“لأنَّهما عَرَبيَّتان مُحَجَّبتَان”.. حصاد سياسات العنصرية والكراهية في فرنسا!

الرئيسية » بصائر الفكر » “لأنَّهما عَرَبيَّتان مُحَجَّبتَان”.. حصاد سياسات العنصرية والكراهية في فرنسا!
1229166711

يوم العشرين من أكتوبر، شهدت المنطقة المحيطة ببرج "إيفل"، أشهر معالم العاصمة الفرنسية، باريس، ورمز فرنسا "التنويرية" الأهم، جريمة عنصرية؛ حيث قام بعض الأشخاص بطعن سيدتَيْن مسلمتَيْن محجبتَيْن من أصلٍ جزائري، وتوجيه سباب عنصري لهما بسبب سمتهما العربي، مع دعوات بطردهما من فرنسا.

وقبل التطرُّق إلى دلالات هذه الجريمة، ومناقشتها، فإنَّه مِن المهم أنْ نشير إلى حالة النفاق التي بات عليها الضمير الإنساني، ويمكن التأكُّد من ذلك بمنتهى السهولة بالمقارنة بين ردود الأفعال على مقتل المدرِّس (صموئيل باتي) الذي أساء للرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" تحت زعم حرية التعبير، وبين واقعة طعن السيدتَيْن الجزائريتَيْن؛ حيث لم نجد كل "اسطوانات" التأبين والأسف والشَّجب المعتادة التي رأيناها.

يأتي ذلك، برغم أنَّ كلا الجريمتَيْن عنصري، وكلاهما يحمل ذات الخطر في اتجاهات كثيرة كما سوف نرى، وعلى الأقل، كلاهما يهدد قيم الجمهورية الفرنسية لو أراد السيد ماكرون الدقة والإخلاص فيما يقول ويفعل، لكنه لم يخرج علينا سوى بالنعيب ضد الإسلام والمسلمين، والنحيب على قيم الجمهورية الفرنسية.

وهذا حتى قاله الأزهر الشريف بوضوح في تعقيبه على الواقعة الأخيرة؛ حيث وصف حادثة طعن السيدتَيْن المسلمتَيْن، بالإرهاب البغيض، وانتقد بيان الأزهر الازدواجية في التعامل مع الحوادث الإرهابية طبقًا لديانة الجاني، وقال إن ذلك "أمرٌ مخزٍ ومَعيب، ويخلق جوًّا مِن الاحتقان بين أتباع الديانات".

انتقد بيان الأزهر الازدواجية في التعامل مع الحوادث الإرهابية طبقًا لديانة الجاني، وقال إن ذلك "أمرٌ مخزٍ ومَعيب، ويخلق جوًّا مِن الاحتقان بين أتباع الديانات"

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ هناك الكثير من الأمور الواجب مناقشتها فيما يجري في #فرنسا هذه الأيام، بعد تصعيد السلطات الفرنسية لحملاتها على المؤسسات الإسلامية والمساجد، بالغلق والترحيل والاتهام بالإرهاب وغير ذلك، على خلفية التحقيقات في مقتل (باتي).

ولكن أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها بجانب النقطة المشار إليها في صدد التمييز الحاصل في التناول الإعلامي والسياسي لمثل هذه النوعية من الجرائم، هي تصعيد خطاب الكراهية والعنصرية بسبب ممارسات الساسة المنتمين إلى التيارات المحافِظة والشعبوية، أو السَّاسة الفَشَلة الباحثين عن شمَّاعات يُعَلِّقون عليها فشلهم.

وأول ما يجب تفنيده في هذا الموضِع من الحديث، هو مزاعم البعض عن أنَّ جريمة مقتل صموئيل باتي – هي جريمة من وجهة نظرنا كمسلمين ولكن ليس المجال مناقشة أدلَّة ذلك هنا – نقول إنَّ أوَّل ما ينبغي تفنيده الآن، هو القول بأنَّ واقعة طعن هاتَيْن السيدتَيْن، إنَّما هو بسبب ممارسات المسلمين، وموضوع باتي.

فمع الاعتراف الكامل – وكتبنا عنه كثيرًا قبلاً – بالمشكلات القائمة في العقل الجمعي المسلم، وفي العمل الدعوي والإسلامي العام بمختلف اتجاهاته، مما أفرز المبررات التي استغلتها دوائر العنصرية ونشر الكراهية في أوروبا؛ فإنَّه واقعة طعن السيدتَيْن الجزائريتَيْن المسلمتَيْن، ليست الأولى من نوعها؛ فتصاعُد جرائم الإسلاموفوبيا في أوروبا، والتي تبدأ بجذب حجاب المسلمات، وصولاً إلى القتل وحرق المساجد وتدنيس المقابر؛ بات أمرًا معروفًا.

وجرائم الإسلاموفوبيا تسبق كثيرًا زمنيًّا حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وسلسلة من التفجيرات والعمليات الإرهابية التي شهدتها أوروبا بعدها ، مثل تفجيرات مدريد ولندن، وبالتالي، فهي حتى تسبق سلسلة العمليات التي تشهدها فرنسا منذ 2015م على خلفية عملية احتجاز رهائن وقتل بعضهم في جريدة "تشارلي إيبدو"، بسبب أيضًا الرسومات المسيئة للرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

فجذر الأمر، هو انتباه بعض الأوساط السياسية والاجتماعية في الغرب لأثر تزايد عدد المسلمين هناك، و"خطر" ذلك على هوية هذه المجتمعات.

وفاقم من هذه المسألة، وحوَّلها بالفعل إلى مخاوف حقيقية، مشكلة ما تصفه بعض الأوساط الأوروبية بـ"الانعزالية الإسلامية"، وسبق أنْ ناقشنا بعض أسبابها ومظاهرها في مقالٍ سابق بعنوان "أزمات ماكرون وأزمات المسلمين".

ويبدو ذلك جليًّا في الوثيقة المهمة بالفعل مهما كان موقفنا مما فيها، التي وضعها (برينتون تارانت)، ذلك المجرم الذي نفَّذ مذبحة المسجدَيْن في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية في مارس 2019م، على حسابه على موقع "فيسبوك"، قبل تنفيذه لجريمته؛ حيث حَوَت هذه الوثيقة عرضًا وافيًا لما يمكن أنْ نطلقَ عليه حالةً من الوجدان الجمعي عند شرائح واسعة من المُكوِّن الأبيض لهذه المجتمعات، تجاه المهاجرين العرب والمسلمين.

بل إنَّ البعض يرى أنَّ الكثير من الجرائم الإرهابية التي تُنسَب لمسلمين في أوروبا، إنَّما هي من ترتيب أجهزة مخابرات أو على أقل تقدير دوائر سياسية ومجتمعية نافذة في مؤسسات الدولة في هذه البقاع من العالم، من أجل توريط بعض المسلمين في أفعال تجلب عليهم سَخَط هذه المجتمعات، من أجل تقييد وجودهم فيها، وعودة المهاجرين منهم إلى بلادهم مرَّة أخرى.

يرى البعض أنَّ الكثير من الجرائم الإرهابية التي تُنسَب لمسلمين في أوروبا، إنَّما هي من ترتيب أجهزة مخابرات أو على أقل تقدير دوائر سياسية ومجتمعية نافذة في مؤسسات الدولة في هذه البقاع من العالم، من أجل توريط بعض المسلمين في أفعال تجلب عليهم سَخَط هذه المجتمعات

هو – إِذَن – شاء البعض أم أبى؛ قضية هوية ومشكلة عميقة تحوي بذور قذرة من العنصرية والكراهية وسواد القلب مما يجافي الفطرة الإنسانية السليمة.

وبالتركيز على خطاب الرئيس الفرنسي -إيمانويل ماكرون- فإنَّنا نقف على جوانب خطر وتأثيرات سلبية للغاية، يتحمَّل هو "التنويري" "المدافِع عن حقوق الإنسان وقيم العلمانية"، مسؤوليتها.

من بينها، أنَّ ماكرون قد أعاد إلى الوراء جهود سنوات طويلة من التعاون بين الأزهر الشريف ومؤسسات إسلامية أخرى مع الكنيسة الكاثوليكية التي تنتمي إليها فرنسا، وتمخَّضت عن وثيقة الأخوة الإنسانية التي يدعمها الأزهر الشريف، وجاءت في سياق ملابسات حروب وأزمات مدمِّرة في الشرق الأوسط، لبعضها أبعادٌ طائفية، وارتبطت بقضية الإرهاب والعنصرية على أساس ديني في أوروبا والرابط بالطبع، موجات المهاجرين مِن مناطق الحروب والأزمات في العالم العربي والإسلامي.

كذلك فإنَّ البُعد الديني الظاهر للخطاب العدائي لماكرون تجاه الإسلام والمسلمين، بالتأكيد سوف يكون له انعكاسات على الأوضاع الداخلية في البلدان العربية والشرق أوسطية التي بها مجموعات مسيحية ، مثل مصر والأردن ولبنان، وحتى لو استطاعت الدولة الحاضرة بقوة، في حالة مصر والأردن، السيطرة على أي عمل من شأنه تكدير السلم الأهلي أو حدوث صِدَامات طائفية؛ فإنَّ الأثر النفسي الداخلي عند الفرد والجماعة من أتباع الديانات المختلفة، مسلمين أو مسيحيين، سوف يبقى.

ونعيد هنا التذكير بقضية مهمة، وهي أنَّ الجذر الأساسي الذي يطرحه ماكرون لخطابه العدائي المُبَالَغ فيه هذا، والذي كان جزءًا أساسيًّا من جريمة برج إيفل الأخيرة بحق السيدتَيْن المسلمتَيْن، وهو "الانعزالية الإسلامية"، هو جزء من مسؤوليات الدولة الفرنسية التي يقودها هو.

وفي المقال السابق عن أزمات ماكرون وأزمات المسلمين، قلنا إنَّ الدمج هو من مسؤوليات الدولة الرشيدة بالمعايير الغربية للحكم الرشيد، ويبدو الفارق واضحًا بين سياسات حكومات بلدان مثل ألمانيا، وحتى سويسرا الفرانكفونية مثل فرنسا، في هذه القضية.
ومؤخرًا، نشرت وكالة "سويس إنفو" (Swiss Info) السويسرية، تقريرًا مُطوَّلاً بعنوان "فرنسا قلقة بسبب "الانعزالية الإسلامية".. فما هو الوضع في سويسرا؟"، عابت فيه على ماكرون والسياسات الفرنسية بشكلٍ عام فيما يتعلق بهذه القضية، ووجدت أنَّ هذه السياسات أحد أسباب الأزمة، ولا تقود إلى تهدئةٍ أو حلولٍ، وقارنت بين ما يتم في ألمانيا وسويسرا وبلدانٍ أوروبية أخرى تجاه هذه المشكلة المزمنة، ولاسيما على مستوى تقنين أوضاع المؤسسات الإسلامية، ودور المؤسسات الدينية بشكل عام في توطيد قيم العيش المشترك، وبين ما يحدث في فرنسا.

الوكالة السويسرية نقلت توصيفًا دقيقًا للمشكلة في فرنسا، ورؤية ماكرون في صددها، بأنَّها "تشخيص خاطئ لمشكلةٍ مُعقّدة"، ولفتت الانتباه إلى أنَّ فرنسا سوف تكون هي أوَّل مَن سوف يدفع ثمن ذلك، لأنَّه – ببساطة – الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا بعد المسيحية الكاثوليكية.

التقرير نَقَل عن الدكتور رضا بن كيران، المُدرِّس بجامعة "فرايبورج" الألمانية، والمتخصص في قضايا العلمانية والمواطنة والحداثة في المجال الإسلامي، قوله إنَّ سياسات ماكرون فاشلة من قبل أنْ تبدأ، لأنَّه قد تم تجريبها بالفعل وقت وزير الداخلية الأسبق شارل باسكوا، والرئيس السابق نيكولا ساركوزي، ولم تحقق أية نتيجة أو تحل أيَّة مشكلة.

وفي الأخير؛ فإنَّ الدماء التي سالت أسفل برج إيفل قبل أيام، هي أهم مظاهر فشل وخطورة سياسات ماكرون على فرنسا نفسها ، مما يثبت صحَّة هذا الحديث، ولكن هذا لا ينبغي أنْ يضع ضبابًا أو تشويشًا على أولويات كثيرة مطلوبة من العاملين في حقوق العمل الدعوي والإسلامي بشكل عام، فيما يتعلق بما هو يرتبط بالمسلمين من هذه الأمور كافة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

صناعة الحدث والتغيير .. بين المسؤولية والاختصاص!

تواجه أمتنا في هذه الأوقات حرباً ضروساً من جميع الجهات، فلا تكاد تجد جانباً من …