النذارة والبشارة في سورة يونس

الرئيسية » بأقلامكم » النذارة والبشارة في سورة يونس
quran19

إن دين الله الذي لأجله أنزل الكتب وأرسل الرسل، جاء ليجمع في منهجه بين الترغيب والترهيب والبشارة والنذارة، ولعلك تلمح ذلك حين تقرأ فواتح سورة يونس (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ).

إذن هما طريقان لا ثالث لهما النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين.

ولا شك أن النذارة والبشارة كانت منهج الأنبياء والرسل في دعوتهم لأقوامهم، فها هي سورة يونس تقص علينا خبر نوح عليه السلام مع قومه: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) البشارة بنجاة المؤمنين والنذارة بهلاك المكذبين.

ولعلنا نتكلم عن أمثلةٍ من النذارة والبشارة والتي جاءت مستطردة في سورة يونس :

فمن النذارة في سورة يونس التحذير من أصنافٍ من الناس وأنواعٍ من الزلاّت التي يجب على المؤمن أن يحذر منها ولا ينزلق إليها، كي لا ينتهي الى المآلات الوخيمة والخاسرة لأصحابها.

فنجد السورة تحذرنا من أولئك الغافلين الذين اطمانوا إلى الحياة الدنيا وانشغلوا بها عن الحقيقة الكبرى التي لأجلها كان وجودهم في هذه الحياة، وهم في غفلتهم هذه يعرضون عن آيات الله ولا يحبون سماعها بل حتى إنهم يكرهون ذكر الآخرة التي نسوها بسبب تعلّقهم بالدنيا وملذاتها ولذلك هم لا يرجون لقاء الله (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ثم يكون الجزاء وسوء العاقبة (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

وتحذرنا السورة كذلك من صفات أولئك المستكبرين المستهزئين، الذين لا يؤمنون ولو رأوا كل المعجزات الماديّة والآيات الحسية، وهم يجادلون لا ليؤمنوا أو ليصلوا إلى الحق بل لمجرد الجدال والتعجيز كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) وقد جاءت البيّنات لهؤلاء على يد أنبيائهم ولم يؤمنوا (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) بل إنهم يبالغون في الجدال والمراء فيطلبون قرءانا جديدا غير هذا القرآن (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ).

وتأمّل وصف الله لهم (لا يرجون لقاءنا) وقد تكرر هذا الوصف مرارا في هذه السورة وهو منهج أصيل في ردْع الإنسان عن كل زلل و خطأ، لأن هؤلاء لو خافوا لقاء الله لما كفروا وجادلوا في الحق، لكنهم في حقيقة أنفسهم مجرمون لا يريدون اتباع الحق، يكذّبون بآيات الله ويفترون على الله الكذب (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) وتجد في نهايات الأيات سوء العاقبة (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) وقوله (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ).

وتحذرنا السورة كذلك من أولئك الذين تتبدّل مواقفهم مع تغّير أحوالهم بين الرخاء والشدة فإذا أصابتهم السراء كانوا في فرح وإقبال، واذا أصابتهم الضراء نسوا ما كانوا فيه من نعمة الله، ينكرون المعروف ويسارعون إلى المكر والإعراض عن الله، والبغي في الأرض، وقد ذكر الله حالهم هذا في أكثر من موضع في السورة منها (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقوله (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا) وقوله (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) وتأتي النذارة بسوء العاقبة لهؤلاء في نهايات الآيات بأنّ الله مطّلع على سرائرهم وأعمالهم وسيجازيهم عليها (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) وقوله (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وتحذرنا السورة من خلق الكذب لاسيما الكذب على الله فهو أعظم الكذب والافتراء، وقد جاء ذكر الكذب على الله في هذه السورة في أكثر من موضع منها (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ومن أعظم الكذب على الله التحليل والتحريم حسب الأهواء وعلى غير ما شرع الله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) ومنها أيضا قوله تعالى (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) وجاءت سوء العاقبة وما ينتظرهم من الجزاء في الأية بعدها (مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) وتؤكد هذه الآية الأخيرة إنهم إنما يكذبون ويفترون من أجل حطام الدنيا ومصالحهم وشهواتهم، وجزاؤهم سيكون العذاب الشديد يوم القيامة.

ومما تميّزت به سورة يونس عن غيرها ورود كلمة (آلْآنَ) مرتين، لتؤكد على فوات الأوان وضياع الفرصة على من لم ينتفع بالأيات ويؤمن بها قبل حلول الأجل أو العذاب، المرة الأولى وهي عامة (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) (إذا ما وقع) أي العذاب فحينها لا ينفع الايمان.

والمرة الثانية وهي خاصة بفرعون، حين أراد أن يؤمن وقد أدركه الغرق فكان الردّ من الله (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ثم يأتي التذكير من الله - في الأية بعدها - بعواقب الأمور وعدم الغفلة كي لا يأتي الوقت الذي لا يجدي فيه الايمان ولا ينفع فيه الندم (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ).

وأما البشارة في سورة يونس فقد جاءت البشرى في مواضع كثيرة من السورة، فهي تبدأ في أول آياتها بالبشرى للمؤمنين بما ينتظرهم عند الله من الثواب والأجر الكريم (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) وهذا الثواب هو الجنة والزيادة عليه هو النظر إلى وجه الله الكريم كما قال الله في هذه السة (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وأي ثواب أعظم وأكرم من ذلك.

وفي السورة أيضا البشرى لأولياء الله (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وبيّـنت الأية أن تحقّـق الولاية وثمراتها مربوط بشرطين الايمان والتقوى : (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ).

ثم تأتي آيات سورة يونس بالبشرى بالنجاة من العذاب لمن آمن واستقام على طريق الحق، لا سيما في ذكر قوم يونس – عليه السلام - التي سميت السورة باسمه (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) وهذه قاعدة مطّردة مع كل الرسل والدعاة إلى يوم القيامة (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ).

ثم يأتي خير ختام للسورة ليذكر بمسؤلية الاختيار بين طريق النذارة وطريق البشارة، وتحمّل ما يترتب على هذا الاختيار من عواقب (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ).

وتأتي الأوامر تباعا في نهاية السورة ترسم لك الطريق لتكون من أهل البشارة (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقوله (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي استقم على الطريق القويم، ولا تذهب عنه يمنة أو يسرة فلن ينفعك أو يضرك أحد من دون الله، ولا بد من الصبر بعد الاتباع فكان الختام في أخر آية في السورة (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).

جعلنا الله وإياكم من اهل البشارة الفائزين.اللهم آمين

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الإنسان الحضاري …. في سورة القلم

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) القلم.. وما يكتب القلم.. بذلك يقسم الله تبارك وتعالى في مطلع …