المقاطعة الاقتصادية قتل بلا سكين وحرق بلا دخان (1-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » المقاطعة الاقتصادية قتل بلا سكين وحرق بلا دخان (1-2)
boycott-france1

إن الوسائل السلمية الفعالة للاحتجاج أصبحت كثيرة ومتعددة وأكثر فاعلية في ظل ما يٌسمى بعصر السماوات المفتوحة، وفي ظل تنوع وسائل الاتصال والتواصل حول العالم.

ومن وسائل الاحتجاج المشهورة (المقاطعة الاقتصادية، جمع التوقيعات، تفعيل الوسوم، تنظيم المسيرات، نشر الملصقات، تأليف الأغاني والأناشيد)، وغير ذلك من الوسائل التي تتسم بالإبداع وتبتعد عن المواجهة المباشرة، وتبتعد كذلك عن إثارة الفوضى والعبث بالممتلكات.

إن سلاح المقاطعة الاقتصادية هو أحد وسائل الاحتجاج والنضال السلمي لتأديب بعض الدول وأرباب بعض الشركات الكبرى في العالم لمواقفهم المُخزية وسياساتهم المُتعنتة، وذلك لما يُعرف عن صاحب رأس المال بأنه جبان وأنه يُوَلِّي وجهه قِبَل الدولار واليورو.

إن الضغط بسلاح المقاطعة يتطلب حُسن الترتيب والتنظيم وتوفير البدائل المناسبة ، كما يتطلب اتباع سياسة النفس الطويل، لأن الدول والشركات الكبرى تكرِّس أموالاً طائلة ورأس مال ضخم يجعلها لا تتأثر إلا على المدى البعيد، فبعض الشركات العالمية قد تفوق ميزانيتها ميزانية دولة.

ولكي نضمن تفعيل المقاطعة الاقتصادية فلابد من العمل على تحقيق الوعي الشعبي الشامل بأهمية وضرورة المقاطعة، وحث الأفراد على الاستعداد للمزيد من التضحية كلما اتسعت دائرة المقاطعة، فالخصم يعتبر أن مقاطعته اقتصادياً درباً من دروب إعلان الحرب عليه، ويعدها حرباً صفرية، النصر فيها للأكثر تضحية والأكثر تحملاً والأطول نفساً.

لكي نضمن تفعيل المقاطعة الاقتصادية فلابد من العمل على تحقيق الوعي الشعبي الشامل بأهمية وضرورة المقاطعة، وحث الأفراد على الاستعداد للمزيد من التضحية كلما اتسعت دائرة المقاطعة

أولاً: تعريف المقاطعة الاقتصادية وأهميتها

المقاطعة الاقتصادية هي الامتناع عن معاملة الآخر اقتصادياً وفق نظامٍ جماعي مرسوم بهدف الضغط عليه لتغيير سياسته تجاه قضية من القضايا.

أهمية المقاطعة الاقتصادية

إن المقاطعة الاقتصادية هي نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله ، فلو نظرنا لتعريف الجهاد لوجدنا أنه يقصد به (المبالغة في بذل الوسع من القول والفعل وكل ما يُطاق من شيء من أجل تحقيق غاية شرعية).

قال الكاساني : "الجهاد في عُرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك" اهـ.

والجهاد له درجات مختلفة، وهي (الجهاد بالنفس- الجهاد بالقول- الجهاد بالمال- الجهاد بالعمل- الجهاد بالقلب)، ومما تقدم فإن المقاطعة الاقتصادية تدخل في مفهوم الجهاد بمعناه العام، لما فيها من حرمان النفس من بعض المكاسب والملذات من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين من المسلمين.

المقاطعة الاقتصادية تدخل في مفهوم الجهاد بمعناه العام، لما فيها من حرمان النفس من بعض المكاسب والملذات من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين من المسلمين

ثانياً: الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية

إن المقاطعة الاقتصادية سلاح من أسلحة الضغط والردع، وعند استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية علينا أن نستصحب فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد.

إن الغاية الأساسية من استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية هو إما (جلب مصلحة) أو (درء مفسدة)، فينبغي علينا أن نتأكد من أن المقاطعة الاقتصادية تحقق مصلحة تتمثل في إيقاع الضرر بالكفار والنكاية بهم، بشرط ألا يُفضي ذلك إلى مفسدة أعظم من المفسدة التي نسعى لإزالتها أو تخفيفها.

وبناءً على ما تقدم فإن اتخاذ قرار المقاطعة الاقتصادية يجب أن يكون مُهمة الراسخين في العلم في هذا الجانب لكونهم أقدر وأجدر بالموازنة بين المصالح والمفاسد ، ولكونهم أقدر وأجدر من خلال فقه الدليل وفقه الواقع.

وقبل أن نبين الحكم الشرعي النهائي في هذه النقطة علينا أن نفهم أنه من المقرر شرعاً أن (الأصل في الأمور الإباحة حتى يرد دليل بمنعها)، وأن التعامل الاقتصادي مع الكفار مُباح شرعاً عدا بعض الاستثناءات التي تقدر بقدرها حسب العقود المُبرمة وحسب أطرافها، وهي كالتالي:-

1- عقد مع أهل الذمة أو مع المشركين يحصل بمقتضاه أمر مُحرَّم "مثل استيراد الخمور والمسكرات وغيرها"، فهذا العقد باطل.

