المناضلة فاطمة نسومر “عذراء الجبال وقاهرة جنرالات الاحتلال”

الرئيسية » بأقلامكم » المناضلة فاطمة نسومر “عذراء الجبال وقاهرة جنرالات الاحتلال”
لا لا فاطمة نسومر

ما إن يبدأ الحديث عن النضال النسائي في الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي إلا ويتبادر للذهن اسم المناضلة الشابة "لاله فاطمة نسومر" المُلقبة بـ"خولة الجزائر" نسبة إلى المجاهدة "خولة بنت الأزور" التي حاربت الروم بجوار أخيها "ضرار بن الأزور" إلى أن ماتت عام 35هـ في نهاية خلافة ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه.

إن "لاله فاطمة نسومر" هي أول امرأة جزائرية قامت بمواجهة الاحتلال الفرنسي، وألحقت به هزائم منكرة، وأذلت أنوف جنرالات فرنسا وجعلتهم يعدون جيشاً قوامه 45 ألف جندي من أجل أسرها.

أولاً: المولد وأصل التسمية

ولدت "لاله فاطمة نسومر" في عام 1830م في أسرة من أصول أمازيغية ونشأت نشأة دينية. ( الأمازيغ هم جماعة عرقية أصلها من شمال أفريقيا ومعظمهم من المسلمين السنة).

كان لـ "لاله فاطمة نسومر" أربعة أخوة، أكبرهم "سي الطاهر".

يتكون لقبها من "لاله"، وهي كلمة أمازيغية تدل على لقب شرفي أو علامة احترام للنساء لسنهن أو لمكانتهن، و "نسومر"، اسم القرية التي ينتمي إليها نسبها.

أما عن والد "لاله فاطمة نسومر" فهو سيدي "محمد بن عيسى" شيخ الطريقة الرحمانية، وأمها هي "لاله خديجة" .

أطلقت قوات الاحتلال الفرنسي على "لاله فاطمة نسومر" لقب "جان دارك جرجرة" تشبيها لها بالبطلة القومية الفرنسية "جان دراك" لكنها كانت ترفض هذا اللقب مفضلة لقب "خولة جرجرة" نسبة إلى المجاهدة "خولة بنت الأزور"، كما ذكرنا، أما كلمة "جرجرة" فهي جبال وعرة تتواجد بمنطقة القبائل بالجزائر.

ثانياً: زواج "لاله فاطمة نسومر"

عندما بلغت "لاله فاطمة نسومر" السادسة عشرة من عمرها تزوجت أحد أقاربها من أمها وهو "يحي ناث ايخولاف"، وقد رضيت به على مضض بعد أن تقدم لخطبتها كثير من الشباب ورفضتهم.

عندما تم زفاف "لاله فاطمة نسومر" إلى زوجها تظاهرت بالمرض وأظهرت وكأن بها مساً من الجنون فأعادها لأهلها، ولكنه رفض أن يُطلقها فبقيت في عصمته طول حياتها.

تفرَّغت "لاله فاطمة نسومر" للتنسك والعبادة، وتفقهت في علوم الدين، وتولت أمور الزاوية الرحمانية بعد وفاة والدها.

ثالثاً: ممارسة "لاله فاطمة نسومر" للنضال بمفهوم الدين

أثبتت "لاله فاطمة نسومر" أن النضال ضد المحتل ليس حِكراً على الرجال، فقامت بمشاركة الرجال في حمل السلاح وقاتلت المحتل الفرنسي معهم جنباً إلى جنب.

كانت للنشأة الدينية لـ "لاله فاطمة نسومر" أثراً كبيراً في مشوار نضالها حيث تسلحت بالقرآن الكريم، وعملت على ممارسة النضال من منظور الدين.

إن هذا المفهوم الذي دخلت به "لاله فاطمة نسومر" ساحة النضال جعل شيوخ القبائل يثقون في حكمتها ويمدونها بما تحتاج إليه من مؤن، وبما تطلبه منهم من تعليمات، ومن الألقاب التي أطلقها عليها شيوخ القبائل، لقب "أخت الرجال".

إن دور "لاله فاطمة نسومر" كان أكبر من مُجرد حمل السلاح، فلقد كان دورها دوراً روحياً تحريضياً، كما كانت تعد المرجعية الدينية لرجال المقاومة، تحمِّسهم وتحثهم على مقاومة المُحتل الذي يغتصب الأرض والعِرض، ويستبيح حُرمة الدين واللغة، ويُدنِّس المُقدسات، ويعيث في أرض الوطن فساداً.

بجانب كل ما سبق، تميزت "لاله فاطمة نسومر" بقدرتها الفائقة على رصد وتتبع حركات جنود الاحتلال الفرنسي وأماكن تمركزهم، وكل هذه الصفات مجتمعة جعلتها تبث الرعب في نفوس أعتى القادة والجنرالات في الجيش الفرنسي المحتل.

