فن تغييب الوعي واغتصاب العقول (1-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » فن تغييب الوعي واغتصاب العقول (1-2)
MIND

إن العقل هو النعمة التي كرَّم الله تعالى بها الإنسان وميَّزه بها عن سائر المخلوقات، ولأهمية العقل وضرورة الحفاظ عليه جعل الله تعالى حفظ العقل من مقاصد الشريعة الخمسة ، وهي (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، ولأهمية #العقل وضرورة الحفاظ عليه أيضًا حرَّم الله تعالى كل ما يُغيِّب العقل من خمر وكل ما شابهه، ورفع الله تعالى القلم عن المَجنونِ المغلوبِ على عَقلِهِ أو المَعْتُوهِ حتى يَعْقِلَ.

أولًا/ الوعي، أهميته ومجالاته وكيفية بنائه

إن الإنسان الواعي المُدرك تجد في تصرفاته اتساقًا وتوازنًا يتماشى مع الفطرة السليمة ويتفق مع المنطق السديد، هذا الاتساق وهذا التوازن يجعلان العقل والقلب والمشاعر وسائر الجوارح تعمل كمنظومة واحدة تفهم كل ما يدور حولها وتستوعبه وتحلله وتكون ردود أفعال الفرد مناسبة لكل حدث وفق الزمان والمكان وبقية المُعطيات والمُدخلات.

إن #الوعي له دائرتين مهمتين، إحداهما دائرة الوعي العام وهو كل ما يدور حول الشخص في مناحي الحياة المختلفة، والأخرى دائرة الوعي الخاص وتخص حياة الفرد الشخصية بتفاصيلها ودقائقها.

وفيما يخص مجالات الوعي فهي كثيرة، منها (الوعي الديني، والوعي الأخلاقي، والوعي الثقافي، والوعي المعرفي، والوعي الاقتصادي، والوعي السياسي، والوعي البيئي).

ولبناء الوعي الشامل المتكامل فإننا بحاجة إلى طليعة واعية ونخبة مُخلصة من كل مجال من هذه المجالات، تقدم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وتدرك أن مهمتها هي قيادة المجتمع كله لما يحقق الخير والنفع للجميع في الجانب المنوط بها.

إننا بحاجة إلى طليعة واعية ونخبة مُخلصة في كل مجال لبناء الوعي الشامل المتكامل، تقدم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وتدرك أن مهمتها هي قيادة المجتمع كله لما يحقق الخير والنفع للجميع في الجانب المنوط بها

ولكي يكون بناء الوعي في حالته المُثلى لا بد له من دوام التنمية والتطوير، كما أنه يتطلب الإلمام الشامل والمستمر بكل المُستجدات، وربط القديم بالجديد، والكليات بالجزئيات، والأكثر من ذلك كله فإن بناء الوعي يتطلب القدرة على استشراف المستقبل والتنبؤ بالنتائج وردود الأفعال، وما ينطبق على الوعي الفردي ينطبق كذلك على الوعي المجتمعي، كل حسب تخصصه والدور المنوط به.

إن تبادل المعرفة والعمل على تكاملها وصياغتها إلى سلوكيات عامة أو (عقد اجتماعي) ينظم كل أنماط الحياة داخل المجتمعات والشعوب ويجعل هذه المجتمعات الشعوب أكثر نضجًا ووعيًا، وأكثر قوة وتأثيرًا.

إن تجاهل ما سبق أو جزء منه يجعل الوعي مشوشًا وإن شئت فقل زائفًا؛ لأن (ما يُبنى على باطل فهو باطل)، فعندما تكون أفكار الشخص ووجهات نظره ومفاهيمه مغلوطة أو غير متطابقة مع الواقع، أو مقتصرة على جانب معرفي دون جانب، فإن وعيه يكون قاصرًا محدودًا، يُفسد أكثر مما يُصلح، ويخرب ويدمر أكثر مما ينتج ويعمّر .

ومن هنا ندرك أن وعي المجتمعات والشعوب يُقاس بمقدار وعي الأفراد ومدى قدرة الأفراد على تحويل الوعي الفردي إلى وعي جمعي تنظمه قوانين متفق عليها لتحقيق أهداف وآمال وطموحات تعود بالنفع على الجميع بدون استثناء.

