خلف جدار الصمت.. ما لا يراه العالم عن أحوال المسلمين في فرنسا

الرئيسية » بصائر الفكر » خلف جدار الصمت.. ما لا يراه العالم عن أحوال المسلمين في فرنسا
n-french-muslims-terrorism-628x314

من بين آفات عصر سطوة "الميديا" بصورها وأقنيتها المختلفة، أنَّ الغالبية الساحقة من الناس تقف على ما تنقله وسائل الإعلام المختلفة من سياق عام، يخلو من الكثير من التفاصيل الدقيقة، والتي تبدِّل تمامًا من القناعات والمواقف إذا ما عَلِمَها المرء، مع ما تنقله من حقائق مغايرة تمامًا عن واقع الحدث والحال المحيط به بشكل عام.

وهو أمرٌ نجده حاصلاً في الأزمة الراهنة التي أفرزتها تصريحات ومواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وللإسلام والمسلمين بشكل عام.

فحتى جموع المسلمين الذين نهضوا ودعموا حملات مقاطعة المنتجات الفرنسية، وعبَّروا عن غضبهم بالتظاهر في شوارع مدن وعواصم عدة من بنجلاديش، وحتى المغرب العربي؛ فإنَّ تحركاتهم هذه كانت مبنية فحسب على الصورة الشائعة للموقف، حتى وإنْ كانت رِدَّات فعلهم سليمة، ومتفق على ضرورتها ومشروعيتها، ولكنَّها مع حقيقة محتوى الصورة؛ غير كافية لو علموا ما يتم في حق مسلمي فرنسا، والقائم منذ سنوات حتى.

ولو بحثنا مُدقَّقًا؛ فإنَّنا سوف نقف أمام قصورٍ كبير لدى الإعلام والمِنَصَّات التي نهضت في الأزمة الحالية تتبنى مواقف مناوئة لماكرون وعنصريته؛ حيث لم نقف على موضوعات وتقارير موضوعية تتناول المشكلات الضخمة التي يتعرَّض لها المسلمون في فرنسا على وجه الخصوص.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ هذه المشكلات من العمق بحيث شهدت انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان حتى بمعايير دول العالم الثالث، بما في ذلك الاعتداء على حُرُمات البيوت، وتقييد الأطفال والنساء، والترحيل القسري إلى مناطق أزمات وحروب، من دون أن يثبت على أصحاب هذه الحالات أي شيء مخالف للقانون، أو حتى ممارسة تخرج عن نطاق أعراف وتقاليد المجتمع الفرنسي.

في 2015م، وبعد هجوم "شارلي إيبدو" الأول، في يناير من ذلك العام، وفي الأشهر الثلاث التالية فحسب، زادت أعمال العنف والكراهية التي يتعرض لها مسلمو فرنسا بنسبة 500 بالمائة، من دون ظهور أصوات معارضة حتى من دُعاة الحُريات في فرنسا، ولا في العالم العربي والإسلامي.

وفي هذه الفترة، بدأت تيارات اليمين الشعبوي المُتطرِّف في النمو والازدهار، وباتت فاعلاً رسميًّا في كثير من دول أوروبا والولايات المتحدة، بعد أنْ كانت ظواهر اجتماعية وسياسية متنامية؛ حيث حصلت مارين لوبين، زعيمة حزب الجبهة الوطنية على المركز الثاني في الجولة الأولى والثانية التي فاز بها ماكرون، من انتخابات الرئاسة الفرنسية التي جرت في العام 2017م.

والآن؛ نظيرها الألماني، حزب البديل، هو القوة الثالثة في البرلمان الألماني "البوندستاج"، بالرغم من حساسية هذه الأمور في ألمانيا بسبب التجربة النازية، وكان من المفترض أنْ تظلَّ الحركة القومية المتطرفة لا تخرج عن نطاق الظلال السياسية، قبل أنْ تأخذَ الزَّخم الأكبر من وصول دونالد ترامب إلى سُدَّة الرئاسة الأمريكية.

ومنذ ذلك الحين، وبعد فرض حالة الطوارئ في فرنسا، بدأت أحوال المسلمين في فرنسا تؤول إلى الأسوأ، ومن دون أية جريرة أو أدلَّةٍ على تورط المئات ممَّن جرى التنكيل بهم أو ترحيلهم في أي نشاط راديكالي، أو حتى غير راديكالي يجرِّمه القانون الفرنسي.

ويتم في هذا الصدد ارتكاب انتهاكَيْن أساسيَّيْن، الأول، هو توظيف السلطات الإدارية ومعاييرها في استهداف مؤسسات المسلمين من جمعيات ومساجد، فمثلاً بعد مقتل المُدرِّس صمويل أباتي على يد شابٍّ من أصول شيشانية، تمت مداهمات في حق مساجد، وتم غلقها بحجة مثلاً عدم التزامها بقواعد النظافة العامة؛ لا لأنَّها متورطة في أنشطة تتعلق بالترويج لأفكار متطرفة أو ما شابه.

وأتت هذه الإجراءات بهذه الصورة لأنَّ – وهذا هو الانتهاك الثاني – الأخذ بالشبهات وتوسيع دور أجهزة المخابرات على حساب السلطات المحلية، وتم بموجب ذلك ترحيل المئات، وغلق عشرات الجمعيات الإسلامية والمساجد؛ كانت المحاكم الفرنسية تُبطِل ما نسبته أربعين بالمائة منه، بسبب عدم قانونيتها بحسب مجلس الدولة الفرنسي، مما جعل الحكومة الفرنسية تلجأ إلى ما يطلِق عليه المصريون مصطلح "التلاكيك"، مثل نقطة النظافة العامة للمكان والإجراءات الصحية فيه، وما شابه.