رابعاً: دور "لاله فاطمة نسومر" في ميدان المعركة

إن أشهر المعارك التي قادتها "لاله فاطمة نسومر" ضد الاحتلال الفرنسي هي تلك المعركة التي خاضتها الى جانب "الشريف محمد بن عبد المالك الإدريسي" الذي لقبه الاحتلال بـ "بوبغلة" استخفافاً بشأنه.

كانت هذه المعركة بقيادة الجنرال "روندون "، وقدمت فيها المقاومة الجزائرية أروع صور النضال، لكن عدم تكافؤ القوات اضطر "الشريف محمد بن عبد المالك الإدريسي" للأخذ بنصيحة "لاله فاطمة نسومر" بالانسحاب نحو "بني يني" ودعيا هناك للجهاد المقدس.

استجاب شيوخ الزوايا وأتباعهم لنداء الجهاد المقدس واتجهوا نحو منطقة "واضية" لمواجهة زحف قوات الاحتلال الفرنسي بقيادة "راندون" و "يوسف التركي" ومعهما الخائن "الباش أغا".

احتدمت المعركة، وتلقت قوت الاحتلال الفرنسي ومؤيديه هزيمة مُنكرة ترتب عليها أن انسحبت القوات الفرنسية مُخلفة ورائها مئات القتلى.

وفي هذه المعركة تمكنت "لاله فاطمة نسومر" من قتل الخائن "الباش أغا" بيدها، كما استطاعت أن تنقذ رفيقها "الشريف الإدريسي" من موت مُحقق حينما سقط جريحاً في ساحة المعركة.

ولكي تشحذ "لاله فاطمة نسومر" من همة "الشريف الإدريسي" قالت له: "أيها الشريف لن تتحول لحيتك إلى عشب أبداً "، وهي تقصد بذلك أن جهوده لن تضيع هباء، وأن رفاقه لن يخذلوه ولن يتخلوا عنه.

ظلت حرب العصابات وعمليات الكر والفر تتوالى بين قوات "لاله فاطمة نسومر" وقوات الاحتلال الفرنسي حيث تمكنت "لالا فاطمة نسومر" من أن تذيق قوات الاحتلال الفرنسي الويلات وتكبدهم الخسائر مما اضطرهم للقيام بتعزيز قواتهم بقوات إضافية من أجل مواجهتها.

ورغم ما قامت به قوات الاحتلال إلا أن "لاله فاطمة نسومر" قامت بإجراء انسحاب تيكتيكي تمكَّنت على إثره من ضرب مؤخرات جيش الاحتلال الفرنسي وقطع طرق المواصلات والإمدادات عليه، وهذا ما أربك قوات الفرنسيين وعلى رأسهم الجنرال "راندون" الذي طلب الهدنة ووقف القتال بين القوتين.

تم بالفعل توقيع اتفاق بوقف القتال، وكانت شروط الاتفاق هي:-
- إعادة انتشار القوات الفرنسية خارج القرى والتجمعات السكانية.
- توقف الجزائريين عن دفع الضرائب.
- عدم متابعة ومعاقبة قادة المقاومة.
- حماية الأشخاص والممتلكات.

تظاهر "راندون" بقبول شروط الاتفاق إلا أنه أمر بإلقاء القبض على الوفد الجزائري المفاوض بمجرد خروجه من المعسكر الفرنسي.

بعد ذلك، قامت قوات الاحتلال الفرنسي بإعادة ترتيب صفوفها مرة أخرى واتجهت صوب قرية "آيت تورغ" حيث تتمركز قوات "لاله فاطمة نسومر"، وعلى الرغم من المقاومة الباسلة من قوات "لالا فاطمة نسومر" إلا أن قواتها قد هزمت لعدم التكافؤ بين القوتين حيث كان عدد جنود قوات الاحتلال قد بلغ 45 ألف جندي مقابل 7 آلاف مناضل جزائري.

أسفرت تلك المواجهة عن تمكن قوات الاحتلال الفرنسي من أسر "لالا فاطمة نسومر"، وكان ذلك في 11 يوليو 1857م.

بعدما تمكنت القوت الفرنسية من أسر "لاله فاطمة نسومر" توغلت قواتهم في النهب ومصادرة الممتلكات حيث تم نهب حُلي النساء، والاستيلاء على 50 بندقية، وأكثر من 150 مجلداً من الكتب العلمية والدينية النادرة.

خامساً: التحفظ على "لاله فاطمة نسومر" حتى وفاتها

تم التحفظ على "لالا فاطمة نسومر" ومعها 30 شخصاً من الرجال والنساء في منطقة "بني سليمان"، حيث تم وضعهم جميعاً قيد الإقامة الجبرية.

