الهِدَاية والإيمان والحُرِّيَّة.. حول مفاهيم الظلمات والنور في القرآن الكريم

الرئيسية » بصائر الفكر » الهِدَاية والإيمان والحُرِّيَّة.. حول مفاهيم الظلمات والنور في القرآن الكريم
Quran1819

من واجبات المسلمين المنسية عند غالبيتهم لعظيم الأسف، التدبُّر في القرآن الكريم ومعانيه؛ فقد باتت علاقة المسلم بكتاب ربِّه –إنْ كانت لا تزال بينه وبين القرآن علاقة– تقف عند حد مفهوم "المُتَعبَّد بتلاوته" وهو أمر مهمٌّ بطبيعة الحال أنْ نتلو القرآن الكريم، ونتعبَّد به، ولكنَّها –هذه العلاقة– لا تتعدى ذلك إلى الأفق الأهم والأعظم لعلاقتنا بالقرآن، وهو الفهم والتدبُّر والوعي بما فيه، والعمل على تطبيقه في حياتنا.

والمتأمِّل في القرآن الكريم، يجد فيه الكثير من أوجُه التدبُّر، سواء على مستوى القَصَص، أو خطاب الوَعظ والإرشاد الأخلاقي والسلوكي، وغير ذلك.

ومن بين أوجُه التأمُّل والبحث في كتاب اللهِ، النَّظر في المفاهيم القرآنية التي تتكرَّر في الكثير من الآيات، مثل "التدافُع"، و"الخبيث والطيب"، و"الفحشاء والمنكر"، وتحمل في كل آيةٍ وموضِع ذُكِرَتْ فيه، الكثير من الدلالات والمعاني الواجب الانتباه لها.

ومن بين هذه المفاهيم، والتي ربط القرآن الكريم ببعضها البعض ربطًا موضوعيًّا لتحقيق الأثر، وإيصال الفهم من خلال التضاد - وهي واحدةٌ من جماليات البلاغة في القرآن الكريم - أو إظهار المعنى بالتضاد، مصطلحا "الظلمات" و"النور".

بدايةً، ورد هذان المصطلحان هكذا على الترتيب سواءٌ باتصالٍ، "الظلمات والنور"، أو بتتالٍ منفصل في ذات العبارة، بشكل مقصود، تبعًا لما أراده الله تعالى من معانٍ يوصلها لنا من خلال كتابه العزيز.

وعندما نتأمَّل الآيات التي تتناول قضية الظلمات والنور سوف نقف فيها أمام بعض القضايا المركزية، التي تبرِز لنا حقيقة مهمة متعلقة بوجودنا في هذه الدنيا، والأمور الأهم التي ينبغي أنْ نهتمَّ بها، وعلى رأسها مركزية قضية الإيمان والحرية في حياة الإنسان، وأنَّها الأساس الذي ينبغي أنْ تنهض عليه تصوراتنا عن حياتنا في هذه الدنيا.

فالآيات التي تتناول هذه المفاهيم، تنحو دائمًا إلى الربط بين الظلمات والنور، وبين الإيمان والكفر، وبين الهداية والضلال.

يقول تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]، ويقول عَزَّ وجَلَّ أيضًا: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام:39]، ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:41 - 43].

وهذه الآيات وغيرها واضحة المعاني، وإنْ كان من الواجب الإشارة أيضًا إلى حقيقةٍ مهمَّةٍ في هذه القضية، وهي أنَّ الإيمان والهداية، هي مِنَّةٌ علينا من اللهِ تعالى، ينبغي علينا أنْ نحمدَه ونشكره عليها؛ لأنَّ في ذلك توجيهًا صحيحًا للطريق، وإنقاذًا للإنسان من ذُلِّ الدنيا ومن عذاب الآخرة.

وتبدو هذه المعاني واضحة في آياتٍ كريماتٍ مثل: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، ومثل قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

وهو فهمٌ واضح كان عند المسلمين الأوائل، فهناك عبارة للصحابي عبد الله بنُ رواحة -رَضِيَ اللهُ عنه- قالها وأقرَّها عليه الرسول الكريم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وقت حفر الخندق، بهذا المعنى، تقول: "والله لولا اللهُ ما اهتدينا ولا صُمنا ولا صَلَّينا فَأَنْزِلَنْ سكينةً علينا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقينا والمشركون قد بَغَوْا علينا إِذَا أَرَادُوا فتنةً أبينا" (أخرجه البُخاري).

