هل الإسلام يمر فِعلاً بأزمة كما يزعم ماكرون!!

الرئيسية » بصائر الفكر » هل الإسلام يمر فِعلاً بأزمة كما يزعم ماكرون!!
unnamed

"هذا دين رفيع.. لا يُعرض عنه إلا مطموس. ولا يعيبه إلا منكوس، ولا يحاربه إلا موكوس" الأستاذ سيد قطب رحمه الله.

في يوم الجمعة الموافق 2 أكتوبر 2020م خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليصرح للعالم كله، ومن القلب منه ما يقرب من 2 مليار مسلم، قائلاً: (الدين الإسلامي يمر اليوم بأزمة في كل أنحاء العالم)، ليس هذا فحسب، بل وأكد أن فرنسا ستعمل على (مكافحة الانفصالية الإسلامية التي تهدف إلى تأسيس مجتمع مضاد).

كما قدم ماكرون خطة لمحاربة ما أسماه "الإسلام المتطرف"، مؤكداً أن الدولة ستعزز الرقابة على الجمعيات، وستحظر التعليم في المنزل، إلا لأسباب صحية، كما ستعمل على تدريب الأئمة، الذين يعملون في فرنسا.

وأقر ماكرون أن فرنسا تخاذلت وتعاملت بطريقة غير مناسبة مع المهاجرين مما أدى إلى ظهور التطرف الذي استفاد من غياب الدولة.
وقال ماكرون: "سيكون هناك مشروع قانون، بعد 115 عاما على إقرار قانون 1905 (قانون فصل الكنيسة عن الدولة)، وسيهدف إلى تعزيز العلمانية وترسيخ مبادئ الجمهورية".

وأعلن ماكرون عن تخصيص مبلغ 10 مليون يورو لـ "مؤسسة إسلام فرنسا"، كما أعلن عن خلق معهد علمي للدراسات الإسلامية، وطلب من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إعداد ميثاق خلال الأشهر الستة المقبلة حيث يكون عدم احترام هذا الميثاق حافزا لاستدعاء الأئمة المخالفين.

إلى غير ذلك من التصريحات والتهديدات والتحذيرات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على عودة قضية الإسلام فوبيا إلى السطح مُجدداً، وتقنين مُعاداة المجتمع الفرنسي للمسلمين الذين يقدَّر عددهم بأكثر من خمسة ملايين مسلم من إجمالي سكان فرنسا الذي يبلغ تعداد سكانها 67 مليون نسمة، أي أن عدد السكان المسلمين في فرنسا يشكل 7.5% من إجمالي عدد السكان، فالإسلام هو الدين الثاني للبلاد بعد المسيحيين الكاثوليك.

إن تصريح ماكرون إنما أراد به أن يختزل التوتر الموجود في فرنسا بأن سببه هو تنامي الإسلام السياسي هناك، ليحوِّل بوصلة المواجهة والاتهام إلى الإسلاميين بدلاً من توجيها إلى ماكرون وحكومته، ولكن، هل الشعب الفرنسي بالسذاجة التي تجعله يبتلع هذا الطعم!

إن ماكرون ما تجرأ على أن يقول قولته هذه ضد الإسلام إلا بعد تأكده أن قادة الدول العربية والإسلامية قد نجحوا في تكبيل وتغييب علماء الإسلام الثقات، وتدجين علماء السلطان لدرجة الانبطاح.

إن ماكرون ما تجرأ على أن يقول قولته هذه ضد الإسلام إلا بعد تأكده أن قادة الدول العربية والإسلامية قد نجحوا في تكبيل وتغييب علماء الإسلام الثقات، وتدجين علماء السلطان لدرجة الانبطاح

إن ماكرون لو تأكد أن الإسلام يمر بأزمة كما يدعي ما شغل نفسه به، وما تطاول عليه، ولكنه الزعر والهلع الذي يصيب أعداء الإسلام من مجرد ذكر اسم الإسلام، ليقينهم أن المستقبل للإسلام شاء من شاء وأبى من أبى.

أولاً: نماذج من ردود الأفعال على تصريحات ماكرون المعادية للإسلام

ما إن انتهى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من نفث سمِّه الزعاف ضد الإسلام والمسلمين حتى انبرت أقلام رموز الأمة الإسلامية المخلصين وعلمائها الثقات للرد على كلامه بحقائق لا ينكرها إلا جاحد ولا يشكك في صحتها إلا مطموس البصر عديم البصيرة.

1- مقتطفات من رد الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القرة داغي أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون.

لقد كان رد القرة داغي من أقوى الردود وأكثرها إفحاماً لتنطع ماكرون وتهافته، بل وتفاهته، ومما جاء في رد القرة داغي، قوله:-

- "السيد الرئيس لا تقلق على ديننا فهو لم يعتمد في يوم من الأيام على دعم سلطة ولا رفع سيفاً في وجه من عارضه ليفرض رايته".

- "الإسلام هو الحضور المستمر للعقل والبرهان وحماية الإنسان".