ثانيًا: سُبل واستراتيجيات تغييب الوعي

إن تغييب وعي الأفراد والمجتمعات هو الشغل الشاغل والأولوية الأولى لكل إدارة مُستبدة، ولكل ديكتاتور ظالم، ولكل عدو لدود ، وذلك منذ خلق الله البسيطة إلى يومنا هذا.

قال تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29]

قال تعالى: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء:34، 35]

قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف:54]

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: "واستخفاف الطغاة للجماهير أمرٌ لا غرابة فيه؛ فهم يعزِلون الجماهير أولًا عن كل سُبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها ويُلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين، ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يُمسِّكون بحبل الله، ولا يزِنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح".

إن تغييب الوعي يهدف إلى الاستئثار بطاقات وإمكانيات وجهود الأفراد والشعوب وتوجيهها لتحقيق مآرب خاصة لا تعود بالنفع على أصحابها، كما يهدف إلى تفكيك العلاقات بين الأفراد والهيئات والشعوب، حتى تصير كالجزر المنعزلة وإن شئت فقل كالفرق المتناحرة، هنا تسلس قيادتها، ولا تشكل خطرًا على الجهة القائمة بتغييب الوعي، وما مبدأ "فرِّق تسُد" عنا بغريب ولا بخفي.

إن تغييب الوعي يهدف إلى الاستئثار بطاقات وإمكانيات وجهود الأفراد والشعوب وتوجيهها لتحقيق مآرب خاصة لا تعود بالنفع على أصحابها، كما يهدف إلى تفكيك العلاقات بين الأفراد والهيئات والشعوب، حتى تصير كالجزر المنعزلة وإن شئت فقل كالفرق المتناحرة، هنا تسلس قيادتها، ولا تشكل خطرًا على الجهة القائمة بتغييب الوعي

أما بالنسبة لسبل تغييب الوعي فقد جمعها المفكر الأمريكي "نعوم تشومسكي" في عشر استراتيجيات تستخدمها الأنظمة المستبدة من أجل ترويض الشعوب وتدجين الجماهير وجعلهم مطية ذلولة الظهر لا تشتكي ولا تتمرد ولا تثور.

وسأكتفي بذكر نَص الاستراتيجية ثم أعلق على كل استراتيجية بما هو كائن وملموس على أرض الواقع.

1. استراتيجيّة الإلهاء:
تهدف إلى صرف انتباه الرأي العام عن القضايا المصيرية الكبرى وإشغاله إما بقضايا فرعية أو إشغال المواطن بهموم نفسه.

2. استراتيجيّة ابتكر المشاكل، ثم قدّم الحلول:
إن المشاكل المقصودة هنا هي المشكلات الكبرى التي تبث الذعر لدى الرأي العام وتجعله يشعر بعدم قدرته على تدبير أمره بنفسه، وجعله يرضى بما تقدمه الأنظمة من حلول، ولو كانت هذه الحلول قاسية ومُجحفة.

إن هناك من الأنظمة من ترعى الفوضى وتؤجج العنف حتى يضج الرأي العام بالشكوى، ثم يتدخل النظام بسن قوانين مقيدة للحريات يقبلها الجميع دون تأفف ولا امتعاض ، وهكذا.

3. استراتيجيّة التدرّج:
إن الأنظمة التي تريد تبنِّى مبدأ معيناً لا تفرضه عنوة ولا قسرًا بل تمهد له وتتدرج في خطواته حتى تحققه مهما كلفها ذلك من وقت.
إن الأنظمة التي تتبنى قضية الحد من الزيادة السكانية في مجتمع يؤمن بكثرة الإنجاب لو فاجأت المجتمع بقانون يمنع إنجاب أكثر من طفلين مثلًا لقامت ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر، هنا تقوم الأنظمة بتوفير وسائل منع الحمل وجعلها بالمجان، ثم تروّج عبر وسائلها المختلفة لفكرة أن معظم المشكلات التي يعاني المجتمع سببها الزيادة السكانية، ثم تلوح بفرض قانون للحد من الإنجاب، ثم تفرض القانون بالفعل، وكل هذه الخطوات المتدرجة قد تستغرق عشرات السنين حتى توتي ثمارها المرجوة.

4. استراتيجيّة المؤجَّل:
تهدف هذه الاستراتيجية إلى كسب موافقة الرأي العام على تطبيق إجراء أو قانون في المستقبل. فمثلًا، يعلن النظام عن زيادة أسعار سلع معينة بعد عام، أو تخفيض الدعم عن سلع معينة بعد عامين... إلخ.