استغلت "لالا فاطمة نسومر" هذه الإقامة الجبرية في العبادة ومُدارسة العلم، وظلت هكذا لمدة سبع سنوات إلى أن تكالبت عليها الأمراض وأصيبت بالشلل، وتوفيت رحمها الله في سبتمبر 1863 عن عمر ناهز 33 سنة، ويُقال أنها ماتت مسمومة.

دُفِنت "لالا فاطمة نسومر" في مقبرة بعيدة عن المكان الذي توفيت فيه، وفي عام 1995م تم نقل رفاتها إلى (مربع الشهداء بمقبرة العالية)، وفي عام 2009م تم تشييد المكان ليكون متحفاً يحمل اسمها.

سادساً: تكريم المناضلة "لاله فاطمة نسومر"

إن قصة المناضلة "لاله فاطمة نسومر" قد ألهمت كثيراً من الشعراء والكتاب والأدباء مما جعل لها رصيداً كبيراً في الأدب العربي والتراث والفن، نذكر من ذلك:-

1- تم أطلاق اسم "لاله فاطمة نسومر" على العديد من الجمعيات النسوية في الجزائر، كما كانت حياتها مصدراً للعديد من الأعمال الأدبية والفنية، وذلك تقديراً لدورها النضالي والتاريخي.

2- تم تشييد العديد من التماثيل لها في الميادين الجزائرية.

3- تم أطلاق اسم "لاله فاطمة نسومر" على بعض الشوارع في الجزائر، وكذلك بعض المدارس، ويتم تدريس سيرة ونضال "لاله فاطمة نسومر" في المناهج الدراسية.

4- قامت الجزائر مؤخراً بإطلاق اسم "لاله فاطمة نسومر" على إحدى بواخرها العملاقة الناقلة الغاز الطبيعي المُسال، وذلك في عام 2004 م.

5- في عام 2010 م قررت وزيرة الثقافة الجزائرية (خليدة تومي) إنتاج فيلماً عن حياة "لاله فاظمة نسومر" من إخراج (رشيد بوشارب)، وأسند دور البطولة فيه للممثلة الفرنسية ذات الاصول القبائلية (إيزابيل ياسمين أدجاني).

6- في عام 2012م أوصت (الشيخة موزة بنت ناصر) بإنتاج فيلماً سينمائياً ضخماً عن حياة المناضلة الجزائرية "لاله فاطمة نسومر"، وذلك بمناسبة مرور 150 سنة على رحيلها، وتم رصد ميزانية تقارب الـ40 مليون دولار لإتمام هذا العمل، كما تم اختيار المخرج الجزائري (رشيد بن حاج) ليتولى إخراج الفيلم على أن يكون هناك مشاركة رمزية لحفيدة "نسومر" في أحد مشاهد الفيلم.

7- تم توثيق حياة "لاله فاطمة نسومر" في فيلم آخر بعنوان (فاطمة نسومر) من إخراج (بلقاسم حجاج) وتم عرض الفيلم في 2014 م.

8- وتم كذلك توثيق حياة "لاله فاطمة نسومر" من خلال مسرحية عن سيرتها من تاليف "إدريس قرقورة" تحمل اسم "لاله فاطمة نسومر: المرأة الصقر".

9- قامت بلدية ايتربيك في بروكسل ببلجيكا بإطلاق اسم المقاومة الجزائرية "لاله فاطمة نسومر" على أحد شوارعها، وذلك في 2020م.

10- تم إدراج سيرة ونضال "لاله فاطمة نسومر" في العديد من المؤلفات الجزائرية والعالمية، كما تم تخليد سيرتها في قصيدة طويلة باللغة الأميزيجية وتمت ترجمتها للغة الفرنسية.

أخيراً أقول

إن ذكرنا لسيرة "لاله فاطمة نسومر" وغيرها، ليس للتسلي ولا للبكاء على أطلال مجد ضائع، ولكن لاستنساخ مثل هذه الشخصيات من جديد، ولبيان أن التربة الطيبة والمنبت الحسن والهمة العالية والحرص على ارتقاء سلم المجد واقتفاء أثر الأخيار، كل هذه العوامل هي التي صاغت شخصية المجاهدة الشهيدة والبطلة الصنديدة والصالحة الزاهدة الشريفة، السيدة فاطمة بنت محمد بن عيسى المعروفة بـ "لاله فاطمة نسومر" عذراء الجبال وقاهرة جنرالات الاحتلال، طيَّب الله ثراها وجعل الجنة مأواها.

وأقول

إن دورنا هو أن نفكر بجدية كيف نخرج جيلاً من الفتيات والنساء اللائي ينشغلن بهموم الأمة، وتنشغلهن بالخطط العملية أكثر من انشغالهن بالأزياء وبالمساحيق التجميلية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

مساهمة الرياضة في بناء “القوة الناعمة” للدول

إن المصطلح الذي يعرف بالقوة الناعمة (soft power) وهو المصطلح الذي تنتهجه بعض الدول الكبرى …