حتى لا نكون رسوماً مُسيئة للإسلام ولنبي الإسلام ﷺ ونحن لا ندري!!

الرئيسية » بصائر تربوية » حتى لا نكون رسوماً مُسيئة للإسلام ولنبي الإسلام ﷺ ونحن لا ندري!!
2020102717055-1553143601.WhatsApp Image 2020-10-27 at 17.05.11 (1)

ما إن سمعنا ورأينا الرئيس الفرنسي ماكرون يتطاول على الإسلام وينعته بما ليس فيه، ورأينا إصرار فرنسا على إعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي ﷺ مُتحدية بذلك مشاعر ما يقرب من 2 مليار مسلم، حتى تعالت النداءات وزادت المطالب بمقاطعة فرنسا وكل ما هو فرنسي، غيرة على الإسلام ودفاعاً عن نبي الإسلام ﷺ .

أولاً: تساؤل لابد منه

هل المسلمون الذين أبدوا استياءهم وصبوا لعناتهم وجام غضبهم على فرنسا وطالبوا بمقاطعتها، هل هم بالفعل على القدر المطلوب من الالتزام والتمسك بهدي النبي ﷺ للحد الذي يجعلهم يثورون كذلك!!

إن الهدف من هذا التساؤل .. ليس طعناً ولا تجريحاً ولا انتقاداً لأحد؛ فالإسلام ليس حِكراً على مسلم دون مسلم مهما كانت درجة التفاوت بينهما في الالتزام، وحب النبي ﷺ والذب عنه واجب على الجميع بلا استثناء، ودون لا مُزايدة ولا فخر.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللهَ ليُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بقومٍ لا خلاقَ لهم, وإنَّ اللهَ ليُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرجلِ الفاجرِ" (تخريج الإحياء بإسناد جيد).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كثير من أهل الشهوات فيهم من المحبة لله ورسوله ما لا يوجد في كثير من النساك كما قال النبي ﷺ في خمار الذي كان يشرب الخمر كثيراً: لا تلعنه فإنه يُحب الله ورسوله" اهـ.

والهدف من هذا التساؤل أيضاً .. هو أن نغتنم فرصة غيرتنا على الإسلام ودفاعنا عن نبي الإسلام ﷺ لإصلاح أنفسنا حتى نكون في أنفسنا وأحوالنا كما يحب الله ورسوله، وحتى لا نكون في أنفسنا وأحوالنا رسوماً مُسيئة للإسلام ولنبي الإسلام ﷺ من حيث لا ندري!

ثانياً: بعض الصور المُسيئة التي يرتكبها المسلمون في حق الإسلام وحق نبي الإسلام ﷺ

1- أليس سيء الخلق مع أهله وجيرانه وعموم المسلمين، رسماً مُسيئاً يمشي على الأرض!

2- أليست المتبرجة والسافرة والمترجلة، رسوماً مُسيئةً تطعن في عفة الإسلام وطهر قيمه ومبادئه!

3- أليست الاحتفالات الماجنة التي تُنتهك فيها القيم ولا تراعى فيها حُرمة ولا يُصان فيها عِرض، رسوماً مُسيئة وصوراً مُزرية عن الإسلام والمسلمين!

4- أليس الظلم الصارخ وهضم الحقوق والتعدي على الممتلكات وانتهاك الحرمات، رسوماً مُسيئة تطعن في ثوابت الدين وتهتز لها السماوات والأرض!

5- أليست مُصادرة الآراء وتكميم الأفواه وكبت الحريات، رسوماً مُسيئة تجعل غير المسلمين ينفرون من الإسلام ويزدرون أهله!

6- أليس انتشار الفواحش والمنكرات والرذائل والموبقات في بلاد الإسلام رسوماً مُسيئة تسلب من الأمة خيريتها!

7- أليس عدم الاكتراث بقضايا المسلمين ولا الاهتمام بمعاناتهم، رسماً مُسيئاً يجعل أعداء الإسلام يتجرؤون على المسلمين في شتى بقاع الأرض!

8- أليس التشرذم الممقوت والتحزب البغيض، رسوماً مُسيئة تنخر في جسد الأمة وتفرقها تفرق الأغنام في الليلة الشاتية!

9- أليست موالاة أعداء الله والسير في ركابهم واقتفاء أثرهم وتنفيذ مخططاتهم، ومحاربة وتغييب الدعاة إلى الله تعالى وحِرمان العباد والبلاد من خيرهم وبركتهم، رسوماً مُسيئة تمحق البركة وتجلب النقم!

10- أليس تعطيل شرع الله والاحتكام إلى غيره من القوانين التي ما أنزل الله بها من سلطان، رسماً مُسيئاً يطعن في خاصرة الإسلام!

بعد استعراض النماذج السابقة يحق لنا أن نقول أن رسومنا المُسيئة للإسلام ولنبي الإسلام ﷺ قد سبقت رسوم فرنسا وغيرها، وأن تشويهنا للصورة النقية الساطعة السمحة الطاهرة للإسلام قد سبقت كل ما فعلته فرنسا وكل ما قام به أذنابها.

ثالثاً: السبيل إلى أن نكون صورة مُشرقة ومُشرِّفة للإسلام

1- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: " لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ" (صحيح البخاري).

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "تركتُ فيكم شيئينِ لن تضلوا بعدَهما كتابَ اللهِ وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوضِ" (النوافح العطرة بإسناد صحيح).

3- عن أبي عبد الله الجدلي رضي الله عنه قال، سألت عائشة رضي الله عنها عَن خلقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَت: لم يَكُن فاحِشًا ولا مُتفَحِّشًا ولا صخّابًا في الأسواقِ، ولا يَجزي بالسَّيِّئةِ السَّيِّئةَ، ولَكِن يَعفو ويَصفَحُ" (صحيح الترمذي).

4- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "أكملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلقًا وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم" (صحيح ابن حبان).

5- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "ما خُيِّرَ النبيُّ ﷺ بيْنَ أمْرَيْنِ إلَّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَأْثَمْ، فإذا كانَ الإثْمُ كانَ أبْعَدَهُما منه، واللَّهِ ما انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ في شيءٍ يُؤْتَى إلَيْهِ قَطُّ، حتَّى تُنْتَهَكَ حُرُماتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ" (صحيح البخاري).

رابعاً: المطلوب منا حتى لا نكون رسوماً مُسيئة للنبي ﷺ

إن كل من ارتضى بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً وأن الموت حق والبعث والنشور حق وأن الجنة حق والنار حق والنبيين حق، لابد عليه أن يدرك أن هذا الإيمان لابد له من تكاليف ومتطلبات لا يُعفى منها أحد من المسلمين، هذه التكاليف وتلك المتطلبات ليست بالهينة ولا بالسهلة، ولكي يعلم كل منا حجم الأمانة المُلقاة على عاتقه يكفيه أن يقرأ قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72].

ولكي نعلم معالم خطاب التكليف الذي يريده الله تعالى منا كمسلمين يجب علينا أن نعمل جاهدين على أن نوفر في أنفسنا الصفات التي أوجبها الله تعالى على المسلمين، وعلى المؤمنين، وعلى المحسنين، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

والمطلوب منا كذلك

1- أن نتعرف على الجوانب المتعددة من شخصية النبي الكريم ﷺ "في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوكيات"، وأن نقتدي به ﷺ اقتداء المُحب لحبيبه، واقتداء من يعرف قدره ومنزلته ﷺ، واقتداء الذي يطمع في الفوز بشفاعته وصحبته ﷺ.

2- وأن نتعرف كذلك على جميع أحواله ﷺ مع أصحابه ومع أهل بيته ومع المسلمين وغير المسلمين، وألا نغفل عن أحواله ﷺ في السلم والحرب، وفي العُسر واليُسر، والفرح والحزن، والعطاء والمنع، والرضا والغضب.

3- وأن نعرف مدى حب النبي ﷺ لكل من آمن به ولم يره، ومدى حرصه ﷺ علينا بين يدي الله يوم القيامة، لكي نزداد له ﷺ حباً وإليه شوقاً.

4- ما أروع ما قاله ابن القيم رحمه الله في هذا الشأن في كتابه (مدارج السالكين) حيث قال: "وعلى العبد أن يجعل النبي ﷺ إمامه ومُعلمه، وأستاذه، وشيخه وقدوته كما جعله اللهُ نبيَّه ورسوله وهادياً إليه، فيطالع سيرته ومبادئ أمره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه، وآدابه في حركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته، ومعاشرته لأهله وأصحابه، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه" أهـ.

* وفي كتابه (زاد المعاد) قال: "وإذا كانت سعادة العبد في الدارين مُعلقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسه، وأحبَّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مُستقلٍّ، ومُستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم" أهـ.

والمطلوب منا كذلك

1- أن نؤمن بنبوته ورسالته ﷺ إيماناً لا يتزعزع.

2- أن نحبه ﷺ حباً يفوق كل من هم سواه من البشر، ونحب زوجاته أمهات المؤمنين، ونحب صحابته، وآل بيته أجمعين.

3- أن نكثر من الصلاة عليه ﷺ بالمأثور الصحيح دون زيغ ولا شطط، ودون تقليد لأصحاب البدع الضالين المُضلين.

4- أن نحرص على تطبيق سنته ﷺ، وإحياء ما هجره الناس منها، دون رهبانية، ودون إطراء أو تفريط أو ابتداع.

5- أن نعمل على نصرة شريعته ﷺ بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نوالي من والاه ونعادي من عاداه.

6- أن نقوم بمدارسة سيرته ﷺ والاجتماع على مأدبة سنته لنتعرف على حياة نبينا ﷺ ونستلهم منها أداب ديننا، وننفض عنها غبار الموروثات الخاطئة التي توارثناها وفهمنا أنها من هديه ﷺ وهو منها براء، كل ذلك من المصادر الصحيحة.

خامساً: بعض صور محبة الصحابة الكرام للنبي ﷺ

1- عن وهب بن عبدالله السوائي أبو جحيفة رضي الله عنه قال: "أَتَيْتُ النبيَّ ﷺ وهو في قُبَّةٍ حَمْراءَ مِن أدَمٍ، ورَأَيْتُ بلالًا أخَذَ وضُوءَ النبيِّ ﷺ، والنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الوَضُوءَ، فمَن أصابَ منه شيئًا تَمَسَّحَ به، ومَن لَمْ يُصِبْ منه شيئًا، أخَذَ مِن بَلَلِ يَدِ صاحِبِهِ" (صحيح البخاري).
قُبَّةٍ حَمْراءَ مِن أدَمٍ: أي مصنوعة من الجلد المدبوغ الذي صُبغ بحمرة قبل صنعه.

2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لقَدْ رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ به أَصْحَابُهُ، فَما يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إلَّا في يَدِ رَجُلٍ" (صحيح مسلم).

3- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّكَ لأحَبُّ إليَّ من نَفسي وإنَّكَ لأحبُّ إليَّ من ولدي وإنِّي لأَكونُ في البيتِ فأذْكرُكَ فما أصبِرُ حتَّى آتيَ فأنظُرَ إليْكَ وإذا ذَكرتُ موتي وموتَكَ عرفتُ أنَّكَ إذا دخلتَ الجنَّةَ رفعتَ معَ النَّبيِّينَ وأنِّي إذا دَخلتُ الجنَّةَ خَشيتُ أن لا أراكَ فلم يردَّ عليْهِ النَّبيُّ ﷺ شيئًا حتَّى نزلَ جبريلُ بِهذِهِ الآيةِ {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء:19]" (الدر المنثور بإسناد حسن).

5- جاء في البداية والنهاية: "أشار كثيرٌ من الناس على الصِّدِّيق ألا يُنفِذَ جيش أسامة؛ لاحتياجِه إليه فيما هو أهمُّ الآنَ مما جُهِّز بسببه في حال السلامة، وكان مِن جملة مَن أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصِّدِّيق من ذلك، وأبى أشدَّ الإباء إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال: والله لا أحُلُّ عقدةً عقَدها رسول الله ﷺ، ولو أن الطيرَ تَخَطَّفنا، والسباع مِن حول المدينة، ولو أن الكلاب جرَّتْ بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة".

وأخيراً أقول..

إن الواقع يقول أن حاجة العباد لهدي النبي ﷺ ولما جاء به من ربه سبحانه وتعالى يفوق كثيراً حاجتهم للهواء والغذاء، فبالهواء والغذاء نرعى جسداً فانياً أما بهدي النبي ﷺ وبما جاء به عن ربه سبحانه وتعالى نرعى روحاً سامية باقية.

وهذا يُحتِّم علينا أن ننهل من مَعِيْن الهدي النبوي ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأن نترجم كل ذلك إلى واقع ملموس في حياتنا كما يحب ربنا ويرضى اعترافاً منا بالفضل وطمعاً منا في الأجر، وحتى لا نكون رسوماً مُسيئة للنبي ﷺ ونحن لا ندري!!

وأقول
إني لأُرْخِصُ دون عرضِك مُهجتي *** روحٌ تروحُ ولا يُمسُّ حماكا
روحـــي وأبنــائــي وأهلــي كلهـم *** وجميع ما حوت الحياةُ فداكَ

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

هكذا علمتني الحياة في ظل “سيف القدس”

خلال الأيام القليلة الماضية؛ قدم مرابطو القدس وحي الشيخ جراح ومن ورائهم مقاومو غزة العزة …