المكتبات والأنشطة التثقيفية.. لماذا هي غائبةٌ عن مساحات مساجدنا؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » المكتبات والأنشطة التثقيفية.. لماذا هي غائبةٌ عن مساحات مساجدنا؟!
248273

قبل فترة، قدمت قناة "ألمانيا اليوم" (DW) برنامجًا بعنوان: "العقيدة والحياة"، كان الغرض منه إلقاء الضوء على تجربة ملفتة للنظر لـ12 من الرهبان البيندكتيين، وهو نظام ديني كاثوليكي، في دَيْر بلانكشتيتن في منطقة بافاريا الألمانية.

التجربة تشير إلى كيفية نجاح هؤلاء الرهبان في الجَمْع بين نظام الرهبنة الذي يقوم على التجرُّد من الدنيا، والزهد فيها، والتفرُّغ للعبادة، وبين تحقيق منافع ومصالح دنيوية تُفيدُهم وتُفيد المجتمع.

ومن بين الأدوات التي يعملون من خلالها، قيامهم بزراعة مساحات من الأراضي التابعة للدير بالفواكه والخضروات التي تفي باحتياجات الدير، بما في ذلك الخبز، ثم يعملون على تسويق الباقي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المصروفات، مع العمل على تنشيط صناعات تقوم على النشاط الزراعي، مثل عسل النحل وعصير التفاح.

ويتم ذلك كله بشكل يراعي اعتبارات التنمية المستدامة في ذلك، وهو ذلك النمط من الأنشطة الاقتصادية والتنموية الذي يعتمد المعايير التي تحافظ على البيئة، في رسالةٍ إضافية لهم.

التجربة التي واكبها عنوان البرنامج المعبِّر والمهمُّ للغاية، تتوافق تمامًا مع منظورنا وتصوراتنا الإسلامية للحياة.

فاللهُ تعالى أنزل عقيدته وشرائعه لكي نحيا بها، ولكي نُعمِّرَ الأرض، ونعينَ الآخرين على الحياة.

ورسالة المسلم في هذا الإطار، تشمل كافة المخلوقات الحية، ومنها الإنسان، المسلم وغير المسلم، وفق ما نجده في الأدلة الشرعية الصحيحة من القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية.

ففي القرآن الكريم، يقول اللهُ تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [سُورَة "الرَّعد" – الآية 17].

والآية استعملت كلمة "النَّاسَ" في الإشارة إلى عموم النَّفعِ لكل خلقِ اللهِ تعالى من بني آدم، ووافق ذلك الحديث النبوي الشريف الذي استعمل فيه الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، ذات الكلمة لوصف خير الناس، فعن جابرٍ بن عبد اللهِ (رضي اللهُ عنه)، أنَّه قال، قال رسول اللهِ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم": "المؤمنُ يألَفُ ويُؤلَف ولا خيرَ فيمَن لا يأَلفُ ولا يُؤلَف وخيرُ الناس أنفعهم للناس" [أخرجه الطبراني].

ويؤكِّد ذلك الرواية الأخرى للحديث من عبد الله بن عمر (رضي اللهُ عنهما)، والتي تكلَّم فيها الرسول عليه الصلاة والسلام عن خير الناس الأعمال، وذكر فيها "الناس" وذكر فيها "المسلم" في حديثه عن وجهة النَّفع وعمل الخير.

فلقد أَخرَج الطبراني في الأوسط والصغير أنَّ رجلاً جاء إلى رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، فقال له: "يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟"، فقال "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم": "أحَبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحَبُّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخِله على مسلم تكشِف عنه كُربَةً أو تقضي عنه دَيْنًا أو تطرد عنه جوعًا ولأنْ أمشي مع أَخٍ في حاجةٍ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أعتكف في هذا المسجد _يعني مسجد المدينة) شهرًا".

وبطبيعة الحال، فإنَّ هناك تجارب فردية ومؤسساتية على مستوى العالم الإسلامي، وعموم المسلمين في العالم، تطبِّق مثل هذه الأفكار، وفي المهاجر، يقدِّم كثيرٌ من المسلمين، فرَادَى ومؤسسات، خدماتهم ونفعهم لكلِّ فئات المجتمع، من دون تمييز على أساس الدين أو اللون.

إلَّا أنَّنا لا نجد الكثير مما ورد في هذه الحلقة في نطاق اهتمامات مساجدنا والقائمين عليها.

