وقفات على هامش قضية الرسوم المسيئة

الرئيسية » خواطر تربوية » وقفات على هامش قضية الرسوم المسيئة
50071206-df57-4f58-9ac6-20fab5e0a434

(1)
مهما تكلم المتكلمون وحاول المحاولون في التقريب بين الأديان والحضارات سيبقى العداء الديني والحضاري باقيا في النفوس وستبقى الممارسات المدفوعة بهذا العداء قائمةً شاهدةً عليه، زاعقة في كل الحالمين الواهمين: الحياة الدنيا قائمة على التدافع بين الحق والباطل، فلا يتوهم متوهم أن يكون هناك تقارب يوما بين الحق والباطل، إلا أن يكون تقيّةً من أحدهما لغلبة الآخر.

(2)
الأباطيل في هذه الحياة الدنيا كثيرة ومتنوعة، أديان ومعتقدات بشرية وضعية، وأديان ومعتقدات سماوية محرّفة ومزورة.

والحق في هذه الدنيا واحد، دين إلهي خاتم أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله مهيمنا على كل الأديان التي كانت من قبله.

وبرغم أن هذه الأباطيل كثيرة ومتنوعة ومتضاربة، بل ومتعادية فيما بينها، إلا أنه سيبقى العدو الأكبر لها جميعا ذلك الحق الواحد؛ ذلك لأنها جميعا ترى ذلك الدين الحق وهو ينتشر بين الناس شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وتؤكد الإحصائات والدراسات أنه أكثر الأديان والمعتقدات انتشارا وكسبا للأتباع يوما بعد يوم. كما أنه الدين الوحيد الذي يحمل مشروعا حضاريا للحكم( سياسة واقتصادا واجتماعا).

ومن هنا، فعداء الأباطيل كلها للدين الإسلامي عداء ديني اعتقادي خوفا من سيطرته على أتباعهم ودخولهم فيه، وكذلك عداء دنيوي سياسي خوفا من سيطرته على بلادهم بمشروعه الحضاري السياسي بعد سيطرته على الأتباع عقيدة وديانة.

(3)
يقول الشاعر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسان حسود
لولا احتدام النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

فكلما صرخ العدو الغربي الصليبي بحقده على الإسلام ونبيه وكتابه كلما أكدت الدراسات أن الدين الإسلامي ينتشر هناك أكثر، إذ يتساءل الناس حينها أكثر عن هذا الدين الذي يتحدث عنه الجميع ويعاديه الجميع، ويكون هذا الفضول لمعرفة ذلك الدين دافعا للبحث فيه، ثم الاهتداء إليه، لما يرونه من اتزانه واعتداله ووسطيته، إذا ما قارنوه بأديانهم ومعتقداتهم المائلة المُحرّفة التي تصل إلى حد السخافة والسفاهة.

(4)
لا يجب أن تجرّ مثل هذه الاستفزازات الحمقاء -من المتعصبين الغربيين أفرادا وحكاما- المسلمين إلى أعمال عدائية في بلاد الغرب قتلا وتفجيرا.

فبرغم أن الغضب شديد من هذا الرسام الوقح، ومن صحيفته الأوقح التي سمحت بنشر ذلك، ومن رئيس بلاده الأكثر وقاحة الذي أيد وناصر، إلا أننا لا نجيز بذلك قتل الناس هناك دون جريرة وذنب.

فما ذنب الناس الذين يعيشون هناك في سلام بعيدين عن ذلك الحقد والعداء، وإن ذلك لهو أسوأ دعاية للإسلام.

يدّعي هؤلاء الحاقدون أن دين الإسلام هو دين الإرهاب والعنف، وأن نبي الإسلام هو نبي الدماء، ثم نؤكد نحن لهم ذلك بقتلنا لأبرياء، لا لشيء إلا لمجرد أنهم يعيشون في البلاد التي أساء فيها المسيئون.

ولقد قلت قبل ذلك: إن مسألة القتل والتفجير في بلاد الغرب تحتاج إلى نظرة من فقهاء الإسلام مجتمعين، لأن الغرب يقتل في المسلمين عامة هنا وهناك، ويكيد لهم عامة هناك وهناك.

فإن عجز المسلمون عن النيل من جيوش الغربيين وحكوماتهم، فهل لهم حينها أن ينكؤوهم في شعوبهم ومواطنيهم.

الأمر يحتاح إلى نظرة فقهية لعلماء الإسلام عامة، بحيث يخرج رأي فيه بالإجماع، أو بالجمهور مجتمعا متوافقا على أقل تقدير.

