يمينة الشايب: المناضلة الجزائرية التي تحدَّت الاستعمار الفرنسي

الرئيسية » بأقلامكم » يمينة الشايب: المناضلة الجزائرية التي تحدَّت الاستعمار الفرنسي
122057251_3245404848894127_8565620072667963433_o

شكلت المرأة عنصراً أساسياً في ثورة التحرير الجزائرية، ووقفت إلى جانب الرجل في تحمل المسؤولية تجاه الثورة المباركة، وقد أبلت المرأة الجزائرية بلاءً منقطع النظير أظهرت من خلاله أنها الشق الثاني للثورة المباركة.

فطن المحتل الفرنسي لأهمية دور المرأة الجزائرية مما جعله يخصص سجوناً للنساء لكي يحد من دورهن النضالي، ولكي يضرب التماسك الاجتماعي المبني على المرأة، فكانت النتيجة أن بلغ عدد المعتقلات الجزائريات نسبة 16% من إجمالي عدد السجناء، وكانت النتيجة أيضاً سقوط العديد من النساء الجزائريات شهيدات أمثال حسيبة بن بوعلي، ومليكة قايد، ومريم بوعتورة، وريدة مداد، و وهيبة قبايلي، وفضيلة سعدان، وعويشة حاج سليمان، ومئات غيرهن ممن سقطن في ساحة المعارك وكن سبباً في نجاح الثورة الجزائرية.

بين أيدينا في هذا الموضوع شخصية فريدة قلما يجود الزمان بمثلها، ولكونها امرأة -وهذا لا يعيبها- فإن ما قامت به قد خلد بين الخالدين ذكرها وجعل اسمها يسبق هامات وقامات تتضاءل أمام ذكرهم رقاب القادة العظام من الرجال!!

إن الشخصية التي بين أيدينا هي شخصية المناضلة الجزائرية العظيمة "يمينة الشايب" المعروفة في سجل المناضلات الجزائريات بلقب "زليخة عُدي".

أولاً: من هي يمينة الشايب

- يمينة الشايب وشهرتها "زليخة عُدي" ولدت في 7 مايو 1911 في مدينة حجوط بالجزائر.

- حصلت يمينة الشايب على شهادة التعليم المتوسط، وانتقلت بعد ذلك للعيش بمدينة شرشال بعد زواجها من الحاج أحمد عوداي.

- كانت يمينة الشايب تتمتع بشخصية قوية وتتقن اللغة الفرنسية التي تعلمتها بمدارس الفرنسيين، لأن والدها كان أحد كبار ملاك الأراضي.

- فقدت يمينة الشايب شقيقها خلال الحرب العالمية الثانية أثناء تجنيده، مما ترك أثـراً عميقاً في نفسيتها، وهو ما يفسر كرهها للمستعمر الفرنسي.

- قضت يمينة الشايب حياتها كواحدة من أبرز المناضلات الجزائريات حيت تحدت بنضالها قادة الاحتلال الفرنسي، فكانت نهايتها أن قام المحتل الفرسي بقتلها رمياً من طائرة هليكوبتر.

ثانياً: نشأة المناضلة الجزائرية يمينة الشايب

نشأت يمينة الشايب في مدينة شرشال وهي "مدينة ساحلية غرب الجزائر"، وكانت من عائلة ثورية مناضلة، حيث قدمت عائلتها قوافل من الشهداء الذين استبسلوا في النضال ضد الاحتلال الفرنسي·

اختارت يمينة الشايب درب الجهاد وتمكنت من تشكيل خلايا جديدة للمجاهدات وذلك في مدينة شرشال والقرى المجاورة لها. ومن بين أهم ما ميَّز نضالها قيامها بتشكيل خلايا من المناضلات الشابات اللائي لا يتعدى عمر الكبيرة منهن 25 سنة.

تميزت يمينة الشايب بشدة كتمانها للسر، كما تميزت بالحنكة والذكاء في الحركة والتخفي مما جعلها محل ثقة كبيرة لدى المجاهدين في الجزائر.

عاشت يمينة الشايب حياتها كامرأة ريفية تمارس مهامها الحياتية العادية حتى لا تكون عبئا على عائلتها من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي تكون ممارسة مهام حياتها الطبيعية تمويها على المتربصين بالمناضلين والمناضلات.

قامت المناضلة يمينة الشايب بجمع الأموال وتوفير كل متطلبات المعيشة والدعم اللوجستي للمجاهدين، وقد حاولت السلطات الفرنسية مطاردتها وإلقاء القبض عليها إلا أنهم لم يتمكنوا من معرفة حقيقة النشاط الذي تقوم به ولا دورها تجاه المجاهدين.

من أبرز ما قامت به المناضلة يمينة الشايب هو دورها الريادي في نشر الوعي الوطني وإفشال المخططات الفرنسية في كسر شوكة الثورة وعزلها عن عموم الشعب الجزائري.

