أزمة مَجْمَع اللغة العربية بالقاهرة ولماذا تتراجَع أدوار مؤسساتنا الثقافية

الرئيسية » بصائر الفكر » أزمة مَجْمَع اللغة العربية بالقاهرة ولماذا تتراجَع أدوار مؤسساتنا الثقافية
281996-2100864699

عرفت الفترة الماضية، أزمة حول رئاسة مَجْمَع اللغة العربية بالقاهرة (مَجْمَع الخالدين)، انتهت باتِّخاذ الدكتور خالد عبد الغفَّار وزير التعليم العالي المصري، في التاسع عشر من نوفمبر الماضي، قرارًا بتعيين الناقد والمفكِّر الدكتور صلاح فضل، قائمًا بأعمال رئيس المَجْمَع "لحين اتخاذ الإجراءات الصحيحة لانتخاب رئيس المَجْمَع الجديد".

تعيين فضل في هذا المنصب، جاء على حساب نتائج انتخابات جرت في التاسع عشر من أكتوبر الماضي، نتجَ عنه فوز الدكتور حسن الشافعي بالمناصب للمرَّة الثالثة على التوالي؛ حيث فاز الشافعي بـ17 صوتًا مقابل 9 للدكتور فضل، [إجمالي المُصوِّتين كان 28 من 32 هم أعضاء المَجْمَع، وكان من بينهم صوتان باطلان].

لكن هذه الانتخابات لم تكُن اعتيادية؛ حيث جرت بعد أشهر قليلة من الانتخابات الأصلية لاختيار رئيس المَجْمَع بعد انتهاء الفترة الثانية لرئاسة الشافعي له؛ حيث جرت في السابع عشر من فبراير الماضي، الانتخابات الأصلية، وفاز بها الشافعي بـ27 صوتًا من 32.

لكن سقوط اسم أحد الحضور من محضر التصويت، برغم أنَّه لم يكُن مُؤثِّرًا في النتيجة النهائية للتصويت، قاد إلى عدم اعتماد وزارة التعليم العالي للانتخابات، وتم الدفع بالدكتور صلاح فضل في الانتخابات الأخيرة أمام الشافعي، ولكن الدكتور حسن الشافعي ظل متفوِّقًا عليه.

قرار الوزير الدكتور خالد عبد الغفار في إلغاء نتائج الانتخابات الأخيرة، استند إلى أنَّ لائحة المَجْمَع تنُصُّ على ألَّا يتولَّى رئيس المَجْمَع أكثر من فترتَيْن، بحسب تصريح منشور للدكتور صلاح فضل.

هذا الأمر يثير بعض التساؤلات المشروعة، مثل: هل كان جميع أعضاء المَجْمَع يجهلون ما تنُصُّ عليه اللائحة في هذه النقطة الجوهرية عندما وافقوا على ترشيح الدكتور حسن الشافعي في انتخابات فبراير ونوفمبر؟!.. هذا الأمر مُستَبْعَدٌ بطبيعة الحال.

ثم لماذا لم يتم الانتباه إلى هذه النقطة إلا بعد الفوز الثاني للدكتور حسن الشافعي؟!.. هذا السؤال بالذات – بالفعل – يشير إلى صحة ما تقول به غالبية من المتابعين للأمر، بأنَّ هناك جانبًا سياسيًّا في الموضوع.

ولكن ذلك الوضع يثير السخرية من الحكومة المصرية التي أرادت استبعاد الشافعي على خلفياته السياسية.

فالذكاء السياسي، كان يفترض – حتى – أنْ يتم استبعاد الشافعي بهذه الحُجَّة؛ حُجَّة عدم أحقيته في الترشُّح لفترة ثالثة بموجب اللائحة، بدلاً من استدعاء صلاح فضل المُقَرَّب من دوائر السلطة في مصر، لخوض الانتخابات أمام حسن الشافعي، فيحدث ما حدث من اضطرار السلطات المصرية من استبعاد الشافعي قسرًا وعلنًا.

فاستدعاء فضل كان على أمل أنْ يخسرَ هذا الأخير الانتخابات أمامه، على كون صلاح فضل من الرموز الفاعلة في الساحة الفكرية والثقافية المصرية والعربية، فيكون استبعاد الشافعي – لو كان قد خسر انتخابات نوفمبر أمام فضل – قد تمَّ بشكل غير مباشرٍ بدلاً من الإقصاء المباشر العلني كما تمَّ في نهاية المطاف، وهو ما سمح للكثيرين بانتقاد الحكومة المصرية، ووصف الأمر بأنه "إهدار حق الانتخاب في مصر".

يعمل الدكتور حسن الشافعي أستاذًا للفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وكان مستشارًا لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وأحد المُقَرَّبين منه، وكان عضوًا في هيئة صياغة الدستور في العام 2012م، وله الكثير من المواقف السياسية المتعارِضة مع منظومة الحكم الحالية في مصر، مثل رفض عزل مرسي وفض اعتصام رابعة بالقوة.

ولكن، وبعيدًا عن تفاصيل هذه الحالة على وجه الخصوص؛ فإنَّها تفرض علينا إلقاء الضوء على جانبٍ مهجور من خسائر مجتمعاتنا العربية في سنوات الصراع والدماء الحالية، والتي تفكَّكت فيها دولٌ ومجتمعات، وهي الخسائر في الجانب الثقافي والمعرفي، في ظل وجود أولويات لا يمكن أنْ تتراجع إلى الخلفية لصالح أي شيء آخر، تشمل الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة نفسها.