ولحين ما يحدث ذلك، نبقى مع الرأي الذي يقول به أغلب علماء الإسلام اليوم متفرقين: لا يجوز قتل المدنيين الغربيين أو إيذاءهم لما يقع على المسلمين وبلادهم من أذى حكامهم وقادتهم ورموزهم.

(5)
يجب أن تكون هذه الأحداث دافعة لنا كمسلمين لمزيد من الدعوة بالحسنى في بلاد الغرب، ولمزيد من التعريف بالإسلام وبنبيه وبقرآنه.

عموم الغربيين يجهلون تماما الدين الإسلامي، ولو أحسن المسلمون عرضه عليهم وتعريفهم به، لربما دخل أكثرهم فيه، فهو الحق الذي يقابله الباطل الذي يعيشون هم في ظلاله، وهو الضياء الذي يقابله الظلام الذي يتيهون هم فيه.

أذكر أنه في قضية الرسوم المسيئة الأولى منذ سنوات، التي انتفض لها العالم الإسلامي انتفاضا كبيرا، قام أحد الدعاة الشباب حينها بزيارة للبلدة الأوروبية التي نشرت هذه الرسوم، وحاول أن يُعرّف الناس هناك بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قدر ما يستطيعه، وقد انتقده كثير من العلماء والدعاة، وكان الدكتور القرضاوي_حفظه الله_ من المنتقدين، ثم ذكر الدكتور القرضاوي بعد ذلك أن ذلك الداعية قد غرد وحده بعيدا عن السرب، وكان تغريده هو التغريد المُبدع بجانب تغريد تقليدي من تظاهر واحتجاج ومقاطعة.

التظاهر والاحتجاج والمقاطعة أسلحة مهمة في معركتنا مع المتعصبين والحاقدين من الغربيين وبلادهم، لكن لا ينسينا ذلك السلاح الأهم والأولى، وهو حسن التعريف بدين الإسلام وبنبيه، وزيادة الاهتمام بهذا التعريف بهما كلما زاد الحقد والعداء لهما.

(6)
ما زلنا نؤكد على أننا في عصر انحطاط عربي وإسلامي لا مثيل له في تاريخنا كله.

عداء صارخ ووقاحة غربية، ولا نجد أي بيانات رسمية عربية لمجرد الإدانة والشجب.

انبطاح عربي وإسلامي رسمي ليس له مثيل في كل التاريخ.

فقد كان في تاريخنا العربي والإسلامي عصور انحطاط، لكنها لم تصل لذلك المستنقع أبدا، فلم تكن بهذه الكلية ولا بهذه الكيفية.

وقد وصل ذلك الانحطاط إلى أن تؤيد بعض الأنظمة الحاكمة العربية موقف الرئيس الفرنسي تلميحا وتصريحا.

وتروج تلك الأنظمة إلى أن معركة الرئيس الفرنسي هي معركة مع الإسلاميين المتطرفين وليست مع الإسلام.

وينطق إعلاميو هذه الأنظمة بكل وقاحة وسفاهة بما ينصرون به الرئيس الفرنسي الذي يسيء لنبيهم ودينهم على الرئيس التركي الذي يدافع عن دينهم ونبيهم.

(7)
كل يوم يتأكد لنا تأكيدا يقينيا أن التحرر السياسي هو أوجب الواجبات في دنيا العرب والمسلمين اليوم.

فها هي حكوماتنا العميلة والجبانة والمنبطحة، التي لا تحرك ساكنا في أي قضية إسلامية لا شرقا ولا غربا ولا شمالا ولا جنوبا.

بل وها هي الشعوب العربية، لا تخرج للتظاهر لمجرد التعبير عن رفضها وشجبها لهذه الرسوم ولمن نشرها وأيدها، وذلك خوفا من حكوماتهم المتجبرة الباطشة.

المظاهرات التي رأيناها كانت مظاهرات في بلاد إسلامية غير عربية، أما في البلاد العربية فالبطش شديد والحكم بالنار والحديد.

الربيع العربي كان محاولة كبيرة للتحرر السياسي العربي، غير أن التآمر عليه من الداخل والخارج أفشله، بل وأعاد البلاد العربية لبطش أشد وديكتاتورية أكبر.

التحرر السياسي ضرورة للدين والدنيا، فلن ينال الناس حقوقهم الدنيوية العادلة الاقتصادية والاجتماعية إلا بالتحرر السياسي.

ولن ينالوا كذلك حقوقهم الدينية كاملة إلا بتحررهم السياسي من ديكتاتوريات فاسدة أفسدت عليهم دينهم ودنياهم.

وما عادوا معها يستطيعون الخروج للتظاهر نصرة لدينهم ونبيهم، كما لم يعودوا يستطيعون التظاهر من أجل حقوقهم وضروريات حياتهم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

(1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …