لماذا لا نرى ناشطات نسويَّات مسلمات؟

الرئيسية » بصائر الفكر » لماذا لا نرى ناشطات نسويَّات مسلمات؟
Women line up waiting to cast their vote at a polling station in Cairo

أثارت بعض منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة قضية شديدة الأهمية واللزومية في الوقت الراهن في حقيقة الأمر، وهي قضية عدم وجود ناشطات نسويَّات مسلمات في الفضاءات الإعلامية والثقافية المختلفة.

والمقصود هنا بوضوح وتحديد، هو وجود ناشطات بالمعنى المعروف لكلمة "ناشط" و"ناشطة"، في مجال حقوق المرأة، وما يُعرَف في عالمنا المعاصِر بـ"النسوية" أو "الجندرية" "Gender" أي أنَّه ليس المقصود وجود سيدات وفتيات مسلمات تبرزْنَ في المجالات المختلفة، أو ناشطات مسلمات بشكل عام.

فالرموز النسائية المسلمة، موجودة، وهناك فتيات وسيدات مسلمات حقَّقن الكثير من الإنجازات في المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وبرزْنَ في مجتمعات غير مسلمة أيضًا، وفي بلدان اللجوء والمهاجر، وكذلك، فإنَّ هناك ناشطات مسلمات في مجال حقوق الإنسان وحماية البيئة وغير ذلك.

وتقدِّم هذه النماذج، صورة مشرِّفة للإسلام، وللمجتمعات المسلمة، وتبرز كيف أنَّ هذا الدين، هو دين الحركة والعمل والإنجاز، وأنَّه دينٌ لا يمنع أتباعه -بما في ذلك المرأة- مِن التفاعل مع القضايا المحيطة به، بدءًا من قضايا المجتمعات المحلية، وصولاً إلى القضايا الإنسانية العامة.

لكن المطلوب -وهذا من الواضح أنَّه بالفعل هناك عَوَزٌ أو نقصٌ فيه- هو أنْ يكون هناك ناشطات مسلمات في مجال قضايا المرأة أو ما يعرف بقضايا النوع الاجتماعي الخاصة بالمرأة.

وهذه النوعية من القضايا، تتضمن طائفةً واسعةً من المشكلات والحقوق التي تتصل بالمرأة بشكل أساسي.

فبالرغم من أن مصطلح قضايا "النوع الاجتماعي" "Gender" يشمل في جذره القضايا التي تتعلق بإدراك الذكور والإناث على حدٍ سواء لهويتهم الجنسية (النوع)، والمشكلات والقضايا المرتبطة بذلك، فيما يخص التفاعلات مع المجتمع المحيط، إلا أنَّ المصطلح أُسقِط منذ الثمانينيات الماضية على المرأة لاعتبارات تتعلق بأنَّ المرأة هي الطرف الأضعف، وهي التي تتعرَّض للغبن أكثر من غيرها من الفئات الأقل تمكينًا في أي مجتمع، بما في ذلك المجتمعات ذات المنظومات القانونية والمجتمعية المتطورة، في الغرب.

بالرغم من أن مصطلح قضايا "النوع الاجتماعي" "Gender" يشمل في جذره القضايا التي تتعلق بإدراك الذكور والإناث على حدٍ سواء لهويتهم الجنسية (النوع)، والمشكلات والقضايا المرتبطة بذلك، فيما يخص التفاعلات مع المجتمع المحيط، إلا أنَّ المصطلح أُسقِط منذ الثمانينيات الماضية على المرأة لاعتبارات تتعلق بأنَّ المرأة هي الطرف الأضعف، وهي التي تتعرَّض للغبن أكثر من غيرها من الفئات الأقل تمكينًا في أي مجتمع

ويزيد من أهمية وجود ناشطات نسويات مُعتَبرات، وفاعِلات، التحوُّل الكبير الذي طرأ على نوعية قضايا النوع الاجتماعي فيما يخص المرأة.