ولكن هذا الأمر، ليس من نافل القول، أو من فرعيِّ الأمور، حتى بعيدًا عن عبارات يراها البعض طنطنات فارغة في ظل صراع الحياة والموت الجهنمي الذي يخوضه العرب منذ سنوات، مثل "أهمية الثقافة بالنسبة للأمم الناهضة والباحثة عن دور حضاري"؛ بل إنَّ هذا الأمر يخص أمورًا هي مِن صميم بقائنا وحياتنا كبشرٍ.

فعلى سبيل المثال؛ لفتت اليونيسيف النظر مؤخرًا إلى أنَّه في وقتنا الحالي؛ بات هناك جيل كامل من الأطفال السوريين من دون تعليم. هذه للأسف حقيقة مؤسِّية؛ حيث دخلت الحرب الأهلية السورية، بما رافقها من سنوات لجوء وهجرة، عامها الحادي عشر.

أحد المظاهر المهمة لهذه النوعية من الخسائر، إغلاق الكثير من المنابر ومنصات النشر والكتابة والتأليف في كثير من بلدان عالمنا العربي، وبخاصة البلدان التي شهدت صراعات أهلية مسلحة، أو تأثَّرت بها، مثل سوريا ولبنان، واللتَيْن كانتا من أهم منابر العلم والثقافة في العالم العربي، بل إنَّه – على ذِكْر أزمة رئاسة مَجْمَع اللغة العربية بالقاهرة – كانت سوريا هي أول بلد عربي، والوحيد حتى الآن، الذي تبنَّى خطة شاملة لتعريب العلوم، وبدأت بالعلوم الطبية؛ حيث يتم بالفعل تدريس العلوم باللغة العربية في الجامعات السورية.

وساهم في هذه الحالة، الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي فاقمتها الأزمات المتعاقبة بسبب الحروب والصراعات الداخلية، أو بسبب الأزمة التي تسبب فيها وباء "كوفيد_19".

وهنا يظهر لنا ملمحٌ سلبيٌّ آخر، وهو أنَّ أول الأنشطة التي يتم الاستغناء عنها أو تقليص التمويل المُوجَّه إليها من جانب أيَّة حكومة عربية في حال وجود عَوَز اقتصادي، غالبًا ما يكون ما له علاقة بالنشاط الثقافي والإعلامي.

الجانب الآخر المهم هنا، هو اختفاء التواصُل بين المؤسسات الثقافية العربية، وغياب منظومة العمل العربي الثقافي في الإطار المُشْترَك بشكل عام.

ويعيدنا هذا إلى ذِكْر أزمة مَجْمَع اللغة العربية بالقاهرة. فدمشق هي مقر أقدم مجامِع اللغة العربية؛ حيث تأسس في العام 1919م، ويعدُّ بمثابة المَجْمَع المركزي لباقي المجامِع اللغوية الموجودة في الدول العربية.

ولكن ظروف الحرب السورية، والخلافات السياسية بين أنظمة وحكومات عربية عدة وبين النظام السوري، سواء على خلفية الجرائم التي ارتكبها النظام السوري بحق شعبه، أو بسبب مواقف مبدأية قديمة من قبل الحرب، منعت أيَّة أنشطة كان يقوم بها مَجْمَع دمشق قبل الحرب السورية بشكلٍ مُشتَرَك مع باقي المجامع اللغوية العربية.

ومن قَبْل ذلك؛ لم تنتشر رسالة المَجْمَع الأساسية التي تأسس لأجلها في الأصل، وهي تعريب العلوم، وتعريب دراسة العلوم التطبيقية، على مستوى العالم العربي بسبب الخلافات السياسية التي ظهرت مع أنظمة البعث في العراق وسوريا بشكل عام، أو بسبب العلاقات الإيجابية بين النظام السوري وبين إيران التي يوجد بينها وبين عدد من دول الخليج العربي، أزمات تبدو وجودية!

في الأخير؛ فإنَّ كُل ما سبق، إنَّما هو عناوين رئيسية ورؤوس موضوعات، تقع أسفلها الكثير والكثير من التفاصيل التي تثير العديد من الشجون حول حال ما آلت إليه لغة القرآن الكريم، وثقافة أُمَّة "اقرأ".

وهذه الأمور ليست مُنبتَّة الصِّلَة عن قضايا ومساحات العمل الإسلامي المختلفة؛ حيث تكفي هنا الإشارة إلى أنَّ الثقافة العربية واللغة العربية، هي صُلْب هذا الدين، ويكفي أن نرى أنَّ الشعوب المسلمة الناطقة بالفارسية والأردية، لا تزال للآن حريصةً على كتابة لغاتها الأُمِّ بالأبجدية العربية، وإرسال أبنائها للتعلُّم في دور العلم والجامعات الإسلامية في الدول العربية الكبيرة ذات التاريخ في هذا الأمر، مثل جامعة الأزهر في مصر.

وهو ما يستوجِب الاهتمام بها من جانب العاملين في حقول الدعوة والعمل الإسلامي المختلفة، والبحث في صيغٍ للتعاون بين هذه المؤسسات، وإقامة المناشط المختلفة حتى لو بمبادرات فردية، وبحضور رموز من هذه المؤسسات من دون تمثيل رسميٍّ لها، كأضعف الإيمان على أقل تقدير!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

2020 وعام الرمادة لقضايا الأمة!

في العامٍ 2006م، صدر للكاتب والمفكر الإسلامي المصري أمين هويدي، كتابٌ بعنوان "خيولنا التي لا …