ونخُصُّ بالذِّكْرِ في هذا الإطار مما ذكرته الحلقة، مكتبة الدَّيْر، التي تضم حوالي 120 ألف كتاب ومخطوطة، بالرغم من أنَّه ليس بالدَّيْر الكبير الذي يخرج في أهميته عن نطاقه المَحَليِّ، وبرغم ذلك، فإنَّ مكتبته تضم كل هذا العدد من الكتب والمخطوطات.
أي أنَّها لا تقف عند حدود الكتب فحسب، أو المعارف والثقافة العامة فحسب، وإنما تمتد لتشمل الكثير من النفائس، وفي مجالات شديدة التخصص، وليست وقفًا فقط على شؤون الأديان والمذاهب.

وهذا الأمر، ليس وقفًا على هذا الدَّيْر فحسب، فمن بين أبرز الأمور التي تميِّز كنائس وأَدْيرَة أوروبا، المكتبات الكبيرة، المتنوعة في مجالات المعرفة، وكذلك فيما تحتويه من مخطوطات ونوادر، وصولاً إلى مكتبة الفاتيكان التي تضم حوالي 180 ألف مخطوط، و1.6 مليون كتاب في مختلف فروع العلم والمعرفة، ويقصدها آلاف الباحثين كل عامٍ.

ومن بين العلامات المهمة في هذه المكتبات، أنها تضم عشرات الآلاف من الكتاب والمخطوطات الإسلامية، والمكتوبة باللغات العربية والفارسية والأُردية؛ حيث تضم مكتبة الفاتيكان وحدها، حوالي 4400 مخطوط إسلامي، منها 2600 باللغة العربية، بحسب مؤسسة "الفرقان" اللندنية.

ولا أحد يدري فلا أدري لماذا كفَّت دُور العلم الإسلامية والمساجد الكبيرة في بلادنا العربية والمسلمة عن هذا الأمر.

فمَّما يخبرنا به التاريخ، أنَّ أهم مكتبات العرب والمسلمين كانت في دور العلم والعلماء، ومنها المساجد، إلا أننا الآن لا نكاد نقف على أي شيءٍ من ذلك، مع تراجع قيمة الكتاب والثقافة بشكل عام في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، وأرقام متوسطات القراءة السنوية العالمية المقارَنة تخبرنا بالكثير في هذا الصدد.

ولو تأملنا حال مكتبة أكبر مؤسسة إسلامية في العالم، وهي مكتبة الأزهر الشريف، لوجدنا أنَّ هناك الكثير مِن علامات عدم الرضا الأكيد في هذا الصدد.

ويمكن الإشارة هنا إلى أكثر من عاملٍ لذلك، بجانب التراجع العام في مستوى الاهتمام بالثقافة والكتاب بشكل عام.

أول هذه العوامل، سوء فهم لدى الكثير من الدعاة وأئمة المساجد لرسالة المسلم، وأولويات العلم؛ حيث مفهوم العلم، هو العلوم الشرعية فقط، ولا شيئًا آخر، مع عدم تحديد أولويات المسلم وفق تصورات هذا الدين للحياة.

فهناك قطاعٌ لا بأس به من عوام المسلمين، ينظرون إلى الدنيا على أنَّها فقط انقطاع للعبادة بشكلٍ يخرجنا عن صميم متطلبات حياتنا على هذه الأرض؛ في إعمارها والنهوض بها، ويوصلنا إلى مرحلة من الضعف تستعبدنا بها الأمم الأخرى بسبب تخلفنا عن العلوم الدنيوية، المادية والاجتماعية بحُجَّة الانغماس في طلب الآخرة.

وهذا حتى يفهمه عوام المسلمين بشكل خاطئ؛ حيث إننا عند الحساب في الآخرة، سوف نُسأَل عمَّا فعلناه في حياتنا لتحقيق ما أمرنا اللهُ تعالى به، وما استخلفنا فيه، ومن بين صور هذا الاستخلاف إعمار الأرض، والذي لن يكون من دون إدراك دقائق العلوم التطبيقية مثل الهندسة.

كذلك يتصل هذا القصور لدينا في فضاءاتنا الإسلامية، بسلوك الأنظمة والحكومات التي تخوض صراعات عديدة مع جماعات ما يُعرَف بالإسلام السياسي أو تعاني من مشكلة انتشار العمليات الإرهابية وانتشار الفكر المتطرف.

فقادت سياسات هذه الحكومات إلى تقييد الأنشطة المسجدية بشكل كبير، حتى أننا لا نكاد نجد مدينة تعرف أهمية وجود مكتبة شاملة في المسجد بالشكل الكافي.

