العادات الآسرة

الرئيسية » بأقلامكم » العادات الآسرة
MG_3014-e1507731018601

العادات ثلاثة أنواع: عادة سيئة، وعادة وحسنة، وعادة وشكلية لا هي ذي ولا هي ذي.

فمن العادات الحسنة أن يكون لسان المرء رطبا بذكر الله، وأن يكون له صدقة كل صباح، وأن ينظف أسنانه بعناية بفرشاة أو سواك، ورياضة بدنية يومية، وساعة خلوة يناجي فيها ربه، أو ساعة يقرأ فيها ويتجدد، دقائق لا يفرط فيها. ومثل هذه العادات ينبغي للمرء أن يستمسك بها شرط أن ينظر للجوهر لا للشكل.

وللناس عادات سيئة، منهم شارب السيجار، والذي يطيل المكث في الحمام، أو من يسهر كل ليله في لعب الورق، بل منهم الذي يبالغ في التنظيف، مثل ذاك الذي كان في صلاة التراويح قابضا على منديله يمسح أنفه كل عشر ثوان، ويتنحنح ليمسح حلقومه كل خمس ثوان وليس به عيب من مرض إلا حكم العادة.

والعادة قد تكون على مستوى الفرد أوعلى مستوى الجماعة مثل عادات الزواج الباهظة البائسة والعادات الأخرى في العلاقات الاجتماعية والزيارات أو في اللباس العام.

العادات المجتمعية المرهقة للشعوب أولى بالاهتمام والتصدي من العادات الفردية، ومعلوم أن معظم العادات المجتمعية تبدأ مبادرة طيبة من صاحب خير، ويكون لها مُقتضى أو مسوّغ من حاجة المجتمع، ثم تمر الأيام وتروح مقتضيات تلك العادة وتبقى لوازمها آخذة بخناق الناس مضيّقة عليهم.

أي عادة تضر بالصحة أو الدين أو الخلق أو العلاقات الاجتماعية أو فيها سرف وبطر وتبديد مال فينبغي التوقف عنها فورا، ولا بد لصاحبها من إرادة تصاحب الوعي.

وثالثاً: ثَم طائفة واسعة من العادات الشكلية ليست بالضارة ولا النافعة، وعيبها أنها تشكل قيودا تكبل صاحبها فلا يغدو بمقدوره الاستمرار بدونها، أو تشكل مرجعا لمحاكمات مجتمعية ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه ينطبق عليها القول "أحسن عادة أن لا يكون لك عادة".

البعض لا يستطيع أن يمرر يومه بدون قهوة الصباح، وبعضهم لا يستخدم إلا نوعا محددا من "الشامبو" لغسيل الشعر، ولا يطيق تغييره، وغيره يستحيل أن يخرج من منزله دون أن يحلق ذقنه حتى تلمع كأنها البرق الوضاء، أو يرفض الحذاء إلا بلون محدد أو غطاء الرأس ...إلخ.

هذه هي "اللزوميات" – لزوم ما لا يَلزَم ولا يُلزِم، وتقديس لسخافة لا قيمة لها.

• في صغري رأيت أخا أحترمه وقد خلع ساعة اليد وخاتم الزواج (الدِّبلة) ولبس قميصا قطنيا بلا قبة، فلما راجعته وأنا ألومه قال: "أحب الحرية"، وأدركت لاحقا أنني كنت مخطئا، ونبهني هذا إلى نوع آخر من الحرية لم أفطن له.

• انتقد أخ كريم أمامي مرة ملابس من يلبس البنطلون القصير، والقميص الضيق الملون بدل أن يلبس ثوبا سابغ أبيض اللون، قلت له: أنا نشأت مثلك لا أستسيغ هذا اللباس ولا أرغب أن ألبسه لنفسي، ولكن ينبغي أن لا نعيب الآخرين، ففي الأمر سعة، بل العكس ينبغي أن نشجع التنوع لتشمل أوسع طيف، ما المانع أن تدخل المسجد فتجد صف الصلاة فيه كل الأشكال والألوان، هذه ضيقة وهذه واسعة، هذه ملونة وهذه موحدة، هذا بكمّ وهذا بنصف كمّ وهذا بلا أكمام، أليس هذا أفضل من أن يكون العباد كلهم نسخة واحدة.

ولقد وجدت لذلك أصلا في دين الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لباس الشهرة، وهو اللباس الذي يميز المرء عن غيره بصفة الثراء أو صفة العلم أو صفة الدين، وهذه الأخيرة أسوأها فليس في الإسلام كهنوت، ولقد كان الرجل يدخل على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيسأل: أيكم محمد؟ فلم يكن يتميز بملبس ولا فرش.

ولذلك صرت أرى اللباس المنتشر بين رجال الدين من المسلمين ويميزهم عن غيرهم هو الذي يخالف السنة (في الخليج: ثوب أبيض قصير مع غترة بلا عقالها، وفي مصر وغيرها: جبة وعمامة) هذا لباس شهرة ينبيك: هذا مؤمن ملتزم وهذا لا، وهذا مدخل إلى الكهنوت الذي يمقته الإسلام أشد المقت.

قال الله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق" وقال: "لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، ولئن كان التحريم المقصود هنا بسطوة الدين، فإن العادات المجتمعية تكون أحيانا أشد وأقوى.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك العمل بالخير أحيانا حتى لا يُفرض، وحريّ بنا أن نترك طائفة من العادات الآسرة الشكلية، بل حتى جزءا من العادات الحسنة مخافة أن تُلزم، ولقد رأيت أحد العلماء يحرص على ترك المصافحة عقيب الصلوات لمّا صارت عادة ثابتة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الإنسان الحضاري …. في سورة القلم

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) القلم.. وما يكتب القلم.. بذلك يقسم الله تبارك وتعالى في مطلع …