ولكن ليس هذا هو كل شيءٍ في هذا الأمر، فالآيات الكريمات التي تتناول الظلمات والنور، نجد فيها أيضًا الإشارة إلى قضية الحرية، وكيف أنَّ هذه القيمة التي مثَّلتْ قيمةً عظمى عند كل الديانات الوضعية والمذاهب الفلسفية البشرية، لا تنفصل عن قضية الإيمان، وأنها متمِّمةٌ له، فلا تكتمل عملية إقامة العقيدة، إلا من خلال الحرية.

في سُورَة "إبراهيم"، يقول اللهُ تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5].

ولتوضيح الفكرة، فإنَّنا نقول إنَّه في ذلك الوقت، كان الإيمان موجودًا في بني إسرائيل، وبالتالي، فإنَّ الظلمات والنور في هذا المَوضِع، تخرج عن قضية الكُفر والضلال، في مقابل الإيمان والهداية إلى آفاق أخرى، متعلقة بقضية الحُرِّيَّة التي لا يكتمل تكليف الإنسان وعبادته إلا بها.

والخروج المقصود في هذه الآية، يشير إلى مَهمَّة نبي اللهِ موسى - عليه السلام - الأساسية، وهي الخروج ببني إسرائيل من مصر.. يقول تعالى: "{َقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 104، 105].

وفي الآية التالية، يوضِّح الحال التي كان عليها بني إسرائيل تحت حكم فرعون، وفرضتْ عليهم الفرار بدينهم وأنفسِهم.. يقول اللهُ تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [إبراهيم: 6].

وهذه بديهية شرعية وفقهية؛ فإنَّه من القواعد الكُلِّيَّة المعروفة في الفقه الإسلامي، أنَّ العقل والبلوغ هما مناطا التكليف، والحرية قد تؤثر في بعض التكليفات، ففي التراث الفقهي الإسلامي، نجد أنَّ تكاليف الحُر تختلف عن تكاليف غير الحُر أو ناقص الأهلية، مثل الأسرى، أو الرقيق، وغيرها من الفئات.

وكذلك فإنَّ هناك مدرسة واسعة الانتشار في الفقه الإسلامي، تربط بين مسألة الخروج على الحاكم الظالم، وبين تقييده لحرية العبادة؛ فتظل له الطاعة، حتى يعيق الناس عن أداء الصلوات المفروضة ويمنع رفع الأذان، وهذه الأمور الأهم في حياة كل مسلمٍ، هنا يكون الخروج عليه مشروعًا.

وهذه بدورها تؤكِّد على أهمية ومركزية العبادات المفروضة التي قد يستخفَّ بها البعض. فالمدرسة الفقهية التي تمنع الخروج على الحاكم الظالم، تحتجُّ بقضية حفظ العمران والدماء والأعراض، وحفظ النفس ومقاصد الشريعة من أيِّ عنف أو صِدَامات سوف تحدث مع الحاكم الظالم وجُنده ومؤيديه.

ولكن هذا كله يتراجع عند هذه المدرسة التي تلقى في عصرنا الحالي انتقادات ومراجعات، إذا ما اتصل الأمر بمنع العبادة، وخصوصًا الصلوات المفروضة.

وهذا واضح كذلك في الرواية القرآنية الصحيحة لقصة نبي اللهِ موسى ومرحلة مصر من تاريخ بني إسرائيل؛ فظلم فرعون واستعباده لهم، كان جزءًا منه منعه لهم من أداء شعائرهم.

ففي سُورَة "يونُس"، يقول اللهُ عزَّ وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87]، ويقول مُفسِّرون عن هذه الآية، إنَّ المقصود بعبارة "وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ"، إنَّ اللهَ تعالى دعا بني إسرائيل إلى أنْ يتعبَّدوه في بيوتهم، وليس في معابدهم، بسبب عنت آل فرعون معهم، ولو كانت العبادة على غير القِبْلة التي أمرهم اللهُ تعالى بعبادته عليها.

وفي الحقيقة، فإنَّ أهمية هذه الآيات، في أنَّها تجعلنا أكثر فهمًا لحقيقة وجودنا في هذه الدنيا، وأهمية قيم الإيمان وإفراد العبادة لله وإقامة عقيدته، وأنَّ كل ذلك على قيمته العظمى، لا يمكن أنْ يتحقَّق إلا بحرية الإنسان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

جدل تصريحات آمنة نصير وقضايا نساء أقلِّيَّاتنا المسلمة المتوارية!

تشهد ساحات الإعلام والإفتاء في مصر والعالم العربي هذه الأيام، ولاسيما منصَّات التواصل الاجتماعي، الكثير …