فحتى وقت قريب، كانت أبرز القضايا المطروحة على أجندة الحركات النسوية، هي قضايا تمكين المرأة على المستوى القانوني والاجتماعي، وفق مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، ومن بين ذلك إقرار منظومة تشريعية وفي الثقافة المجتمعية، وفي القرارات التنفيذية، ما يتعلق بتحسين فُرَص المرأة في العمل والتعليم، وحماية المرأة من العنف بأنواعه، ومعالجة مشكلات فئات نوعية، مثل النساء المُعِيلات، وتحسين أحوال المرأة في المناطق الريفية.

وكل ذلك لا غبار عليه في منهجنا الإسلامي، فالدين الحنيف لا يمنع تعليم المرأة، ولا أنْ تعمل، وفق ضوابط أخلاقية لا يختلف عليها أحد، ونجدها في مفاهيم الكثير من المجتمعات غير المسلمة، بل إن الإسلام وأحكام الشريعة تحقق في هذا الاتجاه، الكثير من مطالب الحركة النسوية، حتى العلمانية، مع تحريمه التحرُّش بالمرأة من خلال تخصيص أماكن لها في مقارِّ العمل ووسائل المواصلات وخلافه، وصيانة حقوقها مثلها مثل الرجل تمامًا، وضَمِن أنْ تكون لها ذمتها المالية المستقلَّة، كذلك لا يقر الإسلام العنف ضد المرأة ولا ضد أي فئة ضعيفة، وهكذا.

إلا أنَّه في السنوات الأخيرة، وجدنا أنَّ هناك الكثير من القضايا التي تم طرحها على أنَّها من صميم حقوق المرأة التي ينبغي لها أنْ تحصل عليها، تتناقض بشكل كامل مع القواعد الأخلاقية والشرعية المعتبرة في الإسلام، بل حتى مع قواعد الفطرة السليمة، مما يعني أنَّها مِعْوَل هدمٍ أكيد لقيم الأسرة وبنيانها، وبالتالي سوف تقود بكل تأكيد إلى تفكُّك وانحلال المجتمعات.

هناك الكثير من القضايا التي تم طرحها على أنَّها من صميم حقوق المرأة التي ينبغي لها أنْ تحصل عليها، تتناقض بشكل كامل مع القواعد الأخلاقية والشرعية المعتبرة في الإسلام، بل حتى مع قواعد الفطرة السليمة

ومن بين أبرز هذه القضايا، حرية الممارسة الجنسية وفق مبدأ حرية الجسد، وعدم وضع قيود على علاقات الفتاة أو المرأة، ما دامت في سياق قبولها لها، ويشمل ذلك قضية ما يُعرَف بحرية الإنجاب، مع توسيع مبدأ الاختلاط الضار الذي يقود إلى أمراض بدنية واجتماعية.

كذلك وجدنا أنَّ هناك هجومًا واسعًا على أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالميراث، وبالعلاقات الزوجية بالمعنى الجنسي، سواء بسوء فهم لغياب الصورة الصحيحة عن الحركات النسوية ودُعاة حقوق المرأة، أو بسوء نِيِّة؛ فهم يستهدفون بالفعل هدم أركان هذا الدين، وبُنيته القيمية والأخلاقية، وبُنيته الاجتماعية في المجال التطبيقي.

وتطرح هذه الأوساط ذلك بالفعل في قالبٍ برَّاق، يستهدف بشكل ذكي -بمعنى أنَّه فعَّال- عقل المرأة وضميرها، بالذات في المجتمعات التي تُعاني فيها من الكثير من الإساءات والانتهاكات، وللأسف؛ فإنَّ هؤلاء يستندون في مساعيهم السوداء هذه إلى أحوال اجتماعية واقتصادية شديدة السوء تعيشها المرأة في المجتمعات العربية والمسلمة، نتيجة أخطاء فهم للشريعة وأحكامها، ونتيجة لخلط أحكام الدين وتصوراته مع العادات والتقاليد القديمة التي لا تمُت للدين بصِلَة.

فبينما نجد أنَّ المرأة قد تولَّت مهامًا عظيمة مثل القضاء والجهاد، وكانت تتعلم وتعلِّم الآخرين في عصر النبوة والصدر الأول للإسلام، نقف أمام مجتمعات محلية وربما مَدينية كذلك في البلدان العربية والمسلمة، تحرِّم عمل وتعليم المرأة تحريم الخروج عن العقيدة، ويقولون إنَّ هذا هو الإسلام.

