المناضلة الجزائرية “جميلة بوحيرد” وتأييد سفاح المرافعات الفرنسي لقضيتها

الرئيسية » بأقلامكم » المناضلة الجزائرية “جميلة بوحيرد” وتأييد سفاح المرافعات الفرنسي لقضيتها
علم-الجزائر-scaled

إن المناضلة الجزائرية "جميلة بوحيرد" واحدة من جيل كبار الهمم الذين أذاقوا الاحتلال الفرنسي الويلات حتى تم جلاء المحتل وتحرير الجزائر.

تقدمت "جميلة بوحيرد" الصفوف إلى جانب مناضلات و "جميلات الجزائر"، وذلك في كل مكان يمكن أن يبث الزعر في قلوب جنود الاحتلال الفرنسي، مهما كانت الصعاب والمخاطر.

لقد أيقنت المناضلة "جميلة بوحيرد" وكل مناضلات الجزائر أن نضال المرأة الجزائرية جنباً إلى جنب مع الرجل يتسبب في كسر الحصار الذي حاول الاحتلال الفرنسي فرضه على المقاومين وعزلهم عن باقي شرائح المجتمع لذلك فإن سجل المناضلات الجزائريات حافل بالأمثلة التي كانت على رأسها المناضلة "جميلة بوحيرد".

أولاً: الميلاد والنشأة

ولدت المناضلة الجزائرية "جميلة بوحيرد" في حي القصبة بالعاصمة الجزائرية في شهر يونيو عام 1935م من أب جزائري وأم تونسية.

كانت "جميلة بوحيرد" البنت الوحيدة بين أفراد أسرتها، فقد أنجبت والدتها 7 شبان غيرها.

واصلت "جميلة بوحيرد" تعليمها ثَم التحقت بمعهد للخياطة والتفصيل، وكانت هواية ركوب الخيل من أبرز هواياتها.

ثانياً: المشوار النضالي لـ "جميلة بوحيرد"

بدأت "جميلة بوحيرد" مشوار نضالها منذ أن كانت تلميذة حيث كان الطلاب الجزائريون يرددون في طابور الصباح (فرنسا أُمُنا) لكن "جميلة بوحيرد" كانت تصرخ وتقول: (الجزائر أًمُنا)، فأخرجها ناظر المدرسة الفرنسي من طابور الصباح وعاقبها عقاباً شديداً لكنها لم تتراجع، وفي هذه اللحظات ولدت لديها الميول النضالية.

عندما اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954م كانت "جميلة بوحيرد" على أعتاب العام العشرين من عمرها، فقامت بالانضمام إلى "جبهة التحرير الوطني الجزائرية" من أجل المشاركة في النضال ضد الاحتلال الفرنسي.

التحقت "جميلة بوحيرد" بصفوف الفدائيين وكانت أول المتطوعات مع المناضلة "جميلة بو عزة"، وكان من بين مهامها زرع القنابل في طريق جنود الاحتلال الفرنسي.

استغلت المناضلة "جميلة بوحيرد" ملامحها البرجوازية في الحركة والتنقل فكانت غالباً ما تحمل في حقيبتها أدوات التجميل والعطور وملابس الشاطئ، كي لا تكون محل ريبة لدى جنود الاحتلال الفرنسي.

كانت المهمة النضالية الكبرى لـ"جميلة بوحيرد" تتمثل في كونها حلقة الوصل بين قائد الجبل في "جبهة التحرير الجزائرية" و "مندوب القيادة في المدينة" (ياسيف السعدي) الذي كان له دوراً نضالياً بارزاً مما جعل فرنسا ترصد مكافأة قدرها مائة الف فرنك فرنسي لمن يأتي برأسه، وقام الاحتلال الفرنسي بتوزيع منشورات بذلك!

نظراً لبطولات "جميلة بوحيرد" انتشرت شهرتها حتى أصبحت المطاردة رقم 1 وتم إلقاء القبض عليها عام 1957م حيث تتبعها أحد جنود الاحتلال الفرنسي وأطلق عليها رصاصة استقرت في كتفها الأيسر فسقطت على الأرض، وهنا بدأت رحلتها القاسية مع التنكيل والتعذيب.

نتيجة لإصابة "جميلة بوحيرد" برصاصة في الكتف تم نقلها إلى إحدى المستشفيات العسكرية، وأثناء فترة العلاج داخل المستشفى بدأ الفرنسيون بتعذيبها حيث تعرضت للصعق بالكهرباء كي تعترف على زملائها وزميلاتها، لكنها تحملت التعذيب، وكانت تغيب عن الوعي من شدة التعذيب وحين تفيق تقول "الجزائر أُمُنا".

حين فشلت المحاولات في انتزاع أي اعتراف من "جميلة بوحيرد" تم نقلها إلى سجن جزيرة "باربروس" شمال العاصمة حيث يُعد هذا السجن أشهر مؤسسات التعذيب سيئة السمعة في العصر الحديث، وهناك بدأت تتعرض للمزيد من التعذيب وكثيراً ما كانت تفقد الوعي جرَّاء ذلك وحين تفيق كانت تقول "الجزائر أُمنا".

أثناء سجنها، كتبت بوحيرد رسالة باللغة الفرنسية، وجهتها إلى وكيل الجمهورية وعميد القضاة، تخبره فيها عن وحشية التعذيب الذي تعرّضت له بسردها لإحدى الوقائع التي تناولتها الصحافة الفرنسية آنذاك، حيث قالت: "في أحد الأيام، دخل عليَّ ملازم أول، وهو رجل أشقر يضع نظارة بيضاء.. جرَّدني من ملابسي تماماً أمام نقيبين يرتديان قبعات حمراء، وثلاثة مفتشي شرطة. أخذ الملازم أول يتحسس جسدي ثم طلب إحضار الرجل السنغالي ليعتدي عليَّ، وهذا الإفريقي كانت مهمته الاعتداء على النساء المسلمات".

تروي المناضلة الجزائرية "لويزة إيغيل أحريز" في أحد اللقاءات الصحفية فتقول: "الضرب، السب والشتم، كل هذه الأمور ليست تعذيباً. لكن أكثر ما يهز الجزائري، هو انتهاك حرمته وهتك عرضه، والفرنسيون كانوا يدركون تماماً أنها نقطة ضعفنا الوحيدة، لذا كانوا يذلوننا بالاغتصاب".

إن المحتل الفرنسي يعلم بأن الاغتصاب بالنسبة للمرأة المسلمة الشريفة هو قمة المعاناة، لذلك كان انتهاك العِرض الجزائري هو مُخطط في السياسة الاستعمارية الفرنسية، ويعتبر من أخطر الأساليب التي استخدمتها فرنسا للتحطيم النفسي والمعنوي للدولة وللشعب معاً.

حين بدأت التحقيقات الرسمية مع "جميلة بوحيرد" سُمِح لها بحضور المحامي الفرنسي "مسيو جاك فيرجيه" الذي كان يُعرف بألقاب مثل (سفاح المرافعات، محامي الشيطان، محامي القضايا الميؤوس منها) حيث اشتهر في ذلك الوقت بتبنيه قضايا من يتم القبض عليهم من أعضاء جبهة التحرير الوطني الجزائرية وكان دائما ما يستفز هيئات المحاكم الفرنسية بترديده النشيد الوطني الجزائري، ولقد قال لـ"جميلة بوحيرد" بمجرد توليه مهمة الدفاع عنها (لست وحدك فكل شرفاء العالم معك).

انتهت المحاكمة الهزلية والصورية لـ"جميلة بوحيرد" وصدر بحقها حكماً بالإعدام في يوم 22 يوليو عام 1957م، وفور النطق بالحكم انطلقت "جميلة بوحيرد" في الضحك في قوة وعصبية جعلت القاضي يصرخ فيها (لا تضحكي في موقف الجد) وكأن الموقف بالفعل كان جدياً، غير أنها قالت في قوة وثبات:
أيها السادة إنني كنت أعلم أنكم ستحكمون عليَّ بالإعدام لأن أولئك الذين تخدمونهم يتشوقون لرؤية الدماء ومع ذلك فأنا بريئة".

واستطردت قائلة: "الحقيقة إنني أحب بلدي وأريد له الحرية ولهذا أؤيد كفاح جبهة التحرير الوطني إنكم ستحكمون عليَّ بالإعدام لهذا السبب وحده بعد ان عذبتموني".

وأضافت: "إنكم إذ تقتلوننا لا تنسوا أنكم بهذا تقتلون تقاليد الحرية الفرنسية ولا تنسوا انكم بهذا تلطخون شرف بلادكم وتعرضون مستقبلها للخطر ولا تنسوا أنكم لن تنجحوا أبداً في منع الجزائر من الحصول على استقلالها".

تم تحديد يوم 7 مارس 1958م لتنفيذ حكم الإعدام في "جميلة بوحيرد" لكن هذا القرار قوبل باستياء واستنكار في معظم مدن العالم، مما جعل لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة تجتمع نتيجة لتلقيها ملايين البرقيات التي تستنكر إعدام المناضلة "جميلة بوحيرد".

انهالت على "داج همرشولد" السكرتير العام للأمم المتحدة وقتها ملايين البرقيات من كل مكان في العالم تقول (أنقذ جميلة، أنقذ جميلة) وبالفعل تأجل تنفيذ الحكم، وما هي إلا أيام قليلة وتقهقر الاحتلال الفرنسي وأعلن السفاح "لاكوست" الذي كان مشهوراً بلقب "جلاد الجزائر" أنه طلب من رئيس فرنسا وقتئذ العفو عن المناضلة "جميلة بوحيرد" وتم تعديل الحكم من الإعدام إلى السجن مدى الحياة.

بعد كل هذه الأحداث المتسارعة قال "مسيو فيرجيه" محامي المناضلة "جميلة "بوحيرد":
لو كانت جميلة قد أعدمت لكنت اقتحمت مكتب "الجنرال ماسو" و "الجنرال بيجار" وقتلتهما، فلم أكن أتصور موتها، فحياتها هي التي جعلتني اليوم متصالحاً مع نفسي.

ثالثاً: حياة "جميلة بوحيرد" السياسية بعد استقلال الجزائر

بعد استقلال الجزائر تولت "جميلة بوحيرد" رئاسة اتحاد المرأة الجزائري، وبسبب خلافها مع الرئيس الجزائري الأول بعد الاستقلال "أحمد بن بلة" قررت أن تستقيل من رئاسة اتحاد المرأة الجزائري وتترك العمل السياسي.

وكانت المفاجأة خلال شهر مارس عام 2019م حيث فوجئ المتظاهرون الرافضين لترشح الرئيس الجزائري السابق "عبد العزيز بوتفليقة" لفترة رئاسية خامسة وهي تسير وسطهم داعمة لهم.

رابعاً: زواج "جميلة بوحيرد" من محاميها الفرنسي بعد أن أعلن إسلامه

بعد استقلال الجزائر عام 1962م، خرجت جميلة بوحيرد من السجن، وتزوجت محاميها الفرنسي "جاك فيرجيس" بعد أن أعلن إسلامه واتخذ اسم "منصور" اسماً له، وكان ذلك في عام 1965م، وأنجبت "جميلة بوحيرد" ابنهما "إلياس" وابنتهما "مريم".

توفي زوج "جميلة بوحيرد" في باريس عام 2013م عن عمر 88 عاماً إثر إصابته بسكتة دماغية بعد فترة زواج استمرت ما يقرب من أربعين سنة.

والجدير بالذكر أن المحامي الفرنسي الشهير "جاك فيرجيس" عرف بعلاقاته برموز منظمة التحرير الفلسطينية، كما اشتهر بدفاعه عن قضايا الرأي العام على غرار قضية "جميلة بوحيرد"، كما دافع عن الرئيس العراقي الراحل "صدام حسين" والفيلسوف الفرنسي المسلم "روجيه جارودي" والمناضل الشيوعي اللبناني "جورج ابراهيم عبد الله"... وغيرهم.

خامساً: المناضلة "جميلة بوحيرد" وزوجها في الأدب والفن

كانت قصة نضال "جميلة بوحيرد" مصدراً لإلهام الشعراء والأدباء حيث قيل فيها ما يقرب من سبعين قصيدة كتبها عنها أشهر الشعراء في الوطن العربي منهم، نزار قباني، وصلاح عبد الصبور، وبدر شاكر السيَّاب، وعشرات آخرين.

والجدير بالذكر أن السينما المصرية قد خلدت سيرة المناضلة "جميلة بوحيرد" ونضال الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من خلال إنتاج فيلم باسم (جميلة) والذى تناول مشوار حياتها النضالي، كان هذا الفيلم من إخراج يوسف شاهين واشترك أربعة في كتابة السيناريو الخاص به وهم (الأديب يوسف السباعي، والأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وعلي الزرقاني، ووجيه نجيب)، وقامت بدور البطولة فيه الفنانة (ماجدة الصباحي) التي لعبت دور "جميلة بوحيرد" وشاركها البطولة العديد من كبار الفنانين منهم الفنان (محمود المليجي) الذى قام بدور محاميها الفرنسي وزوجها المستقبلي "جاك فيرجيه".

وبالإضافة إلى ما سبق قام المخرج الفرنسي "باربت شرويدر" بإخراج فيلم عن حياة زوجها المحامي "جاك فيرجيه" المليئة بالأحداث والأسرار المثيرة وكان الفيلم يحمل عنوان "محامي الرعب"، تناول من خلاله سيرة حياته ودفاعه عن "جميلة بوحيرد" وعن ضحايا الرأي والسياسيين.

أخيراً أقول

إن سلسلة النضال الوطني تأبى أن تنقطع على مر الزمان مهما كانت التضحية التي يقدمها من يختار طريق النضال.

وأقول أن النضال يُطيل عمر المناضل أعماراً فوق عمره حتى ولو مات في ريعان شبابه، وذلك بسيرته وإنجازاته التي تتوارثها الأجيال والتي تنير دروب المناضلين.

وأقول أن اختيار طريق النضال ليس معناه التهلكة كما يعتقد كثيرون، فها هي المناضلة "جميلة بوحيرد" ما زالت على قيد الحياة حيث تبلغ من العمر 85 عاماً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الإيمان الحر وما بعد الملة .. دعوة إلى اللادينية

قال: إقبال رحمه الله. ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا. طفق …