2- عقد مع أهل الذمة أو مع المشركين المحاربين والمعاهدين لهم، وهذا العقد باطل أيضاً لما يترتب عليه من رواج لمنتجاتهم وتقوية لاقتصادهم، كما أن هذا العقد يندرج تحت الموالاة للمشركين المنهي عنها شرعاً.

3- عقد مع أهل الذمة أو مع المشركين يُفضي إلى إلحاق الضرر بالمسلمين عن طريق تخصيص نسبة من الأرباح لمحاربة المسلمين أو لدعم من يحاربون المسلمين فهذا العقد يحكم عليه من خلال المنتجات المستوردة، فإذا كانت السلع المستوردة من قبيل الضروريات وليس لها بدائل لدى دول محايدة فالعقد مباح لدرء المفسدة، مع ضرورة العمل على إنتاج البديل أو العمل على توفيره من إحدى الدول المحايدة.

4- عقد مع أهل الذمة أو مع المشركين المحايدين ويحصل بمقتضى هذا العقد أمراً مباحاً، فهذا عقد مباح.

مما تقدم نخلص إلى أن المقاطعة الاقتصادية للمشركين المحاربين والمعاهدين غير المحايدين واجبة شرعاً.

ثالثاً: بعض جوانب التأصيل الشرعي للمقاطعة الاقتصادية

إن أهل العلم قد حرَّموا بيع العنب لمن يتخذه خمراً، أليست هذه مقاطعة!!

وحرَّموا بيع السلاح لأهل الحرب أو وقت الفتنة خشية استعماله لقتل المسلمين، أليست هذه مقاطعة!!

وحَرَّموا إقراض من يغلب على الظن أنه يصرف ماله في محرَّم، أليست هذه مقاطعة!!

فكيف إذا كان عين الثمن الذي نشتري به السِّلع يُعين على قتل مسلم أو يُستعان به على كفر بُواح؟!

أما عن جوانب التأصيل الشرعي للمقاطعة الاقتصادية، فنذكر منها:-

1- إن نبي الله يوسف عليه السلام قاطع إخوته قائلاً لهم: {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ} [يوسف:60].
- فالمقاطعة درب من دروب دفع الظلم من أجل الوصول إلى الحق.

2- إن الله تعالى قد خاطب النبي ﷺ قائلاً: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: من الآية73].
- من هنا نعلم أن إلحاق الضرر بالكفار والمنافقين بأي وسيلة كانت هو نوع من أنواع الجهاد وجائز شرعاً.

3- قال تعالى في شأن المؤمنين: {... وَلا يَطَؤونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: من الآية120].
- المقاطعة الاقتصادية نَيْلٌ من الكفار وإغاظة لهم، ومن القربات التي يتعبد بها المؤمنون لربهم.

4- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد كان أَهْدَى جملَ أبِي جهلٍ الذي كان استُلِبَ يومَ بدرٍ في رأسِهِ بُرَّةٌ من فِضةٍ عامَ الحديبيةِ في هَدْيهِ وقال في موضعٍ آخرَ: ليغيظَ بذلكَ المشركينَ" (مسند أحمد الجزء بإسناد صحيح).
- من هنا نفهم أنه من الواجب على المسلمين الإبداع واستفراغ كل الجهد من أجل إغاظة المشركين.

5- جاء حديث البخاري الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "لَمَّا قَدِمَ ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ مَكَّةَ قَالَ له قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لَا، ولَكِنْ أسْلَمْتُ مع مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، ولَا واللَّهِ، لا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ، حتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النبيُّ ﷺ" (صحيح البخاري).
- إن ما فعله ثمامة بن أثال من تهديد للمشركين بمنع الحنطة عنهم، شكل من أشكال المقاطعة الاقتصادية لتأديبهم ولكف أذاهم.

والمواقف والأحداث في هذا الجانب كثيرة، بل أكثر من أن تحصى.

رابعاً: ضوابط يجب مراعاتها عند استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية

1- إن المقاطعة حقٌّ مشروع لكل شعوب الأرض، والمقاطعة لا يجب أن تكون أمراً عاطفياً يفتر أو ينقطع بعد فترة بل لابد وأن تكون عملاً منهجياً مدروساً دراسة جيدةً ، ومخطط له تخطيطاً واعياً، ومبني على الحُجة الدَّامغة والبرهان القاطع، وألا تتوقف المقاطعة إلا بتحقيق أهدافها كاملة.

2- ضرورة وجود مرجعية موثوقة يتلقى منها الناس التوجيه لتتحقق الأهداف ولتنتفي المفاسد والمحاذير.

3- الحذر من المثبطين والمُرجفين الذين يعملون على تخذيل الناس وتوهين عزائمهم بزعم عدم جدوى المقاطعة.

4- ينبغي استغلال حدث المقاطعة داخل المجتمعات الإسلامية، وخارجها، أما الداخل فبمطالبة المسلمين بالتمسك بسنة النبي ﷺ وبإحياء سيرته بينهم، وبيان حقوقه على أمته، إضافة إلى إحياء عقيدة الولاء والبراء، وبيان عداوة الكفار، وبطلان ما يتشدق به أعداء الإسلام من التسامح واحترام الأديان... إلخ. وفي المجتمعات الكافرة فبتعريفهم بمحاسن الإسلام، وشمائل نبي الهدى ﷺ، وسيرته العطرة.

5- التأكيد على أن النجاح في استخدام سلاح المقاطعة هو أنجح الوسائل لإلحاق الضرر بالخصوم، وأقصر الطرق لتحقيق المُبتغى بأسلوب هادئ وبوسيلة مشروعة لا يترتب عليها مواجهات ولا خسائر كما يحدث في استخدام غيرها من الوسائل.

6- نجاح المقاطعة يترتب عليه الشعور بالثقة لدى المسلمين بعد أن توالت عليهم الهزائم في مختلف الميادين فيحصل لديهم شيء من الشعور بالعزة الإيمانية، ومن هنا يمكن أن نشتت الجهود الرامية إلى إغراق الأمة بالمشكلات والشبهات والشهوات، لتكون أمة لاهية عابثة لا هدف لها في الحياة.

خامساً: الفوائد العشر للمقاطعة الاقتصادية

إن المقاطعة الاقتصادية لها الكثير والكثير من الفوائد التي تجعل المُقاطع "فرداً كان أو حكومة أو شعباً" يشعر بقوته، كم أنه يشعر بالندية مع من يقاطعه فيكتسب من العزة والكرامة والأنفة ما يجعله يستمر في المقاطعة بل ويصر على خذلان من يُراهنون على خسارته في هذا المضمار، ويمكننا أن نجمل فوائد المقاطعة الاقتصادية فيما يلي:-

1- استنهاض وغرس وتثبيت عقيدة الولاء والبراء.

2- تحقيق القاعدة الفقهية التي تقول بأنه "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

3- التأكيد على أن المقاطعة الاقتصادية نوع من الجهاد الذي تستعين به الأمة حكومات وشعوب وأفراد على نصرة الحق وأصحابه.

4- المقاطعة فرصة لغرس الجوانب الإيمانية والتربوية باعتبارها وقفة مع الله، ووقفة مع النفس، ووقفة لمؤازرة المستضعفين.

5- المقاطعة الاقتصادية لا توزن بميزان المكسب والخسارة المادية فقط لأن المكسب المعنوي وما يترتب عليه من عزة وكرامة واحترام من الآخر لا يُقدر بثمن. قال تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عزيز حكيم} [التوبة: 26].

6- التخلص من التبعية للآخر والتحول من شعوب مُستهلكة إلى شعوب مُنتجة.

7- إرباك الخصوم وجعلهم يرضخون لمطالب الشعوب المقاطعة لهم لأنهم يعتبرون أن ازدهار اقتصادهم أحد وسائلهم للهيمنة السياسية على الشعوب.

8- تفعيل المقاطعة والحد من الاستيراد، من الوسائل الهامة لتوفير العملة الصعبة مما يترتب على ذلك النمو الاقتصادي وتحسن مستوى المعيشة.

9- السعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي عن طريق تشغيل العمالة في انتاج السلع الأساسية والضرورية بدلاً من أن تعمل في شركات وتوكيلات تحقق ربحاً في صالح الخصوم وبالتبعية لذلك تؤثر على أمننا وقراراتنا السياسية.

9- نجاح سلاح المقاطعة يترتب عليه استعادة روح الثقة والعزة والكرامة، كما يفتح أفاقاً جديدة أمام الأفراد والشعوب تتطلب منهم الوحدة والإيجابية.

خلاصة الحديث في موضوع المقاطعة الاقتصادية

1- المقاطعة الاقتصادية ليست وليدة عصرنا هذا، بل هي أسلوب من أساليب الضغط والاحتجاج الذي تم استخدامه على مر التاريخ وفي مختلف الأماكن والقضايا.

2- الواقع يقول بأن المقاطعة الاقتصادية سلاح فعَّال لما يُسببه من إجبار الطرف الآخر على تلبية مطالب المقاطعين .

3- التعامل الاقتصادي مع الكفار مباح شرعاً إلا في الحالات السالف ذكرها.

4- المقاطعة الاقتصادية ضربٌ من ضروب الجهاد بمفهومه الشامل لما تسببه من تحقيق لبعض مقاصد الجهاد.

5- حكم المقاطعة الاقتصادية من حيث الوجوب والندب أو المنع يحدده الراسخون في العلم في ضوء الربط بين فقه الدليل وفقه الواقع.

وللحديث بقية في الجزء الثاني من نفس الموضوع بإذن الله تعالى

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

القضية الفلسطينية وأفق سلاح المقاومة.. تحديات مرحلة ما بعد “سيف القدس”

ليس من قبيل المُبالَغة القول بأنَّ جولة التصعيد الأخيرة بين فصائل المقاومة في قطاع غزة، …