- " الإسلام حيث تكون الحرية تجده في خير، وحيث يكون الاضطهاد ينبت رغم أنف المستبدين   ".

- "لا يمر ديننا بأزمة ولن يمر فليس الإسلام صناعة بشرية كي نخاف الضمور والكساد، هو إسلام وكفى يتنفس رغم مكائد الآخرين، ورغم الإسلام فوبيا لسنا في خوف على ديننا ولا نحتاج يا سيادة الرئيس لمن يبصرنا بوجود أزمة".

- ومن العبارات اللاذعة التي وردت في رد القرة داغي قوله: "نحن نشفق على حاكم ما زال يعيش أزمة وشبح حروب دينية، يعيش في قرونها الوسطى ونحن في القرن الحادي والعشرين".

- وقوله: "السيد الرئيس ماكرون: أنتم في أزمة، أزمة انتكاس أخلاقي وإنساني وسياسي، و لا يتحمل الإسلام وزر قيادات كرتونية مزيفة صنعت الأزمات برعاية منكم   ".

2- مقتطفات من رد مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف

- إن ماكرون وجه اتهامات باطلة للإسلام لا علاقة لها بصحيح الدين، الذي تدعو شريعته للسماحة والسلام بين جميع البشر، حتى من لا يؤمنون به.

- تصريحات الرئيس الفرنسي تنسف كل الجهود المشتركة للقضاء على العنصرية والتنمر ضد الأديان، وأن تصريحات عنصرية مثل هذه من شأنها أن تؤجج مشاعر ملياري مسلم.

- إن قول ماكرون بأن بلاده ستتصدى لـ "الانعزالية الإسلامية" خلط مَعيب بين حقيقة ما تدعو إليه الأديان من دعوة للتقارب بين البشر وعمارة الأرض وبين استغلال البعض لنصوص هذه الأديان وتوظيفها لتحقيق أغراض هابطة.

3- رد الدكتور محمد المختار الشنقيطي

لو كان الإسلام في أزمة يا ماكرون‬ لما كان أسرع الأديان انتشاراً في فرنسا‬ والغرب   ، ولما كنتم تخوضون حرباً ضده، وتسعوْن بكل وسيلة لمنع وصوله إلى قلوب الشعوب. أنتم الذين تعيشون أزمة وإفلاساً دينياً وإنسانياً. فانظروا إلى وجوهكم القاتمة في المرآة قبل الحديث عن الإسلام. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ثانياً: فرنسا من الداخل

كما قال القرة داغي في رده على ماكرون فإن فرنسا تعيش في أزمة انتكاس أخلاقي وإنساني وسياسي.

ذكرت صحيفة "فرانس 24" الصادرة بتاريخ 25 نوفمبر 2019 م أن "مارلين شيابا" الكاتبة الفرنسية المكلفة بالمساواة بين الرجال والنساء كشفت بأن هناك امرأة تتعرض للاغتصاب كل سبعة دقائق في فرنسا.

وأضافت الصحيفة أنه في اليوم العالمي لمحاربة العنف ضد النساء تم تنظيم عدة مسيرات بفرنسا للتنديد بالعنف الممارس ضد النساء، وذكرت الصحيفة أن هذا العنف يتمثل في

- عنف الأزواج (الضرب، الإساءة النفسية، الاغتصاب الزوجي، قتل النساء).

- التحرش الجنسي والاغتصاب (الأفعال الجنسية القسرية، الاعتداء الجنسي على الأطفال، الزواج القسري، التحرش في الشوارع، الملاحقة، المضايقة الإلكترونية).

- الاتجار بالبشر (العبودية والاستغلال الجنسي، زواج الأطفال).

وحسب ما ورد في الصحيفة ذاتها فإن الإحصاءات التي نشرتها وزارة الداخلية الفرنسية تشير إلى مقتل 128 امرأة في 2018م جرَّاء عنف أزواجهن أو رفاقهن. هذا العدد ارتفع إلى 136 امرأة في 2019م حسب عدة جمعيات مدافعة عن حقوق النساء. فيما تتعرض سنويا أكثر من 200 ألف امرأة فرنسية إلى مضايقات جنسية، ويتم اغتصاب امرأة كل سبع دقائق حسب مجلة "مادموزيل" (الآنسة) الفرنسية.

وذكرت صحيفة "BBC news" الصادرة بتاريخ 23 فبراير 2018م بأنه حسب إحصائيات حديثة في فرنسا فإن نحو 4 ملايين امرأة - أي ما يعادل 12 % من النساء في البلد - تعرضن للاغتصاب مرة واحدة على الأقل في حياتهن  .

وحسب الصحيفة ذاتها فإن هناك إحصائية أجراها "مركز بحوث جان جوريه" في باريس بيَّنت أن 43 % من النساء قد تعرَّضن للمس بغرض جنسي.

والغريب في الأمر -حسب ما ذكرت الصحيفة- أن 100 امرأة فرنسية كتبن رسالة مفتوحة دافعن فيها عن "حق الرجال في مغازلة النساء" واعتبرن أن مناهضة الدولة والجمعيات النسائية لذلك يعد نزعة من نزعات التزمّت، حسب رؤيتهن.