إن الصفات التي تميزت بها المناضلة يمينة الشايب جعلت رجال الأمن الفرنسيين يعجزون عن كشف المهام التي كانت تقوم بها رغم مراقبتهم المستمرة لها.

التحقت المناضلة يمينة الشايب بصفوف الثورة في جبل (سيدي سميان) لتواصل كفاحها، حيث تم اختيارها لتخلف المجاهد "أبو القاسم العليوي" في قيادة الجيش الجزائري في المنطقة عقب استشهاده أثناء القيام بدوره البطولي الوطني والنضالي ضد المحتل الفرنسي.

ثالثاً: القبض على المناضلة يمينة الشايب

بعد عملية بحث وتمشيط قام بها الاحتلال الفرنسي استهدفت جبال (بوحرب) و(سيدي سميان) وقعت المناضلة يمينة الشايب في قبضة المحتل الفرنسي·

قامت القوات الفرنسية باعتقال المناضلة يمينة الشايب في 15 أكتوبر 1957م، وقاموا بتعذيبها بأشد أنواع العذاب لمدة 10 أيام بمنطقة "غردوس" تحت إشراف العقيد الفرنسي "لو كونت"، وذلك قبل أن يتم اتخاذ قراراً بإعدامها رمياً من طائرة هيلوكوبتر في 25 أكتوبر 1957م.

رابعاً: الطريقة البشعة للتخلص من المناضلة يمينة الشايب

قام الاحتلال الفرنسي بممارسة القتل المعنوي ضد المناضلة الجزائرية يمينة الشايب قبل التخلص منها جسدياً حيث قام الاحتلال بإعدام زوجها وابنها بالمقصلة (فصل الرأس عن الجسد) لكي تموت تلك المرأة نفسيًا قبل أن تمت جسديًا ولكي تنهار نفسياً فتخبرهم بما لديها من أسرار تخص المناضلين وأعدادهم وتحركاتهم وأماكنهم إلا أن كل ذلك لم ينل من عزيمتها ولم تخن قضيتها ولم تشفي غليلهم بكلمة واحدة.

تم ربط المناضلة الجزائرية يمينة الشايب في سيارة عسكرية وتم جرها وتعذيبها في الشوارع، وكان الهدف من ذلك هو توصيل رسالة للشعب الجزائري مفادها أن كل من يتمرد على فرنسا هذا هو جزاؤه، وأن فرنسا لن ترحم أحداً.

صبرت المناضلة الجزائرية يمينة الشايب صبراً فاق صبر الصابرين صبراً ولم تبح بكلمة واحدة ضد المناضلين الجزائريين حتى نفد صبر المحتلين الفرنسيين.

تقول المجاهدة الجزائرية "بن مقدم"، خلال لقاء لها مع المجاهدين الجزائريين، أنه "لو كشفت زليخة (يمينة الشايب) عن أسرارها لما كنا هنا اليوم، ولربما كنا في عداد الموتى".

في نهاية المطاف قرر قادة الاحتلال الفرنسي قتل المناضلة يمينة الشايب برميها من على متن طائرة هيلوكوبتر وكان ذلك يوم 25 اكتوبر سنة 1957م - عن عمر 46 سنة - لتلتحق بابنها وزوجها ولتلحق بقوافل الشهداء الذين سبقوها، ولتترك وراءها ابنتيها الصغيرتين، وابنها "أوداي" الذي أصبح جنرالاً في الجيش الشعبي الوطني فيما بعد.

خامساً: الاحتلال الفرنسي يخسر الرهان الأخير أمام قوة وإصرار المناضلة يمينة الشايب.

حاول أحد القادة الفرنسيين وكان رائداً في جيش الاحتلال الفرنسي أن يفت من عزيمة الشعب الجزائري، وأن يقنع المواطنين بأن المقاومة الجزائرية قد انتهت بالقبض على يمينة الشايب فقام بتوجيه كلمة إلى المواطنين الجزائريين، قال فيها:

"هي المرأة التي تحدثتم عنها وصدقتم أنها تستطيع مواجهة الفرنسيين، الثورة انتهت ولقد قضينا على كل أتباعها".

هنا نظرت يمينة الشايب بشموخ في جموع المواطنين وخطبت فيهم قائلة:

"يا أخوتي! أنظروا كيف كبَّلت فرنسا امرأة رغم أني دون سلاح، لا تصدقوهم، الثورة لا تزال قائمة، واصلوا حتى النصر والاستقلال"، (وبصقت على وجه الرائد الفرنسي) في حركة منها لقلب الموازين والرفع من همم ومعنويات الشعب الجزائري، وقد تم بالفعل إثبات ذلك في محضر الشرطة.

هنا قام الجنود بتفريق المواطنين بعد خسارتهم للرهان الأخير، وأخذت البطلة وقتلت بدم بارد، كما ذكرنا.

سادساً: العثور على جثمان المناضلة الجزائرية يمينة الشايب

لم يتم العثور على جثمان المناضلة الجزائرية يمينة الشايب إلا بعد 27 عاماً من قتلها وكان ذلك في عام 1984م.