وبحسب الوزيرة المفوَّضة بوزارة الداخلية الفرنسية، مارلين شيابا، في مطلع أكتوبر الماضي، فإنَّ ما تقوم به الحكومة الفرنسية، هو "خداع" فيما وصفته – الحكومة الفرنسية – بكفاحها ضد الانفصالية أو ما يقول عنه ماكرون "الانعزالية الإسلامية".

وذكرت الوزيرة أنَّ هناك 210 حالات ترحيل، و15 مركزًا للعبادة و12 مركزًا للثقافة والمجتمع و4 مدارس، قد أُغلقت بأوامر إدارية خلال العامَيْن الماضيَيْن، مع استهداف الآلاف من بيوت المواطنين المسلمين، تم خلالها اعتقال عددٍ كبير من المسلمين، ومصادرة وثائقهم في الفترة ما بين العام 2015م والعام 2017م [ميدل إيست آي، 27 أكتوبر 2020م].

وكل ذلك يقوم على غير أساس، ولا لشيءٍ إلا لمجرَّد الشكوك، مثلما تقول المحامية الحقوقية بسمة مغربي في تصريحات صحفية لم تلقَ نصيبًا كبيرًا للأسف في إعلامنا الناطق بالعربية.

ومثلما – كذلك – تؤكد الهيئة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان في فرنسا في مذكرة لها في مطلع هذا العام، قبل أيَّة أحداث وقعت مؤخرًا؛ حيث تتطابق مواقف المحامين والهيئات الحقوقية المعارِضة لإجراءات الحكومة الفرنسية وأجهزة استخباراتها، في أنَّ كثيرًا من المواطنين المسلمين دخلوا في تصنيف "الراديكاليين الإسلاميين"، لمجرَّد الشك، وبناءً على تحريات مخابراتية لا أكثر.

وحتى في الحالات التي يتم فيها "ضبط أدلة جهادية" مِن نوعٍ ما في مسجد، فإنَّ الأمر لا يخرج عن ضبط كتاب من نوعية "رياض الصالحين"، لأنَّ به تبويب يتكلم عن الجهاد، وبالفعل؛ فإنَّ هناك مسجدَيْن على الأقل، تمَّ إغلاقهما في بلدتَيْ أومون وسارتوفيل بسبب "رياض الصالحين"! [ميدل إيست آي، 27 أكتوبر 2020م].

وبينما ترى أوساط قانونية وحقوقية مسلمة في فرنسا الأمور على أرض الواقع، على حقيقتها، أنَّ الأمر يرقى قانونًا لمستوى إرهاب الدولة الذي يستوجب رفعه إلى الأمم المتحدة؛ فإنَّنا في المقابل نجد أنَّ الأوساط الإسلامية قد استجابت للزاوية التي أرادها الخصوم، فأصابهم التجمُّد والخوف من الخطاب الديماجوجي الذي يتَّهم المسلمين بالإرهاب، ويقول بأنَّ الإسلام في أزمة.

فتم استدراج الأوساط الدعوية والإعلامية المسلمة إلى منطقة الدفاع، وهي منطقة مطلوبة بطبيعة الحال، على الأقل لنفي الخبث العالق بصورة الدين بسبب ممارسات بعض أبنائه، ولكن أيضًا مطلوب إجراءات هجومية بالمعنى القانوني والسياسي والإعلامي الذي يكشف أبعاد هذا الموقف.

وفي الأخير؛ فإنَّه بالرغم من فداحة العدوان على سيرة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وأنَّ الغضب لذلك بأية صورة من الصور، بما في ذلك المقاطعة، هو مِن صميم عقيدة المسلم، ولكن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف فيهما كذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة التي تؤكِّد على فداحة العدوان على أرواح وأموال وأعراض المسلمين، ولأنْ تهدَم الكعبة حجرًا حجرًا لأَهْوَن عند اللهِ تعالى من دم امرئٍ مسلم.

وهو ما يتطلَّب أولاً جهدًا إعلاميًّا موازيًا لما تم في حق أقليات مسلمة أخرى تعرَّضت حقوقها للانتهاك، وحياتها للتهديد، مثل الروهينجيا والإيجور، بحيث تكون الصورة واضحة، وليست بالغَبَشة الحالية التي زاد من وطأتها تعتيم مقصود من جانب سلطات هذه البلاد، وممارسة شتى ألوان الضغط على المسلمين المقيمين هناك بحيث لا يعلنوا صراحةً عن معاناتهم.

ثم يلي بعد ذلك، تعريف المسلمين بكيفية التعامل مع هكذا مواقف ذات طبيعة متعددة الأبعاد، وبالتالي؛ فهي تحتاج إلى تحركات توازِن بين الاعتبارات العقدية التي يحملها الموضوع، ومصالح المسلمين، سواء في العالم الإسلامي، أو في بلدان الاغتراب والمهاجر؛ حيث هذه الفئة هي الحلقة الأضعف في كل هذا الذي يجري!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

صناعة الحدث والتغيير .. بين المسؤولية والاختصاص!

تواجه أمتنا في هذه الأوقات حرباً ضروساً من جميع الجهات، فلا تكاد تجد جانباً من …