ويرتبط بذلك، غياب نشاطات مهمة للغاية تتصل بهذا عن مساجدنا، بينما نجد أنَّها من الطبيعي أنْ تكون موجودة، بحكم الدور الشامل للمسجد، وهو الانشطة الثقافية العامة.

فلا نكاد نجد في المجال التعليمي سوى أنشطة تحفيظ القرآن الكريم، وبعض ما يتعلَّق بالخط واللغة العربية، وهي على أهميتها بطبيعة الحال، لكنَّها ليست بكافية في تكوين المسلم صحيح العقل والبدن، سليم الفهم والتصوُّرات، وبالتالي، القادر على لعب أدوارٍ إيجابية في حياة مجتمعه ووطنه وأمته، ويقدِّم النموذج الملهِم للآخرين، كأهم وسيلة دعوية في الواقع.

وهذا أمرٌ لا يمكن رده لسلوك الحكومات والأنظمة المُستَبدَّة التي تقيِّد أنشطة المساجد إلا في أضيق الحدود، مثل توزيع المساعدات الاجتماعية أو تقديم الخدمات الصحية في المناطق الفقيرة.

فالمراكز الإسلامية والمساجد الكبرى الخاصة بالأقليات المسلمة في بلدان الغرب المتقدمة، أو حتى في بلدان من العالم الثالث مثل أمريكا اللاتينية، لا نعرف عنها أنها تمتلك مكتبات تضم كتبًا في المعارف العامة، فباستثناء كتب الفقه والتفاسير والتاريخ الإسلامي، والعلوم الشرعية بشكل عام؛ لا يوجد فيها مكتبات شاملة، أو هيئات ثقافية تقيم الأنشطة التثقيفية بالمعنى العام الشامل.

وهو أمرٌ على العكس، يفهم أتباع الديانات الأخرى أهميته؛ حيث مثلاً الكنائس سواء في الدول العربية التي يعيش فيها عدد كبير من المواطنين المسيحيين، مثل مصر والأردن ولبنان، أو في بلدان أوروبا والغرب المسيحية؛ في الغالب تهتم بالأنشطة المتعلقة بالثقافة العامة.

وللأطفال على وجه الخصوص، مكانة كبيرة في تخطيط هذه الأنشطة، ويتم ذلك بشكل احترافي؛ حيث يتم تلقين الأطفال كافة ألوان المعارف، بالصِّيَغ الملائمة لمرحلتهم السِّنِّيَّة، وتزويدهم بالمهارات اللازمة من خلال أنشطة تثقيفية بجانب القراءة، مثل الرسم والأنشطة الترفيهية ذات الأثر الفكري والسلوكي السليم، بجانب أنَّ لديها مكتباتها الضخمة كما قلنا.

وفي الأخير؛ فإنَّ هناك ضرورة إلى هذه التجارب بشكل عام، بعين الاهتمام من جانب القائمين على مساحات العمل الإسلامي المختلفة، ومن جانب الحركات التي تنسب نفسها للدين الحنيف، بدلاً مِن قتالٍ عبثي لأجل سلطة لا قيمة لها، أو حشد الشباب للقتال في حروب لا ناقة ولا جمل لهم أو للإسلام فيها.

ويشمل ذلك إبراز أدوار المؤسسات الدينية والثقافية المسلمة في رعاية رسالة التسامح والتعايش، وكذلك الاهتمام بالقضايا التي تمثِّل مجالات اهتمام البشرية الأهم الآن، مثل المناخ وحماية البيئة والبحث العلمي المفيد في القطاعات التي تعني الحياة بالمعنى الحرفي لكلمة "الحياة"، مثل الزراعة والطب.

وهذا له أهمية كبرى حتى في درء الشبهات، والرد العملي على اتهامات باطلة من نوعية أنَّ المسلمين في قمقم العزلة كما قال العنصري ماكرون ومَن نَحَوا نحوه، وأنَّهم – المسلمون – على العكس من ذلك؛ منخرطون بشكل كامل في قضايا الإنسانية الكبرى.
ولكننا لو أوقفنا أنفسنا عند حدود التصورات الضيقة الحالية، سوف نكون – لشديد الأسف – قد صرنا أدوات في تأكيد ما نُتَّهم به، ويتحمله معنا الإسلام من دون أيِّ ذنبٍ لهذا الدين العظيم الكامل الشامل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

2020 وعام الرمادة لقضايا الأمة!

في العامٍ 2006م، صدر للكاتب والمفكر الإسلامي المصري أمين هويدي، كتابٌ بعنوان "خيولنا التي لا …