" (رواه الترمذي)، ستكون إذن طائفة وسيكون هناك من يخذلهم، وزماننا تتسارع فيه الأحداث وتتكشف فيه الخبايا والنوايا، فهناك من يقبض على الجمر ويذود عن مقدساته وهناك طائفة قد نذرت روحها وكل ما تملك دفاعا عن عقيدة الأمة لا يضرها من خذلها.

أو يخذلها أحد يا رسول الله؟ نعم، سيكون هناك من يخذلها ويفرّط فيها ويسلمها على طبق من ذهب لعدوها بل ويتاجر ويقامر فيها، فلا تغرنك قوتهم ولا سطوتهم ولا لسانهم العربي ولا ثوبهم الإسلامي فمن يتجرأ على جزء من العقيدة إنما يتجرع على مشرّعها، ومن يفرط بذرة تراب من الأقصى سيفرط لا محال بالروضة الشريفة وأحجار الكعبة .

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …