المقاطعة الاقتصادية قتل بلا سكين وحرق بلا دخان (2 -2)

الرئيسية » بصائر الفكر » المقاطعة الاقتصادية قتل بلا سكين وحرق بلا دخان (2 -2)
57-281

إن سلاح #المقاطعة الاقتصادية هو أحد وسائل الاحتجاج والنضال السلمي لتأديب بعض الدول وأرباب بعض الشركات الكبرى في العالم لمواقفهم المُخزية وسياساتهم المُتعنتة، وذلك لما يُعرف عن صاحب رأس المال بأنه جبان وأنه يُوَلِّي وجهه قِبَل الدولار واليورو.

إن الضغط بسلاح المقاطعة يتطلب حُسن الترتيب والتنظيم وتوفير البدائل المناسبة، كما يتطلب اتباع سياسة النفس الطويل ، لأن الدول والشركات الكبرى تكرِّس أموالاً طائلة ورأس مال ضخم يجعلها لا تتأثر إلا على المدى البعيد، فبعض الشركات العالمية قد تفوق ميزانيتها ميزانية دولة.

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع بفضل الله تعالى عن:-

أولاً: تعريف المقاطعة الاقتصادية وأهميتها.
ثانياً: الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية.
ثالثاً: بعض جوانب التأصيل الشرعي للمقاطعة الاقتصادية.
رابعاً: ضوابط يجب مراعاتها عند استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية.
خامساً: الفوائد العشر للمقاطعة الاقتصادية.

وفي هذا الموضوع سنتحدث بإذن الله تعالى عن:-

سادساً: نماذج من المقاطعة الاقتصادية عبر التاريخ

لقد جربت الهند سلاح المقاطعة الاقتصادية على يد زعيمها المناضل غاندي الذي نجح في هز اقتصاد بريطانيا، وجربه المصريون ضد الإنجليز كذلك، وجربه الملك فيصل ضد الكيان الصهيوني، وجربه أصحاب البشرة السوداء ضد التمييز العنصري في أمريكا وفي جنوب إفريقيا... إلخ.

ومن هنا نعلم أن سلاح المقاطعة ليس بجديد ولا بمُستحدث بل له جذور تاريخية في أماكن مختلفة من العالم كوسيلة من وسائل الضغط، لإخضاع الطرف الآخر والتخلص من صلفه وتعنته ..

وفيما يلي عرضٌ موجز لبعض هذه الأمثلة:-

1- الخليفة عبد الملك بن مروان يصنع الدينار الإسلامي ويقاطع الدينار البيزنطي

عندما وصل عبد الملك بن مروان إلى الحكم أمر بأن تكتب على ورق البردي الذي يُباع إلى الروم شهادة أن لا إله إلا الله، فهدَّد ملك الروم بأن يسك على نقود الروم التي يستعملها المسلمون ما يُسيء إلى النبي ﷺ، هنا غضب الخليفة عبد الملك بن مروان من تهديد ملك الروم فنصحه أحد مستشاريه وهو خالد بن يزيد بضرب النقود بالعربية ومقاطعة النقود البيزنطية، ففعل عبد الملك بن مروان.

تم بالفعل سك الدينار الإسلامي ونقش عليه "سورة الإخلاص" و"لا إله إلا الله"، كما وضع على وجهيه طوقاً كتب عليه "ضرب هذا الدينار بمدينة كذا" و"محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون".

كان سك أول عُملة إسلامية سبباً في توتر العلاقة بين الخليفة عبدالملك بن مروان والإمبراطور البيزنطي جستينيان، الذي كان يرى أن سك العُملة حكر له ولبلاده.

وبالرغم من ذلك فإن سك الدينار الإسلامي كان سبباً في ازدهار اقتصاد الدولة الأموية، ودعم استقلاليتها عن الدول المجاورة وتقوية سيادتها.

