المناضل الجزائري “الشريف بوبغلة” الذي تم قطع رأسه وهو حي

الرئيسية » بأقلامكم » المناضل الجزائري “الشريف بوبغلة” الذي تم قطع رأسه وهو حي
الشريف-بوبغلة

يعتبر المناضل الجزائري (محمد الأمجد بن عبد المالك)، الملقب بـ"الشريف بوبغلة"، من أبرز رموز المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي.

لقبته قوات الاحتلال الفرنسي بلقب "بوبغلة" استخفافاً بشأنه، فكان لقب "بوبغلة" لقب تشريف له لأنه استطاع بإمكانياته المتواضعة أن يذيقهم الويلات، وأن يلقنهم دروساً في البطولة قاسية مريرة لا تنسى، كما استطاع أن يُحوِّل أيامهم إلى أهوال ولياليهم إلى فزع وكوابيس.

سلكت قوات الاحتلال الفرنسي كل السبل للوقيعة بـ" الشريف بوبغلة" إلا أنهم لم يتمكنوا من القبض عليه إلا عن طريق الخيانة والعمالة حيث جندوا من أبناء الشعب الجزائري من يقوم بالقبض عليه وفصل رأسه عن جسده وهو حي.

أولاً: المولد والنشأة

ولد المناضل الجزائري (محمد الأمجد بن عبد المالك) الملقب بـ"الشريف بوبغلة" في عام 1810م بمنطقة "سعيدة" غرب الجزائر، وخاض ثورة شعبية ضد الاحتلال الفرنسي في "جبال جرجرة" لمدة أربع سنوات حتى وفاته في 26 ديسمبر 1854م.

من لقبه يُمكننا القول أن (الشريف بوبغلة) من عائلة شريفة عريقة لها حظوة ومكانة كسائر الأشراف، وأنه كان حافظاً للقرآن الكريم وعلى دراية بالعلوم الشرعية، وهذا ما أهَّله للدعوة إلى الجهاد ومُراسلة مشايخ القرى والقبائل ورؤساء المناطق.

عُرف عن "الشريف بوبغلة" أنه لم يكن يميل إلى الاستقرار، فهو من بين الأبطال الذين استوطنوا سُروج خيولهم وجعلوا من ميادين المعارك التي خاضوها منازلاً لهم، وهذا ما جعل "الشريف بوبغلة" يتوسع في تحركاته لجمع الأتباع، ونشر دعوته للمقاومة والجهاد حتى وصلت إلى "منطقة بجاية".

وعن الأساليب التي كان يستعملها لتحريض الأهالي ضد الاحتلال الفرنسي يقول الباحث "محفوظ قداش" في كتابه (جزائر الجزائريين)، بأن بوبغلة "كان يركِّز في خطبه على كُرْه الأجنبي والشعور بالاستقلال، وكان يُبهر مُناصريه بالتحكم في الخيل وهو مُحارب مُفرط الشجاعة، التحق به فرسان قدماء من جيش الأمير عبد القادر".

ثانياً: نبذة عن مشوار نضال "الشريف بوبغلة" ضد الاحتلال الفرنسي

ورد في كتاب (تاريخ الجزائر المعاصر 1830-1989م)، بأن بوبغلة "أطلق ثورته من "بني مليكش" بجبال جرجرة وتمكّنت قواته من إحراز أولى انتصاراتها في مارس 1851م" اهـ.

عندما كثف "الشريف بوبغلة" من عمليات النضال والمقاومة ودارت حوله الشبهات من قِبل قوات الاحتلال الفرنسي قرَّر مغادرة منطقة "شلالة العذاورة" وانتقل إلى منطقة "قلعة بني عباس"، وهناك قام بالاتصال بشيوخ القبائل ومراسلة الشخصيات البارزة في المناطق المجاورة يدعوهم إلى الانضمام إليه لمحاربة المحتل الفرنسي.

عندما قامت شيوخ القبائل بتلبية طلب "الشريف بوبغلة" قاد عدة معارك ضد قوات الاحتلال الفرنسي منها "معركة أوزلاقن" التي كانت في شهر يونيو من عام 1851م حيث اصطدم بقوات العقيد الفرنسي (دي ونجي) وأعوانه وقتل خلال تلك المعركة عدداً كبيراً من الطرفين.

وفي نفس العام، قام "الشريف بوبغلة" بترتيب صفوفه والعمل على زيادة أتباعه وتحديد أولوياته، وكان في قمة أولوياته:-

- تحديد الشخصيات الموالية للاحتلال الفرنسي وكيفية التعامل معهم.
- تحديد الضباط الفرنسيين الذين يجب التخلص منهم.
- تحديد المراكز العسكرية لجنود الاحتلال الفرنسي وكيفية اختراقها.
- تحديد المناطق الاستراتيجية التي يمكن الالتجاء إليها إذا اقتضت الضرورة.
- تحريض وتعبئة مختلف القبائل للانضمام إليه عندما يأمرهم بذلك.

بعد أن استكمل "الشريف بوبغلة" جميع الاستعدادات أعلن الهجوم على (عزيب بن علي شريف) في منطقة "شلاطة"، حيث كان من المتعاونين مع قوات الاحتلال الفرنسي ضد قوات المقاومة الشعبية الجزائرية.

قامت القوات الفرنسية بتكثيف تواجدها في المنطقة ووقعت مصادمات بين قوات "الشريف بوبغلة" وقوات الاحتلال الفرنسي مما اضطر "الشريف بوبغلة" إلى التراجع نحو قرية "إيبوزيدين" بمنطقة "مليكيش"، ومنها إلى "بني صدقاء" شمال منطقة جرجرة ثم إلى الجهة الساحلية، وفي كل مرة يقوم "الشريف بوبغلة" بشن غارات ضد قوات الاحتلال الفرنسي تربك صفوفهم وتفقد قادتهم صوابهم، مما اضطر قادة الاحتلال الفرنسي إلى إعداد قوة مكونة من نحو 3 آلاف من المشاة الفرنسيين تمكنت من إلحاق خسائر في صفوف "الشريف بوبغلة".

وفي واحدة من المواجهات التي قام بها "الشريف بوبغلة" اصطدم بقوات "بوبريط" عند منطقة الواضية في 19 يونيو 1852م أصيب خلالها بجروح في رأسه، وبالرغم من ذلك واصل أتباعه المقاومة.

في الفترة من عام 1851-1857م كانت قمة المواجهات بين قوات المقاومة الشعبية وقوات الاحتلال الفرنسي حيث قامت السلطات الفرنسية بإرسال عدة حملات إلى أماكن تمركز "الشريف بوبغله" ومن معه من المناضلين، كما قامت بإرسال حملات أخرى لتأديب القرى والمناطق المؤيدة لـ "الشريف بوبغلة" والداعمة له مثل "عزازقة" وقبيلة "بني جناد" والقبائل الأخرى التي تقع على الضفة اليمنى لـ "سباو"، وكان الهدف الأساسي لقوات الاحتلال الفرنسي هو إخضاع منطقة جرجرة، وقبيلة بني جناد تحديداً.

كانت حملات الاحتلال الفرنسي يقودها كبار القادة الفرنسيين والجنرالات أمثال (وولف- كامو- ماكماهون- راندون- ميسات- بوبريط... وغيرهم).

استمرت المواجهات بين قوات المقاومة والقوات الفرنسية حوالي 40 يوماً تكبدت خلالها قوات الاحتلال الفرنسي مقتل 94 جندي وجرح 593 آخرين حسب المصادر الفرنسية التي لم تشر إلى الخسائر التي وقعت في صفوف المقاومين الجزائريين.

ثالثاً: التقاء "الشريف بوبغلة" والمناضلة "لاله فاطمة نسومر"

بعد أن قامت قوات الاحتلال الفرنسي بتكثيف حملاتها ضد "الشريف بوبغلة" ورجال المقاومة اضطر "الشريف بوبغلة" إلى مغادرة "مليكش" المنطقة الجنوبية لولاية "تيزي" حيث التقى مع المناضلة العابدة الزاهدة "لاله فاطمة نسومر"، وقام بتنظيم صفوفه وإحكام خطته لمواجهة قوات الاحتلال الفرنسي من جديد.

اغتنم "الشريف بوبغلة" فرصة انشغال السلطات الفرنسية في حرب القرم إلى جانب الدولة العثمانية ضد الإمبراطورية الروسية، وذلك في الفترة من 1853 إلى 1856م، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية باريس وهزيمة الروس، وقام "الشريف بوبغلة" بتكثف هجومه على قوات الاحتلال الفرنسي، كما قام بدعوة القبائل إلى المقاومة، وبالفعل استجابت له منطقتي "آيت جناد" و "آيت إجر".

