الخلاصة في صراع التزكية والهوى

الرئيسية » خواطر تربوية » الخلاصة في صراع التزكية والهوى
muslim12

لا تخلو نَفسُ ابن آدم من هوىً ما عاش، والهوى يشمل كلَّ ما للنفس فيه ميل لحظٍّ أو مصلحة أو متعة أو مزاج أو اشتهاء... إلخ. مثلًا، في علاقة المحبة والأخوّة في الله: تجد أنه يسهل عليك حسن معاملة صاحب تتفق مع نمط تديّنه وفكره أكثر من قريب لا يعجبك، أو في العبادات: فيطيب لك الإكثار من الذِّكر وتستثقل مشقّة الصيام، وهكذا!

وليس البأس في ذات الهوى، بل في كونك قائدًا له توجّهه أو منقادًا له يوجّهك، ومكمن الامتحان هو في نهج تربية وتهذيب الأهواء والميول والأمزجة، لتصريف النفس وفق أمر الله تعالى لا وفق أمرها، دون معاندة عمياء أو معاداة خرقاء من جهة، ولا اتباعها والانجرار السَّكران وراءها من الجهة الأخرى، لذلك كانت التزكيةُ رحلةَ عمر وجهادُ النفس رياضةً مستمرة.

ويخطئ من يؤجّل الاشتغال بالتزكية والاستقامة حتى "يفرغ" من اتباع الهوى والمزاج عند مرحلة ما؛ لأنّ كأس الهوى لا قعر لها، فالشارب منها لن يرتوي أبدًا بل يزداد عطشًا دومًا، ولو لم يكن في اتباع الهوى إلا اعتياد الإدمان وإدمان العادة لكفى .

يخطئ من يؤجّل الاشتغال بالتزكية والاستقامة حتى "يفرغ" من اتباع الهوى والمزاج عند مرحلة ما؛ لأنّ كأس الهوى لا قعر لها، فالشارب منها لن يرتوي أبدًا بل يزداد عطشًا دومًا

كذلك، فالتزكية ليست محطة تحطّ عليها ذات مرّة أو تبلغها عند لحظة قرار، بل هي رحلة دؤوبة من المثابرة والمجاهدة والمدافعة والمصابرة ، فالمسألة في التصور الشرعي ليست كبتًا للوجدان أو معاداة للنفس بذاتها، بل رياضة وتهذيبًا لمختلف أطوار النفس وجوانبها لتطويعها على أمر خالقها، الذي خلقها قابلة لهذا التطويع، وإن بعد حين من المكابدة والمصابرة، وفاقًا لجوهر الامتحان وغاية رحلة العمر في هذه الدار، وإنّ المسؤولية والواجب هما سرّ الحياة ودافعها الوجودي! فإنك إذا تأملتَ في أيّ مُنجز من منجزات ابن آدم، ووقفتَ على دقائق إتمام ذلك المنجز وكافة مراحله، ستجد لا ريب معاني: التعب، والحيرة، والتخبط، والخوف، والتعب، والحزن... وكافة مفردات ما نسمّيها ظلمًا بـ "أسرة المشاعر السلبية"، فليس الشأن ألا تمرّ بهذه المشاعر لتكون شخصًا ناجحًا، بل إنه لا يُتوقع نجاح من أي نوع وبأي درجة بغير الذوق من كلّ أولئك، والتعلم والتربي بكلّ أولئك، والمُضِيّ قُدُمًا مع كلّ أولئك، هذا هو الفارق بين مَن صَبَر على عَقَبة حتى ذَلَّت، وعلى ما لا يطيب حتى تَبَدَّل أو طاب، ومن فرَّ عند أول مرارة، ونَكَص على عَقِبَيه بعد أول خطوة.

هذا و فهم المسلم لطبائع النفس واستيعابه لتقلباتها المحتملة، وإدراكه لمدى سَعَة واتساع الديانة لكلّ ذلك -إذ كله من مشكاة واحدة كما نكرر دائمًا- يُهدّئ من رَوْعِه، ويخفّف من شعور الضياع الشامل وأعراض الكساح النفسي والانسحاب الوجداني، التي ينجرف لها غالب الشباب بسهولة لأدنى عارض من زَلّة أو ذنب أو تحرّك كوامن الشهوة فيهم، فبدل استرداد الزمام وتدارك الأوضاع، يُمْعِنون في اتباع الهوى بعناد، والارتماء في أحضان الملذّات بعِمَاية، والتهاون في فرائض الإسلام أو التمرّد عليها بطيش، كلّ ذلك بدعوى أنّ صاحبها قد ضاع على كلّ حال، ولا سبيل للعودة لحِمى الله، بل لا فائدة ولا خير يرجوهما من نفسه لنفسه!

فهم المسلم لطبائع النفس واستيعابه لتقلباتها المحتملة، وإدراكه لمدى سَعَة واتساع الديانة لكلّ ذلك يُهدّئ من رَوْعِه، ويخفّف من شعور الضياع الشامل وأعراض الكساح النفسي والانسحاب الوجداني

وأُولى بوادر علاج تلك الظاهرة هي سَعَة الدين لمعاملة ومخاطبة كل أحوال النفس، وانتظامه لكافة أطوار المؤمن ومشاغله وهمومه في حياته، وهذا الإدراك يُذْكِيَ في المسلم حسَّ الانتماء لعقيدته وإصرار الاستمساك بدينه والاعتصام بحِماه وجدانيًّا وفكريًّا، بدل أن يتعامل باستغناء مستهتر مع أعظم نعمة يُنعَم بها على ابن آدم أن يولد في حِمَى الإسلام، ويوجّهه للعناية بفهم طبائع خِلْقَته المقصودة من الخالق عند خَلقِه، بدل أن يُخرِج نفسه من المِلَّة لأدنى عارض من أوهامه! فيُقبِل على تعلّم أحكام ربّه في التعامل مع تلك الأطوار ويلتَزِمَها ما استطاع، فيكون من المُفلحين بتوفيق الله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

من مداخل الخلل في التكوين الفكري المسلم: خلط المنطلق والمنتهى

  تأمل في الرسم أدناه: انظر للتداخلات بين الأسهم، ثم انظر لبداية كل سهم ونهايته، …