2- مسيرة الملح في الهند

في عام 1931م طالب غاندي السلطات البريطانية بتخفيض سعر الملح الذي تبيعه بريطانيا للهنود بأسعار باهظة وإلا سيترتب على ذلك ما لا تحمد عُقباه للاقتصاد البريطاني، غير أن بريطانيا لم تكترث بطلب غاندي ومن معه.

قرر غاندي أن يُعاقب بريطانيا على رفضها لطلبه، بطريقة غريبة وغير متوقعة. قام غاندي ومعه 79 فرداً من أتباعه بمسيرة قطعوا فيها مسافة قدرها 300كم استمرت لبضعة أسابيع متواصلة لم يستريحوا فيها إلا يوم الاثنين من كل أسبوع؛ وذلك من أجل هدف محدد، وهو استخراج الملح بأنفسهم من أجل الاستغناء عن الملح البريطاني.

عندما انتشر خبر المسيرة صمم الهنود على المشاركة فيها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الملح، وقد أدى هذا التصرف من غاندي ومن معه إلى أن اضطرت بريطانيا إلى توقيع "معاهدة دلهي" عام 1931م، التي اعتُبرت مُذِلَّة لبريطانيا.

3- مقاطعة الشعب المصري للاحتلال الانجليزي

في أوائل عام 1922م قام الزعيم المصري سعد زغلول بتوجيه نداء إلى المصريين دعاهم فيه إلى مواصلة النضال ضد الاحتلال البريطاني وقال في ندائه "فلنشق إذن بقلوب كلها اطمئنان، ونفوس ملؤها استبشار، وشعارنا الاستقلال التام أو الموت الزؤام".

نتيجة لهذا التحريض الثوري من قبل سعد زغلول قامت السلطات البريطانية بتهديده، وحين لم يُجدي التهديد معه نفعاً قامت باعتقاله هو وزملائه.

أعلن حزب الوفد احتجاجه على هذه الاعتقالات، وقامت العديد من المظاهرات في العديد من المدن المصرية، وفي 23 يناير 1922 أصدر حزب الوفد قرارًا بتنظيم مقاومة سلمية ضد السياسة البريطانية تشمل (قطع العلاقات الاجتماعية مع الانجليز، وامتناع السياسيين المصريين عن تشكيل الوزارة، ومقاطعة التجارة والبنوك والسفن وشركات التأمين الإنجليزية)، وغير ذلك من الوسائل التي كبدت الاقتصاد الانجليزي خسائر فادحة.

4- أصحاب البشرة السوداء في أمريكا يقاطعون شركة النقل العام المحلية

في خمسينيات القرن الماضي قام "مارتن لوثر كينج" بدعوة أصحاب البشرة السوداء في أمريكا إلى مقاطعة شركة حافلات النقل العام الأمريكية لما يحدث فيها من تمييز عنصري ضد السود، حيث لم يكن يُسمح للسود بالجلوس في الحافلات الأمريكية وإن جلسوا فليكن في مؤخرة الحافلة.

استمرت مقاطعة السود لحافلات النقل العام الأمريكية لمدة عام كامل مما أثر كثيراً على إيراداتها، حيث كان السود يمثلون 70 % من ركاب تلك الحافلات.

ورغم التهديد والاعتقال أصر مارتن لوثر على مواصلة المقاطعة إلى أن أصدرت المحكمة الأمريكية حكمها التاريخي الذي ينص على عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية. وحينها طلب مارتن لوثر من أتباعه أن ينهوا المقاطعة ويعودوا إلى استخدام الحافلات.

5- مقاطعة جنوب إفريقيا بسبب سياسة الفصل العنصري

في 29 يونيو 1949م تم تطبيق سياسة الفصل العنصري "الأبارتيد" في جنوب أفريقيا من قبل الأقلية البيضاء الحاكمة (هو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من عام 1948 وحتى تم إلغاء النظام بين الأعوام 1990 - 1993 وأعقب ذلك انتخابات ديموقراطية عام 1994م).

