كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

الرئيسية » بصائر الفكر » كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟
WORLD

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ خطط الدول والتي تقوم الحكومات بأجهزتها التنفيذية المختلفة على تحقيقها، وفي رؤية شاملة لمتطلبات المجتمع، والثاني/ هو المبادرات الخاصة، سواء تلك الفردية "Individual initiatives"، أو التي تنهض بها مؤسسات أهلية خاصة "Civil institutions"، ضمن ما يُعرَف بمؤسسات المجتمع المدني "Civil society".

وأكثر مسارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية فاعلية، هي تلك التي تنهض على أساس دمج الجهود الأهلية مع الخطط الحكومية، ومنح المؤسسات الخاصة، من جمعيات وشركات مدارس وغيرها من صور العمل المؤسسي، دورًا أساسيًّا ، وليس كبديلٍ أو دور صوري لمجرد الحصول على منح ومساعدات من القوى الاقتصادية الكبرى والمنظمات الإقليمية والدولية التي باتت قضية مشاركة المجتمع المدني والقطاع الأهلي في أي نشاط، أساسًا لتقييمها لرشادة وفاعلية أي إجراء حكومي، في أي مجال.

ومنذ منتصف التسعينيات، وبعد أن طرحت الأمم المتحدة استراتيجيات عمل جديدة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، باتت المنظمات غير الحكومية "Non-governmental organizations" فاعلاً دوليًّا معترفًا به قانونيًّا، وأصبحت كلمة "NGOS" ضمن قاموس مصطلحات القانون الدولي العام والخاص، وباتت هناك مؤسسات من هذا النوع شريكةً بالمعنى القانوني والمؤسسي للأمم المتحدة وبرامجها، وهناك ضمن هيئات الأمم المتحدة المختلفة، ما هو معنيٌّ بالاتصال والتنسيق والعمل المشترك مع هذه النوعية من المؤسسات.

وبالتالي.. فإنَّه لم يعُد هناك مجالٌ للحديث عن ضرورة أو أهمية العمل الأهلي، وإنَّما بات الأمر يتعلق بفهم كيفية تفعيل بما في ذلك الجهود الفردية.

وربما هنا من إنصاف القول أنَّ المجتمعات العربية والمسلمة كانت أسبق بكثير من منظومة الاهتمام الدولية هذه بقضية المشاركة المجتمعية الأهلية في جهود التنمية، بمختلف أبعادها، في ظل مركزية قيمة التكافُل في المنظومة الاجتماعية والاقتصادية للإسلام، وفي ظل أهميتها في المرتكزات التقليدية التي تميِّز المجتمعات العربية منذ قديمٍ.

المجتمعات العربية والمسلمة كانت أسبق بكثير من منظومة الاهتمام الدولية هذه بقضية المشاركة المجتمعية الأهلية في جهود التنمية، بمختلف أبعادها، في ظل مركزية قيمة التكافُل في المنظومة الاجتماعية والاقتصادية للإسلام

ومن دون كثيرٍ من التنظير، فإنَّ أهم معوقات تفعيل الجهود الفردية "Individual efforts"، على أرض الواقع، هو المُعَوِّق النفسي الذي يتصل بقضية مدى قناعة المبادِر أو صاحب الجهد في إمكانية أنْ يحدِثَ أي تغييرٍ في مجتمعه وبشكل عام.

وقد يكون ذلك بسبب رؤية أو إحساس بالفعل لدى الإنسان، أو بسبب المحيطين به، والذين يروجون لعبارات على غرار "يعني أنت حتغيَّر الكون"، أو "حتعمل إيه ولّا إيه"، استنادًا لواقع شيوع المشكلات وعمقها بالفعل، أو بسبب طبيعة شخصية أنانية، أو شخصية تميل إلى الكسل، أو عقليات قاصرة عن رؤية الأمور بالصورة الصحيحة.

ولعل هذا هو أحد صور التثبيط التي حذَّرنا منها القرآن الكريم.. يقول اللهُ تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب:18].

وفي هَدي الرسول الكريم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- نجده يقول: "إنْ قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلةٌ فليغرسها فإنْ استطاع أنْ لا يقومَ حتى يغرسها فليغرسَها" (أخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني)، والمعنى واضحٌ؛ فإنَّه –عليه الصلاة والسلام– يقصد أنَّه لا ينبغي أنْ نيأس، وأنْ نجتهد قدر المستطاع، ولا نترك العمل، ولو لم تكن هناك أيّة إمكانية لأنْ نرى ثمرته أو أنْ يثمرَ أصلاً؛ لأنَّه – وبعيدًا عن مجازِ القول في الحديث الشريف بشأن قيام الساعة والإنسان في هكذا حال، بيده فسيلة أو أمامه عملٌ ينبغي له أنْ يتمَّه – بالتأكيد سوف يشهد غيره ثمرة هذا الغرس أو العمل.

وقريبٌ من ذلك قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "لا تَحقِرَنَّ مِن المعروف شيئًا وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ" (أخرجه مسلم)، وقوله أيضًا عليه الصَّلاة والسَّلام: "لأنْ يهدي اللهُ بكَ رجلاً واحدًا خيرٌ لَك من حُمْر النَّعَم" (مُتَّفقٌ عليه) و"بَلِّغوا عَنِّي ولو آيةً" (أخرجه البُخاري).

