وسائل الاحتجاج حول العالم.. إبداع وسخرية وإجبار

الرئيسية » بأقلامكم » وسائل الاحتجاج حول العالم.. إبداع وسخرية وإجبار
Palestineprotest3

إذا كان الفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت" قال: "أنا أفكر إذن أنا موجود"، فيحق لنا دون أدنى مبالغة أن نقول "أنا أحتج إذن أنا موجود".

يقول "كريستوف هاينز" الخبير السياسي وعضو لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: "من حق الإنسان الأساسي" أن يتجمع الناس للاحتفال أو للتعبير عن المظالم، في الأماكن العامة والخاصة، في الهواء الطلق، وفي الأماكن المغلقة وعلى الإنترنت".

وتشير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أنه "لا يمكن للحكومات حجب شبكات الإنترنت أو إغلاق أي موقع إلكتروني بسبب أدوارها في تنظيم تجمع سلمي أو الدعوة إليه".

وتؤكد اللجنة على أن أنه "لا ينبغي للحكومات أن تجمع بيانات شخصية لمضايقة أو ترهيب المشاركين في المظاهرات".

وحسب منظمة العفو الدولية فإن الاحتجاج السلمي ليس جريمة، بل هو في الواقع حق من حقوق الإنسان. إن المحتجين يمارسون حقوقهم الإنسانية، وينبغي السماح لهم بذلك.

أولاً: العوامل التي تدفع المواطنين في أي دولة للاحتجاج

إن العامل المشترك الأكبر للاحتجاجات حول العالم يُمكن تلخيصه في ثلاثة أمور أساسية وهي ( الفساد الإداري والاجتماعي- الفساد السياسي وقمع الحريات- التدهور الاقتصادي وسوء مستوى المعيشة).

فبالنسبة للفساد الإداري والاجتماعي
نجد أن فئة قليلة من الشعب هي التي تستأثر بالمناصب العليا، وبالتالي تستأثر بخيرات وموارد البلاد، ليس هذا فحسب بل تجد أن هذه الفئة تسن من القوانين ما يضمن لها بقاء الوضع على هذه الصورة دون الأخذ في الاعتبار محاولة رفع المعاناة عن كاهل باقي فئات المجتمع.

وبالنسبة للفساد السياسي وقمع الحريات
إن السلطات في معظم دول العالم تقاوم أي محاولة للمطالبة بالإصلاح، وتمارس هذه السلطات دور الوصاية على شعوبها، وكأن هذه الشعوب عبارة عن مجموعات من القصَّر الذين لا حق لهم في إبداء آرائهم، مما يؤدي إلى الاحتقان والانسداد السياسي اللذين تقابلهما السلطات بالمزيد من القمع والمزيد من تكميم الأفواه.

وبخصوص التدهور الاقتصادي وسوء مستوى المعيشة
إن التوغل في الاستئثار بخيرات البلاد ومواردها والإسراف في توجيه الأموال بعيدًا عن الخدمات الأساسية للمواطنين، وقيام السلطات بفرض ما تسميه "إجراءات تقشفية" يكتوي بنارها الفقراء دون المساس بطبقة الأغنياء، إن كل هذه الأمور يترتب عليها تدهوراً في الجانب الاقتصادي وتدهوراً في مستوى معيشة المواطنين وعدم تلبية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية للمواطنين مما يُعد انتهاكاً لحقوق إنسان، ومما يجعل الشعوب تثور وتمارس صوراً شتى للاحتجاج على أمل التخلص من حالة الفساد التي تسبب لهم المعاناة.

ثانياً: أغرب وسائل الاحتجاج حول العالم

للاحتجاج أساليب كثيرة، بداية من التظاهر وحتى الاعتصام أو الاضراب عن الطعام، وتختلف شعوب العالم في التعبير عن احتجاجها باختلاف قوتها وثقافاتها ومعتقداتها التي تميزها عن غيرها، وكذلك باختلاف الضغط الواقع على المحتجين.

وبالرغم من أن طرق تعبير المواطنين عن احتجاجاتهم تختلف باختلاف ثقافات الشعوب كما ذكرنا إلا أننا نفاجأ بطرق احتجاج غير مألوفة، ويمكن أن يتسم بعضها بخفة الظل والسخرية بغرض إثارة الانتباه وبغرض أن تتعرض سلطات البلاد إلى مواقف مُحرجة تجبرها على الاستجابة لمطالب المحتجين، مثل ما قام به بعض المحتجين في مصر بتوزيع بالونات مصنوعة من (الكوندوم، أو ما يُعرف بالواقي الذكري) على بعض رجال الشرطة يوم عيدهم.