بالرغم من أن عدد السكان البيض في ذلك الوقت كان لا يزيد عن 5 ملايين نسمة، بينما "البانتو" (أصحاب البشرة السوداء وغيرهم من السكان الملونين والهنود) كان عددهم يناهز 30 مليون نسمة، عانوا جميعاً سياسة "الأبارتيد" طوال ما يقرب من نصف قرن.

وفي خمسينات القرن الماضي تشكلت الكثير من الحركات المناهضة لسياسة التميز العنصري في جنوب أفريقيا غير أن هذه الحركات تمت مناهضة أصحابها الداعين إليها والمنضمين لها مما زاد الأمور تأزماً.

وفي عام 1960 قامت مجموعة من المواطنين السود بالتوجه إلى مدينة "شاربفيل" وطالبوا مركز الشرطة هناك أن يقوم باعتقالهم كنوع من أنواع الاحتجاج والتعبير عن رفض سياسة التفرقة العنصرية إلا أن قوات الشرطة قامت بإطلاق النار على المواطنين السود بحجة أنهم وصلوا إلى المدينة دون الحصول على تصاريح اجتياز مما تسبب في مقتل وإصابة حوالي 300 شخص من بينهم 29 طفل.

إن ما حدث من قبل الشرطة في "مدينة شاربفيل" حرَّك الرأي العام الدولي وجعل دول العالم تتخذ حزمة من القرارات والإجراءات لإثناء السلطات في جنوب إفريقيا عن سياستها ضد السود، وكان من أبرز القرارات والإجراءات هي المقاطعة الدولية لجنوب إفريقيا والتي تمثلت في (اقصاء جنوب إفريقيا من الكومونولث، فرض عقوبات اقتصادية على التجارة والاستثمار مع جنوب إفريقيا، المقاطعة الثقافية الرياضية -حيث تم استبعاد جنوب إفريقيا من دورة الألعاب الأولمبية عام 1964م)، وغير ذلك من الإجراءات الأخرى الرادعة.

وبالرغم من كل ما سبق استمرت المواجهات القمعية ضد السود في جنوب إفريقيا مما دفع مجلس الأمن للتصويت بالحظر الإلزامي لبيع السلاح لجنوب إفريقيا، وفي عام 1985 قامت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية على جنوب إفريقيا مما دفعها إلى إلغاء قوانين التفرقة العنصرية عام 1989م.

وفي الفترة من 1990 إلى 1993م تم إعداد دستور جديد للبلاد والذي بموجبه تم منح المواطنين السود حق الاقتراع وحق المشاركة في تشكيل الحكومة؛ وبذلك تم وضع نهاية لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عام 1994م، بعد حوالي نصف قرن من النضال السلمي داخلياً والمقاطعة الدولية خارجياً.

6- الملك فيصل يستخدم سلاح المقاطعة ضد الكيان الصهيوني

قام الملك فيصل رحمه الله باستخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية ضد الكيان الصهيوني في أعقاب حرب 1967م وأثناء حرب 1973م حيث أعلن حظر البترول السعودي عن بريطانيا والولايات المتحدة، واتسعت دائرة المشاركة في هذه المقاطعة حيث انضمت لها دول الخليج مما أثر على مُجريات الأمور لصالح مصر والدول العربية.

7- الشعب الأرجنتيني ومقاطعة البيض

في عام 2008م قامت شركات إنتاج البيض في الأرجنتين برفع سعره، فما كان من الشعب الأرجنتيني إلا أن قرر مقاطعة شراء البيض.

استمر الشعب الأرجنتيني في المقاطعة لمدة أسبوعين مما ترتب على ذلك أن خسرت شركات إنتاج البيض خسارة كبيرة، ومما اضطرها للتراجع عن الزيادة التي فرضتها.

استمر الشعب على موقفه في المقاطعة فأدى ذلك الإصرار من الشعب إلى أن اجتمع التجار مرة أخرى وقرروا تقديم اعتذار رسمي للشعب الأرجنتيني عن طريق جميع وسائل الإعلام، كما قاموا بتخفيض سعر البيض إلى ربع القيمة السابقة.