بكل تأكيد فإنَّ التعامل مع هكذا أوضاع، هو بحاجةٍ إلى تحرُّك في أكثر من اتجاهِ، من بينها تصحيح المفاهيم أمام الآخر، وكذلك تصحيحها لدى المسلمين، بالذات في المجتمعات المحلية التي تلتزم بالإسلام عقيدةً، لكنَّها في التطبيق، تربطه أو تخلِط بينه وبين بالعادات والتقاليد.

كذلك نحن بحاجةٍ إلى تبيان خصوصية النموذج الإسلامي للحياة، وتصوراته لكل شيء، وأنَّ ذلك من حق المسلمين ، كما هو مِن حق أية مجموعةٍ بشرية أخرى أنْ تعيش وفق تصوراتها التي تمليها عليها عقيدتها أو فلسفتها في الحياة.

وهذا الأمر يتعلق - في الأساس - بحالات الميراث التي فيها فوارق بين أنصِبَة المرأة والرجل، وأنَّ الزواج هو الإطار اللازم والوحيد لممارسة التواصل الجسدي بين الذكر والأنثى، ومسألة ختان الإناث بالصورة السليمة التي حددها الشرح النبوي في هذا الأمر لا كما يُمارَس بالفعل.

وهناك بالفعل جهودٌ مبذولة في كل هذه الاتجاهات، إلا أنَّ التجربة أثبتت أنَّ التحرُّك في مثل هذه المسارات، لا يمكن بحالٍ من الأحوال أنْ يكون ناجحًا من دون العنصر النسوي؛ أنْ تكون هناك ناشطات مسلمات.

وفي بعض المجتمعات العربية والمسلمة، هناك أمور في اتجاهات ومجالات أخرى، أثبتت أنَّه لا يمكن تحقيق أي نجاحٍ في بعض الأمور من دون العنصر النسائي الواعي، الذي يقدم التوعية في الأوساط المسلمة، والتصحيح والدفاع عن مبادئ الإسلام أمام الأوساط الأخرى غير المسلمة.

ففي مصر وباكستان، باعتبارهما من البلدان الأكبر في العالم العربي والإسلامي، على الأقل لجهة عدد السكان المسلمين فيها، فإنَّ الكثير من حملات التوعية في المجال الصحي، لم تكُن لتنجح من دون مشاركة العنصر النسائي، بل إنَّها قامت على العنصر النسائي بالكامل.

إلا أنَّ هناك الكثير من الأمور المهم أنْ تتوافر لقيام وإنجاح هذه التجربة، مثل أنْ تلتزم الناشطة النسوية المسلمة بالأحكام الفقهية، وتبيانها في المذاهب الإسلامية المختلفة المعترَف بها، من دون الانزلاق إلى أنْ تكون ممثِّلة لجماعة أو لطائفة بعينها ؛ لأنَّ ذلك من شأنه إدخال الخلافات والأزمات السياسية القائمة بين المسلمين –للأسف– حكوماتٍ وجماعات وحركات، وكذلك طوائف، في واجهة الصورة، مما يفُتُّ في عضد الفاعلية المطلوبة.

وذلك – بطبيعة الحال – بحاجة إلى خطة إعلامية، وأخرى في مجال التنمية البشرية، تتشارك فيها المؤسسات الدينية والمحاضن التربوية المختلفة في عالمنا العربي والإسلامي، وكذلك –وهي مساحةٌ مهمة مفقودة بالنسبة للوجود النسوي المسلم بشكل عام– مجتمعات اللجوء والمهاجر.

وبرغم أنَّ الأمر يبدو صعبًا، ويتطلَّب الكثير من الجهد لتحويل التجارب الفردية الموجودة بالفعل في هذا المجال إلى حركة نسوية مسلمة بالمعنى المعروف، لكنَّ أهميته تقتضي البدء في العمل، والمراكمة مع الزمن كفيلة بتحقيق النجاح والأثر المنشودَيْن.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

العوامل العشر لبقاء الدين الإسلامي

إن الله تعالى قد أرسل رسوله محمد ﷺ للناس كافة، وجعل شريعته هي الشريعة الخاتمة، …