يذكر أن سن الموافقة على الممارسة الجنسية في فرنسا هو 15 عاماً. وتتطلب الإدانة بالاغتصاب إثبات أن العملية الجنسية حدثت دون رغبة أحد الطرفين.

ومن بين التدابير التي اتخذتها فرنسا لحماية النساء ضد الاضطهاد بصوره المختلفة أن رئيس الوزراء الفرنسي أعلن عن استحداث 250 موقعاً للإيواء في حالات الطوارئ للنساء الهاربات من العنف الأسري اعتباراً من مطلع 2020، و750 موقعاً آخر مخصصاً لإعادة الإيواء المؤقت، وهو تدبير قدرت تكلفته بخمسة ملايين يورو.

وحسب الإحصائية التي أصدرها مؤخراً المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، فإن عدد المواليد في فرنسا في تراجع مستمر وأن الزيادة في عدد السكان في فرنسا تتعلق بالمهاجرين  .

وفسر الباحثون ذلك التراجع في المواليد إلى عوامل عدة، أبرزها انخفاض معدلات الزواج في فرنسا، ففي عام 2019 تزوج نحو 227 ألفا، بينهم 6 آلاف حالة زواج للشواذ.

ومن ناحية أخرى، ارتفع عدد ما يسمى بـ"الشراكة المدنية" في فرنسا، وهي ظاهرة جديدة لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات بدلاً من الزواج، وينطبق ذلك على الأزواج المثليين الذين تزيد أعمارهم عن 16 عامًا.

إننا نذكر كل هذه الإحصائيات لنثبت أن فرنسا مفخخة من داخلها وأنها تحمل بين ثناياها كثيراً من عوامل سقوطها إما بما فيها من جرائم تهدد بقائها، أو لاتساع الفجوة العمرية بين الأجيال في مقابل تنامي التواجد الإسلامي بها.

ونذكر كل هذه الإحصائيات كذلك لنبصِّر فرنسا وشبيهاتها من الدول بمدى قذارة المستنقع الذي وصلت إليه البشرية في ظل غياب تعاليم الإسلام هناك، ونبتهل إلى الله تعالى أن يُبدد ظلام هؤلاء بشمس الإسلام ونوره عاجلاً غير آجل.

فرنسا مفخخة من داخلها وأنها تحمل بين ثناياها كثيراً من عوامل سقوطها إما بما فيها من جرائم تهدد بقائها، أو لاتساع الفجوة العمرية بين الأجيال في مقابل تنامي التواجد الإسلامي بها

وأخيراً أقول

إن القاسم المشترك بين فرنسا الماضي وفرنسا الحاضر هو الحقد الدفين على الإسلام وأهله   ، حقد مشفوع برعب وهلع من عودة الإسلام إلى سالف عهده.

إن فرنسا وأشياعها وكل من هم على شاكلتهم يعملون جاهدين على استغلال حالة الضعف والتشرذم التي عليها المسلمون من أجل تحقيق هدفهم وهو تأبيد غياب المارد الإسلامي الذي يرعبهم اسمه، والإبقاء على المسلمين كالأيتام على موائد القوى الاستعمارية اللئيمة في ظل غياب دولة قوية تعمل على تطبيق أحكام الإسلام في سياستها الداخلية والخارجية وتنشر عدله في ربوع المعمورة.

إن فرنسا وأشياعها وكل من هم على شاكلتهم يعملون جاهدين على استغلال حالة الضعف والتشرذم التي عليها المسلمون من أجل تحقيق هدفهم وهو تأبيد غياب المارد الإسلامي الذي يرعبهم اسمه

إن فرنسا وأشياعها وكل من هم على شاكلتهم هم أدرى الناس بقوة الإسلام وبأنه ما نزل إلا ليحكم ويسود، وهم أدرى الناس بالمد الإسلامي في بلادهم.

وهم أدرى الناس بأن الدول المناهضة للإسلام تحمل في أحشائها جنيناً إسلامياً وهو مولود لا محالة، وجهودهم كلها ما هي إلا لتأخير لحظة الميلاد المرتقبة  .

وأقول

إن الإسلام يحمل بداخله عوامل قوته وبقائه ونفي الخبث عن نفسه   ، ولو قدَّر للإسلام أن يكون في أزمة فلم تكن هناك أزمة أشد من هجوم القرامطة على بيت الله الحرام وقتل الحجيج وسرقة الحجر الأسود، ولم تكن هناك أزمة أشد من هجوم التتار والصليبيين على ديار الإسلام لاجتثاثه من جذوره، ولم تكن هناك أزمة أشد من محاولات دول الاحتلال الغربي لطمس الهوية الإسلامية من بلاد الإسلام، وفي كل مرة يخرج الإسلام أصلب عوداً وأقوى شكيمة وأكثر أتباعاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

صناعة الحدث والتغيير .. بين المسؤولية والاختصاص!

تواجه أمتنا في هذه الأوقات حرباً ضروساً من جميع الجهات، فلا تكاد تجد جانباً من …