8- مقاطعة الشعوب العربية والإسلامية للاقتصاد الفرنسي

نتيجة لقيام الرئيس الفرنسي ماكرون بالادعاء أن الدين الإسلامي في أزمة، ونتيجة ما قامت به السلطات الفرنسية من تضييق على المسلمين ومحاربتهم في عقيدتهم وشعائرهم التعبدية، ثارت ثائرة الشعوب الإسلامية مُطالبة بالمقاطعة الشاملة لكل ما هو فرنسي، ومما زاد الطين بلة وألهب مشاعر المسلمين هو إصرار فرنسا على إعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي ﷺ .

إن الدعوات بمقاطعة الاقتصاد الفرنسي بل وكل ما هو فرنسي انتشرت في أرجاء العالم كانتشار النار في الهشيم وظهر ذلك جلياً في كل مكان وبكل وسائل التعبير عن الغضب ووسائل إظهار الغيرة على الإسلام وعلى نبي الإسلام ﷺ.

إن موجة المقاطعة هذه وخاصة مقاطعة المنتجات الفرنسية قد أوجعت فرنسا وهددت أو أوشكت أن تهدد اقتصادها، لذلك دعت فرنسا حكومات الدول الإسلامية إلى وقف دعوات المقاطعة ولكن لسوء حظ فرنسا فإن القرار هذه المرة ليس في يد الحكومات لأن الشعوب تصر إصراراً لا هوادة فيه على تأديب فرنساً ثأراً لنبيها ﷺ.

هذه مجرد نماذج بسيطة من نماذج المقاطعة التي تمت في عصور وأزمنة مختلفة حول العالم، فالنماذج أكثر من أن تذكر في موضوع كهذا، وما الحملات التي قام بها المسلمون حول العالم لمقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية عنا ببعيدة ولا بخفية، ففي إحدى خطبه عن واجبات الأمة نحو فلسطين توجه فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي بخطاب لمؤتمر القمة الإسلامية التاسع المنعقد في قطر في 12 نوفمبر 2000م فقال: "إن قضيتنا المركزية -يعني فلسطين- لا يُمكن أن تحل إلا بالجهاد، هذا ما علمناه التاريخ، وما علمناه الواقع. والجهاد ألوان وأنواع، منها الجهاد بالمقاطعة، مقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية وكل من يؤيد إسرائيل. يجب أن يشعر هؤلاء أن الأمة الإسلامية تعرف من يعاديها ومن يصادقها، من هو لها ومن هو عليها. لا ينبغي أن أُربِّح الذين يقتلون إخواننا وأخواتنا وأبناءنا وبناتنا في فلسطين واشتري منهم السلعة، ثمن هذه السلعة قد يتحول إلى رصاصة تقتل إخواننا وأخواتنا هناك".

وأخيراً أقول

لقد أثبت التاريخ أن أسلوب المقاطعة أعظم وسائل القوة الناعمة والحرب الباردة التي تقتل بلا سكين وتحرق بلا دخان .

إن المقاطعة حين تستمر بمفهومها الشامل والصحيح فإن العدوَّ لا يسَعُه إلا أن يرضخ لمطالب المقاطعين ويغيِّر من موقفه وسياسته تجاههم.

إن المقاطعة قد أذلت الامبراطورية البريطانية في الهند، وأذلت أمريكا في عُقر دارها، لذلك فإن المقاطعة بإذن الله تعالى قادرة على أن ترغم أنف فرنسا وتجعلها تصدر قانوناً يُجرِّم الإساءة للدين الإسلامي ورموزه ومقدساته، ويكفل للمسلمين في فرنسا حرية العبادة وحرية إقامة شعائرهم وممارسة طقوسهم، وما ذلك على الله بعزيز.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

المقاومة الفلسطينية: الآن نبادرهم ولا يبادرونا

المعركة القائمة الآن معركة فاصلة حقا، غير كل المعارك السابقة، وسيكون لها ما بعدها بإذن …