وسنذكر هنا صوراً لبعض الاحتجاجات حول العالم

1- قام الفرنسيون بالاحتجاج على قانون زواج المثليين الذي أقرته السلطات الفرنسية مؤخراً حيث تجمعوا أمام البرلمان الفرنسي وقاموا بنشر عدداً كبيراً من الدجاج أمام مدخل البرلمان، تعبيرًا منهم عن غضبهم واعتراضهم على هذا القانون.
- وفي فرنسا أيضاً قام المزارعون باصطحاب قطيع من الخراف إلى متحف اللوفر العالمي حتى يضطروا الحكومة إلى التراجع عن بعض القرارات التي اتخذتها بشأن الفلاحين وترتب عليها ضرر بالطبقة الكادحة.

2- وفي تايلاند قام أعضاء من جمعية "من أجل معاملة أخلاقية للحيوانات" (بيتا) بالجلوس في أقفاص، حاملين في أيديهم لافتات تندد باستخدام جلود الحيوانات في صناعة الملابس.

3- وفي الولايات المتحدة الأمريكية اعترضت مجموعة من طلاب جامعة كاليفورنيا على قطع شجر السنديان من الغابات، وقاموا بالاعتصام فوق الأشجار، حتى أمرت المحكمة بعدم بقطع الأشجار المطلة على الجامعة.
- وفي الولايات المتحدة الأمريكية كذلك ألقى مجموعة من أعضاء حملة "كود بينك" الأحذية على مُجسم يمثل الرئيس جورج بوش، خلال تظاهرة قاموا بها أواخر عام 2008م للتضامن مع الصحفي العراقي منتظر الزيدي الذي ألقى حذاءه على بوش، وتضامناً مع عشرات الآلاف من العراقيين الذين قتلوا في الحرب الأمريكية على العراق.
- وفي الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً ابتكرت مجموعة من ملكات الجمال طريقة للاحتجاج على الصيد الجائر لأسماك القرش، حيث قامت إحدى ملكات الجمال بارتداء ملابس تشبه لون سمك القرش وأمرت بتعليقها بخطاطيف على أحد المحلات التي تبيع لحوم سمك القرش لتبدي اعتراضها على ذلك.
4- وفي فلسطين ارتدي محتجون فلسطينيون زي شخصيات من فيلم "أفاتار"، للتظاهر ضد بناء الجدار العازل الإسرائيلي في قرية بلعين بالضفة الغربية، لتشبيه أنفسهم بالشخصيات التي ظهرت خلال الفيلم وهي تحاول الدفاع عن أراضيها في هوليوود.

5- وفي بلجيكا قام المحتجون باصطحاب الأبقار معهم إلى الاحتجاج الذي تم تنظيمه أمام مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أثناء اجتماع طارئ لوزراء الزراعة الأوروبيين، حيث حاصر حوالي 3 آلاف مزارع المبنى للاحتجاج على انخفاض أسعار الحليب، وقام المحتجون برش قوات مكافحة الشغب باللبن.

6- وفي البرازيل قام مئات الأشخاص بالاحتجاج على ارتفاع تكلفة الإنفاق على ملاعب كأس العالم 2014م، بالرغم من سوء الأحوال الاقتصادية للبلاد حيث قام المحتجون بوضع كرات القدم على شاطئ "كوباكابانا" في "ريو دي جانيرو"، اعتراضاً منهم على صرف الحكومة مبالغ باهظة لتجميل ملاعب كأس العالم.

7- وفي إيطاليا عندما قام أحد مصانع الحديد والصلب بفرض برنامجاً تقشفياً من أجل تسريح العمال قام العمال بالتعبير عن احتجاجهم على هذا البرنامج بطريقة صامته، حيث فرشوا الأرض بقبعات العمل الصفراء من أجل إجبار إدارة المصنع على التراجع في القرار.

8- وفي بريطانيا، عقب صدور قرار يقضي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ابتكر البريطانيون طريقةً للاحتجاج والمطالبة بإجراء استفتاء جديد حول "اتفاق بريكست" الذي قرر ذلك، وذلك باصطحاب كلابهم وحافلات كبيرة، في مظاهرةٍ ضخمة خرجت من "هايد بارك" متجهة نحو البرلمان البريطاني في لندن، مُحدِثين ضجيجًا كبيرًا وضوضاء في محاولة لإقناع تيريزا ماي، رئيس الوزراء البريطانية بإجراء استفتاء جديد.

