إبداع الخالق وإعراض الخلق …. سورة الملك

الرئيسية » بأقلامكم » إبداع الخالق وإعراض الخلق …. سورة الملك
muslim-quran7-min

تبدأ سورة الملك بالتمجيد والتعظيم لله تبارك وتعالى :" تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

فلا خير يُنال ، ولا بركة تُـقصد إلا من الله الذي له الملك كله ، وله القدرة المطلقة في هذا الكون وكيف لا يكون ذلك ... وهو الإله الخالق المبدع .

ولا عجب أن تشرع سورة الملك بعد هذا الاستفتاح بعرض الأدلة الكثيرة والشاهدة على عظمة الله وقدرته ، وفي هذا خطابُ العقل الذي ينتهجه القرآن لإثبات الألوهية وإقرار الوحدانية لله تعالى ، ومن هذه الأدلة :

• خلق السماوات السبع في طبقاتٍ بعضها فوق بعض :" الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا"

• تزيين السماء الدنيا بالنجوم :" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ"

• خلق الأرض ممهدّدة ، مملوءة بالخيرات والثروات ، ليصلح عليها السير والمعاش :" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ "

• خلق الطير وهي تصفّ أجنحتها وتقبضها أثناء طيرانها لتكون آية من آيات الله في حركتها :" أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ"

وبعد هذا الإبداع في الخلق ، يأتي التحدّي أن يكون في هذا الخلق نقص أو عيب ، فمهما قلّبت نظرك مرارا وتكرارا ، لتجد خللا فسيرتدّ إليك ضعيفا قد أنهكه التعب دون يجد ما أراد : " مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ".

ومثل هذا الخلق البديع لا يمكن أن يكون عبثا أو لغير غاية أو هدف ، ولذا جاء ذكر الغاية من الخلق ، وهو الابتلاء وعمارة الأرض في مطلع السورة :" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ".

ومفهوم " أحسن عملا " لا ينحصر في ركعات تُصلّى ، أو شهر من السنة يُصام ، أو زكاة تُدفع فحسب ، بل هويتعدّى ذلك ليشمل كل خلق حسن ، أو كل عمل يُبتغى به وجه الله تعالى ، ينفع به المؤمن غيره من الناس في مجتمع الحياة ، كما جاء في الحديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ،وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا ، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف فى هذا المسجد شهرا ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه المسلم فى حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزلّ الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) أخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب قضاء الحوائج وحسّنه الألباني (صحيح الجامع، 176).

وتمضي الأيات لتبيّن أن من يكفر بهذا الخالق المبدع ، فجزاؤه جهنم وبئس المصير ، وكيف لا يكون هذا مصيره ؟ وهو الذي أعمى بصره عن رؤية دلائل عظمة الله وأعرض بعقله عن التفكر فيها ، فاختار عن قصدٍ ، الكفر والتكذيب بالأيات والنذر:" وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ".

إن الله لا يُرى ، ولكن تُرى آياته ودلائل وجوده من خلال إبداعه فيما خلق ، وإتقانه فيما صنع ، وتأتي السورة لتربّي في المؤمن خشية الله بالغيب ، وهو ما يسمى اليوم " برقابة الضمير".

إنه الوازع الديني الذي يمنع صاحبه عن كل فحش وسوء ، سواء خلا بنفسه ، أو اطلعت عليه أعين الناس ، فإنه يحسّ دوما أنّ عين الله ترقبه وتراه ، فيستحي أن يراه ربه على معصية.

ومن ارتقى هذا المقام الرفيع من الإحسان ، استحق من الله الأجر الكريم :" إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ".

ثم تتحدث الأيات عن أولئك الأشقياء الذين اتخذوا من دون الله آلهة ، أما كان من الأوْلى لهم أن يسألوا أنفسهم :

هل يملكون أن يغيثوهم أو ينصروهم من دون الله :" أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ "
أم هل يملكون أن ينفعوهم أو يرزقوهم من دون الله :" أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ".

بل أحرى بهم أن يخشوا غضب الله عليهم ، فيخسف بهم الأرض من تحتهم أو يسقط عليهم حجارة من فوق رؤوسهم :" أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ".

ثم تأمل الدعوة في الأيات إلى الانتفاع بأدوات العلم والمعرفة التي وهبها الله لعباده كالسمع والبصر والعقل كي يستخدموها في استثمار الطاقات والامكانات لعمارة الأرض وإصلاح الحياة وإنجاز كل ما هو مفيد للبشرية ، بل إن الله تعالى يعيب على أهل النار أنهم لم ينتفعوا بجوارحهم وعقولهم للاهتداء بها إلى الله ، وفعل الخيرات :" وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ".

ولذلك يمنّ الله على عباده بهذه النعمة ، ليشكروه عليها ، ويؤدوا حق الله فيها :" قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ".

وفي الآية التي بعدها مباشرة ، يذكر الله المعاد ، والعودة ليوم الحساب ، كي يعلم الانسان أن كسب هذه الجوارح محاسب عليه ، ومؤاخذ به ، فيجعله في خير حتى يأخذ أجره وثوابه ، ولا يجعله في شر حتى لا ينال وزره وعقابه :" قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ".

وما عذاب الله ببعيد على من كفر ، وطغى في الأرض وتجبّر ، فتذكرنا السورة بعذاب من سبق :" وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ".

ولكنّ الكافرين في غرور :" إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ " ، فهم لغرورهم وغفلتهم يستعجلون العذاب :" وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ".

وعند وقوع العذاب لا ينفع الندم ، ولا يغني الجزع ، بل تسوء وجوههم ، ويغشاهم الخزي والخوف حين يرون ما كانوا ينكرونه واقعاً بهم ، وأنه كان قريبا منهم وهم لا يشعرون :" فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ".

وأما المؤمن فهو على نور من ربه ... يمضي في هذه الحياة على بصيرة وهدى ، في حين يبقى هؤلاء في تخبّطهم وتيههم :" أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".

هو الله وحده الذي يُنزل العذاب بالكافرين ، ويحفظ عباده المؤمنين ، فإليه يلجأون ، ورحمته يرجون :" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ".

وتُختم السورة بصورة من الضعف البشري أمام قدرة الله ، كما تحدّتهم السورة في أولها :" مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ " فتأتي آخر آية فيها لتتركهم عاجزين أمام سنن الله وتصريفها في الكون :" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التفكير داخل الصندوق

"هناك تبلورٌ لحالةٍ ملموسة من التديّنِ الفرداني، يبدو أقل نضالية، وينتمي بوضوح إلى العالم المعاصر، …