إن الأنظمة توقن أن نفسية الشعوب تتقبل مثل هذه الإجراءات بسهولة من باب أن "الخير قادم وغدًا سيكون أفضل" ومثل هذه الافتراضات البلهاء التي لا تبنى على عقل ولا منطق.

5. استراتيجيّة مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار:
جاء في كتاب (أسلحة صامتة لحروب هادئة): "إذا خاطبنا شخصًا كما لو كان طفلًا في سن الثانية عشر، فستكون لدى هذا الشخص إجابة أو ردّة فعل مجرّدة من الحسّ النقدي بنفس الدرجة التي ستكون عليها ردّة فعل أو إجابة الطفل ذي الاثني عشر عامًا".

6. استراتيجيّة استثارة العاطفة بدل الفكر:
تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعطيل التفكير العقلاني والمنطقي لدى الرأي العام، فمثلًا، عندما يموت طاغية أو تموت عاهرة تجد من يحاولون طمس ما ارتكبوه من جرائم في حق الشعوب والأفراد وذلك بنشر عبارات مثل (له ما له وعليه من عليه- إنكم لا تملكون مفاتيح الرحمة ولا مفاتيح الجنة- من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) إلى غير ذلك من العبارات التي تدغدغ المشاعر وتخدر ردود الأفعال.

7. استراتيجيّة إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة:
إن العدو الحقيقي للأنظمة المستبدة هو وعي الشعوب لذلك تحرص هذه الأنظمة على إبقاء الجانب التعليمي والمعرفي والثقافي للشعوب في أردأ مستوياته لتمارس هذه الأنظمة وصايتها على الشعوب ولتضمن بقاء الشعوب في "بيت الطاعة".

إن العدو الحقيقي للأنظمة المستبدة هو وعي الشعوب لذلك تحرص هذه الأنظمة على إبقاء الجانب التعليمي والمعرفي والثقافي للشعوب في أردأ مستوياته لتمارس هذه الأنظمة وصايتها على الشعوب ولتضمن بقاء الشعوب في "بيت الطاعة"

8. استراتيجيّة تشجيع الشّعب على استحسان الرّداءة:
ويكون ذلك بإفساد الذوق العام الثقافي والفني والجمالي مما يترتب على ذلك هبوط الجانب الديني والأخلاقي، وفي هذه البوتقة يكون المجتمع تربة خصبة للجهل، ومرتعًا للرذيلة، ومسرحًا للجريمة، مما يفقده الثقة في نفسه أن يخرج منه من يقوده أو يدبر أمره فيعيش الشعب جاهلًا إمعة ذليلًا.

9. استراتيجيّة تعويض التمرّد بالإحساس بالذنب:
وملخص هذه الاستراتيجية هو (ماذا أفعل لك وأنت السبب في كل ما يحدث!)، أو (ماذا أفعل لك بعد فوات الأوان!)، هنا يتجه الرأي العام إلى التلاوم وجلد الذات والانكماش والتخلي عن أية صورة من صور التمرد ومنع أية طليعة ثائرة من ممارسة دورها في التغيير.

10. استراتيجيّة معرفة الأفراد أكثر ممّا يعرفون أنفسهم:
إن دراسة "علم نفس الشعوب" تمكَّن الأنظمة من اختراق عقول الجماهير وإقناعهم بأنهم قُصَّر وليس لديهم من الرشد ما يجعلهم يقررون مصيرهم بأنفسهم، وأن الأفضل لهم الرضا بما هو كائن؛ كي تكون لديهم القدرة التي يفتقدونها في هذا الجانب.

إن هذه الاستراتيجيات العشر ما هي إلا أذرع لأخطبوط ضخم وإن شئت فقل إنها أنياب وحش كاسر ينقض بها على فريسته ولا يتركها إلا صريعة يُهشم عظامها ويلغ في دمائها.

لقراءة الجزء الثاني.. اضغط هنا

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الهِدَاية والإيمان والحُرِّيَّة.. حول مفاهيم الظلمات والنور في القرآن الكريم

من واجبات المسلمين المنسية عند غالبيتهم لعظيم الأسف، التدبُّر في القرآن الكريم ومعانيه؛ فقد باتت …