9- وفي المكسيك شهدت إحدى مباريات الدوري المكسيكي واحدة من أغرب طرق الاحتجاج في عالم كرة القدم، حيث وقف لاعبو فريق "فيراكروز" في الملعب دون حراك، اعتراضًا منهم على عدم دفع رواتبهم، فقام الفريق الخصم "تيجريس" بتسجيل هدفين دون أي مقاومة تذكر من فريق "فيراكروز"، وانتهت المباراة بفوز فريق "تيجريس" 3/1، وبعد المباراة قال "فيدل كوري" مالك فريق "فيراكروز" أنه شعر بالحرج من الجماهير، وأضاف أن اللاعبين على حق، ولكنهم جعلوا الفريق أضحوكة العالم.

10- وفي سويسرا قام محتجون بصبغ نهر ''آر'' الشهير في سويسرا بمادة عضوية خضراء، للتحذير من تلوث مُحتمل لمياه الشرب في المنطقة، وذلك في خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على مخاطر تفكيك مستودع ذخيرة سابق للجيش السويسري، في إحدى القرى القريبة من النهر، وجاء الاحتجاج بعد الاستعانة بخبراء أكدوا أن تفكيك الذخيرة في الموقع يمكن أن يلوث الأرض ومياه الشرب.
- وفي مدينة زيورخ السويسرية أيضاً قام الممثل الكوميدي البريطاني "سيمون برودكين" بطريقةٍ كوميدية للاحتجاج على الفساد حيث قام بإلقاء كمية كبيرة من الدولارات المزيفة على البريطاني " جوزيف بلاتر"، تعبيرًا منه عن حجم الفساد الذي استشرى بالاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، وكان ذلك أثناء مؤتمرٍ صحفيٍ عقده رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" جوزيف بلاتر، بمقر الفيفا بمدينة زيورخ السويسرية.

11- وفي كندا ابتكر أحد المواطنين أسلوباً جديداً لإظهار احتجاجه على سوء أحوال الطرق السريعة في البلاد، فقام بتصوير نفسه في زورق على أحد الطرق الرئيسية وهو داخل حفرة كبيرة موجودة على الطرق، وعلق على الصورة قائلاً "على الطرق! أنت في مشكلة دائمة".

12- وفي المغرب حدثت احتجاجات دامت أشهر عدة، عقب وفاة الشاب "محسن فكري" مطحوناً في شاحنة لجمع القمامة. قرر حينها عدداً من النشطاء الخروج في مسيرة شارك فيها المئات، وهم يلبسون الأكفان، ليعبروا عن رفضهم لما أسموه بـ"تهميش الدولة لمنطقة الريف".

إن هذه مجرد نماذج، وصور من صور الاحتجاج حول العالم، وليس هناك أبلغ ولا أروع مما قام به المصريون أثناء ثورة 25 يناير التي تمكنوا من خلالها من خلع الرئيس مبارك الذي ضربت جذور الفساد في عهده كل شبر من أرض مصر لمدة ثلاثين عاماً.

وأخيراً أقول:

تتعدد العوامل التي تؤدي إلى احتجاج المواطنين حول العالم وتختلف صور الاحتجاج ولكن في النهاية يمكننا أن نقول أن الاحتجاج وسيلة لتصحيح أمر يراه المحتجون أنه خاطيء، مع الأخذ في الاعتبار أن ما يعاني منه المواطنون في مكان قد يتمناه غيرهم في مكان آخر، وأسلوب الاحتجاج الذي يُجدي في مكان، ليس بالضرورة أن يُجدي في مكان آخر، وما يُسمح به في مكان قد لا يُسمح به في مكان آخر، فلكل مجتمع امكانياته وثقافته وأعرافه وقوانينه.

ليست كل المواقف يصلح معها حذاء "الصحفي العراقي منتظر الزيدي"، وليست كل المواقف يصلح معها بيضة الشاب الأسترالي الصغير "ويل كونولي" التي قام بكسرها في رأس السيناتور الأسترالي " فريزر إينينج" عقب تصريحاته المستفزة بخصوص الحادث الإرهابي ضد المسلمين في نيوزيلندا!!

لذا يمكننا أن نقول أن الإبداع في الاحتجاج أمر هام في ضوء أعراف المجتمع، وبما لا يتوقعه الفرد أو الجهة الموجه إليها هذا الاحتجاج ليكون أكثر فاعلية وأكثر تأثيراً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الرحمة…. في سورة مريم

منذ أن تبدأ في قراءة سورة مريم، تطالعك كلمة "رحمةُ ربّـك" في أوّل مطلعها، لتشعرك …