كانت الصدفة البحتة سبباً في العثور على جثمان المناضلة الجزائرية يمينة الشايب حيث حكى أحد المشايخ بأنه في يوم من أيام سنة 1957م وجد جثمان امرأة مُهشمة في أحد الحقول فقام بدفنها.

صادف كلام الشيخ رغبة مُلحة لدى الجزائريين لمعرفة مصير جثمان المناضلة يمينة الشايب مما جعلهم يطلبون من الشيخ أن يدلهم على المكان الذي قام بدفن تلك المرأة فيه!!

عندما دل الشيخ على المكان الذي دفن فيه جثمان المرأة، قام الجزائريون بالحفر فوجدوا بقايا عظام امرأة، كما وجدوا بقايا من ملابسها التي أعدمت بها مما ساعدهم على التعرف عليها.

بالتعرف على جثمان المناضلة الجزائرية يمينة الشايب تم فك لغز اختفاء الجثة الذي حيَّر الجميع، وبقى اسم يمينة الشايب رمزًا مُشرِّفاً للنساء المناضلات الجزائريات اللائي وقفن بكل بسالة في وجه الاحتلال الفرنسي، بل وساهمن في رحيله.

لقد رحلت المناضلة الجزائرية يمينة الشايب ببدنها بعد أن تحدت جلاديها بكل شموخ وأبهرت جلادها المحافظ (Costa) الذي كان مُكلفاً بالبحث عنها وعن تعذيبها، فقال قولته الشهيرة "ما نوعية هذا الشعب حتى تكون نساؤه من هذه النوعية".

لقد رحلت المناضلة الجزائرية يمينة الشايب بعد أن تركت سجلاً حافلاً بالبطولات التي كتبت بأحرف من نور لتنير للأجيال دربها وليقتفوا أثرها.

سابعاً: تتمة لابد من ذكرها

إن الطريقة البشعة التي قام بها المحتل الفرنسي لقتل المناضلة الجزائرية يمينة الشايب "بإلقائها من الطائرة" لم تكن غريبة ولا مُستحدثة بالنسبة للجزائريين، فلقد مارس الفرنسيون ضد الجزائريين المنتمين لحركة التحرير ما هو أبشع من ذلك، ولأن المجال لا يتسع لذكر هذه الطرق سنكتفي بالتعريج على إحداها، على أن نذكر المزيد منها في موضوع مستقل لاحق إن شاء الله تعالى.

وسيلة التعذيب والقتل بطريقة "الجمبري بيجار"

إن التعذيب والقتل بطريقة "الجمبري بيجار" هي طريقة ابتكرها الجنرال الفرنسي "مارسيل بيجار" خلال تعامله مع المناضلين الجزائريين عام 1957، راح ضحية هذه الطريقة البشعة ما يقرب من عشرة آلاف من الجزائريين المنتمين لحركة التحرير الجزائرية.

تتلخص وسيلة التعذيب والقتل بطريقة "الجمبري بيجار" في غرس أرجل الضحايا قوالب وصب الإسمنت على أرجلهم وتركهم على هذه الحال حتى يجف الإسمنت، بعدها يُحملون في طائرات عسكرية ويتم إلقائهم أحياء في عرض البحر المتوسط، فيموتون غرقاً.

إن هذه الطريقة قد شملت النساء والأطفال، وأحيانا كان يتم ربط أسرة بأكملها برباط واحد قبل رميهم جميعاً دفعة واحدة من الطائرة. وقد عثر البحارة والصيادون الجزائريون على عدد من هذه القوالب الإسمنتية وبداخلها آثار أرجل أو أرجل متحجرة، وذلك في المياه الضحلة من شواطئ البحر المتوسط.

بعد هذا العرض اليسير لما قامت به فرنسا في حق الشعب الجزائري لا يجب أن تنطلي علينا طنطة الفرنسيين عن الحريات وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها... الخ، لأنه عندما تتحدث العاهرة عن الشرف فما عليك إلا أن تبتسم فأنت في حضرة أوكار الدعارة الفكرية ومواخير البغاء السياسي.

وأخيراً أقول

إن الإنسان حين يموت إما أن تطوى صفحته من الدنيا ويصبح نسياً منسياً، وإما أن يترك ذكراً حسناً وسيرة عطرة تستلهم منها الأجيال دروساً وعبراً تستعصي على الفناء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، " وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ".

رحم الله الشهيدة المناضلة يمينة الشايب وجميع شهداء وشهيدات الثورة الجزائرية، والعار كل العار على كل من يدّعون احترام الحريات وحقوق الإنسان ويلقنوننا دروساً في حق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم إذا فتشنا في تاريخهم ما نجد سوى سجلات سوداء ملطخة بدماء الأبرياء.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

الإيمان الحر وما بعد الملة .. دعوة إلى اللادينية

قال: إقبال رحمه الله. ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا. طفق …