وبالتالي... فإنَّ مَبْدأ الأمر -الذي ينبغي أنْ يتحوَّل إلى قناعةٍ راسخةٍ لدى أي إنسان صحيح الإنسانية، ويسعى إلى الخير- هو أنْ يؤمنَ بقيمة ما يفعل، مهما كان صغيرًا، أو بمعنىً أدق، مهما بدا له صغيرًا، ومن أنبياء اللهِ تعالى مَن سوف يُبعَث مع مؤمن أو اثنين فقط من قومه، ولكن أحدهم لم يتذمَّر، وقصة نبي اللهُ تعالى يُونُس -عليه السلام- استثناءٌ من ذلك.

على الإنسان أنْ يؤمنَ بقيمة ما يفعل، مهما كان صغيرًا، أو بمعنىً أدق، مهما بدا له صغيرًا

والمبادرة الفردية ترتبط في ديننا كذلك بأمور مهمة، وهي قناعة يجب أنْ تكون لدى الفرد المسلم، تصل إلى مستوى العقيدة، وهي أنَّ الإنسان ما عليه إلا السعي، بينما النتيجة والمُحَصِّلة على اللهِ تعالى، وكذلك في السعي، يكون الاعتماد على اللهِ تعالى، والتَّوكُّل عليه، من دون النظر إلى حجم الإنجاز، أو إلى ما يمكن أنْ نحققه، فالمهم، هو فعل الخير والاستباق إلى الخيرات كما قال لنا القرآن الكريم.

وفي حقيقة الأمر -وعند النظر إلى المبادرات الفردية بالمقاييس العلمية المادية، أي المتعلقة بالاقتصاد والإدارة، وفي مجال العلوم الاجتماعية- فإنَّنا لن نجدَ أنَّها ضعيفة الفائدة إلى هذه الدرجة.

فانتشار المبادرات الفردية، سوف يقود إلى تعظيم الأثر، وهو أمرٌ مفاهيمي قائمٌ عند العاملين في حقول التنمية الاجتماعية المختلفة؛ فهم يقولون إنَّه لو أن كلُّ فردٍ من أفراد المجتمع عمل عملاً واحدًا صالحًا في اليوم سوف تنتهي مشكلات المجتمع كله في أقلِّ من شهرٍ واحد .

فالتراكم -ولاسيما لو حدث بمتوالية هندسية، أي أنْ تكون زيادة وتيرة العمل الفردي بمعدلات مُضَاعَفة- يمكنه أنْ يحقق آثارًا ضخمة بمرور وقت قصير نسبيًّا.

وهو ما يعني أنَّ هناك مركزية كبرى في هذا الصدد لتحويل "المبادرات الفردية" إلى قناعة عامة وثقافة مجتمعية؛ وقتها سوف يمكن أنْ نجد أن فردًا واحدًا يمكنه أنْ يغيِّرَ العالم بالفعل.

ويطرح ذلك نقطة مهمة في مجال التنمية البشرية، وهي نقطة الثقة في النفس، وعدم الالتفات إلى عبارات التحبيط والتثبيط إذا ما أراد الإنسان النجاح.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ هذا الحديث ليس مِن قبيل التشجيع فحسب، وإنَّما هو أمرٌ مُجَرَّب، وفعَّال من خلال سوابق عالمية قائمة تستند إلى تدعيم المبادرات الفردية، وترتيبها في قالب تجميعي أكبر، يجعل الكُلَّ أكبر من مجموع أجزائه؛ لأنَّ الصورة الضخمة الواسعة الانتشار، والعمل الكبير المتراكِم، يخلق بيئة من الحماس والتشجيع للآخرين للانضمام إلى الرَّكب.

ومن بين أهم هذه المبادرات في هذا الاتجاه، مبادرة "تفعيل" التي تعمل في عشرات البلدان حول العالم من خلال رموز فنية وإعلامية ومجتمعية، تسعى إلى دعم مبادرات فردية من هذا النوع، ولو كان الأمر يتعلق بمنتدى ثقافي للفتيات في قرية محلية في أعمق أعماق بلدٍ إفريقي أو لاتيني.

وبالتالي... فإنَّ العمل وفق هذه الرؤية، وهذه الوتيرة، يعني أنَّه من الممكن للمبادرات الفردية -ولو كانت في حدود ضيقة المساحة والتأثير- أنْ تغيَّر العالم بالفعل.

وأيًّا كان مستوى الإنجاز المتحقق؛ فإنَّنا نعود إلى المرتكز الديني في هذا الموضوع، وهو أنَّه ما علينا إلا السعي؛ لأنَّه هو الذي سوف يُرى من اللهِ تعالى، وسوف يكون على رؤوس الأشهاد يوم العرض عليه، وبالتالي، فإنَّنا لا ينبغي لنا أنْ نألو أي جهدٍ إصلاحي ولو كان مع طفلٍ واحد، ولو كان مجرَّد رفع ورقة قمامة صغيرة ملقاةً على قارعة الطريق!

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

هل الإسلام يمر فِعلاً بأزمة كما يزعم ماكرون!!

"هذا دين رفيع.. لا يُعرض عنه إلا مطموس. ولا يعيبه إلا منكوس، ولا يحاربه إلا …