ونتيجة لتكثيف حملات المقاومة قام الجنرال "روندون" بشن حملة كبيرة على رجال المقاومة الجزائرية في منتصف عام 1854 حيث أصيب "الشريف بوبغلة" خلال واحدة من هذه الحملات.

تمكنت المناضلة "لاله فاطمة نسومر" من إنقاذ "الشريف بوبغلة" ولتستنهض همته، قالت له قولتها المشهورة "أيها الشريف، لن تتحول لحيتك إلى عُشب أبداً"، قاصدة بذلك أن جهوده لن تضيع هباءا، وأن رفاقه لن يخذلوه ولن يتخلوا عنه.

ونتيجة للإصابة التي تعرض لها "الشريف بوبغلة" اضطر إلى العودة إلى "بني مليكش" ليستأنف مقاومته من هناك.

اشتركت فاطمة نسومر ومن معها من أتباع الطريقة الرحمانية مع "الشريف بوبغلة" في معارك كثيرة ألحقا فيها هزائم فادحة بقوات الاحتلال الفرنسي، منها المعركة التي وقعت في 18 يوليو 1854، حيث هزم فيها الفرنسيون وانسحبوا مخلفين ورائهم أكثر من 800 قتيل ومئات الجرحى.

رابعاً: مقتل الشريف بوبغلة

للقضاء على "الشريف بوبغله" ومن معه، قامت فرنسا بتجنيد آلاف الجنود فاختلّ ميزان القوى بين الطرفين وُهزِم "بوبغلة" في مواجهات عديدة وفقد الكثير من رجاله إلا أنه لم يستسلم.

قامت قوات الاحتلال الفرنسي بحرق عشرات القرى من أجل الوصول إلى "الشريف بوبغلة"، إلا أنه كان كالشبح بالنسبة لهم، وكالهاجس الذي يطاردهم طيفه فيقض نومهم، قلم يتمنكوا من الوصول إليه.

عندما أسقط في يد قوات الاحتلال الفرنسي ولم تستطع الوصول إلى "الشريف بوبغلة" قامت برصد مكافأة مالية لكل من يُدلي بمعلومات عن مكانه أو يأتي به حياً أو ميتاً.

سال لعاب العملاء والخونة الجزائريين من أجل الحصول على المكافأة التي رصدتها فرنسا فقاموا بالبحث عن "بوبغلة" ورصد تحركاته، إلا أنه اختفى عن الأنظار واعتمد حرب الكرّ والفرّ بدلاً من المواجهة المباشرة.

في نهاية المطاف تمكَّن الخونة والعملاء من رصد مكان "بوبغلة" إلا أنه فرَّ منهم، فما كان منهم إلا أن طاردوه حتى تعثر فرسه فأطلقوا على "بوبغلة" النار فأصيب إثر ذلك إصابة بالغة في ساقه، هنا تمكن الخونة بقيادة العميل الخائن (القايد لخضر بن أحمد المقراني) من القبض عليه.

طلب "الشريف بوبغلة" من "القايد لخضر" ألا يقتله وأن يأخذه حياً ويُسلمه لقوات الاحتلال الفرنسي، إلا أن "القايد لخضر" استغل الإصابة البالغة في ساق "الشريف بوبغلة" وارتمى عليه وقطع رأسه وهو حي، وكان ذلك في 26 ديسمبر 1854م.

خامساً: تسليم رأس "بوبغلة" لقوات الاحتلال وقيامهم بإرسالها إلى فرنسا.

قام الخائن الجزائري "القايد لخضر" بتسليم رأس "الشريف بوبغلة" إلى "حاكم برج بوعريريج" (منطقة شرق الجزائر)، وقام هذا الأخير بربط رأس "بوبغلة" وحصانه وثيابه وسلاحه والختم الذي كان يستعمله في مراسلاته، وطاف بهم في الشوارع والطرقات لإرهاب الجزائريين، غير أن المقاومة لم تمت بموته.

قررت قوات الاحتلال الفرنسي نقل رأس "الشريف بوبغلة" إلى متحف الإنسان بباريس لطمأنة السلطات الفرنسية بأن القوات قد تمكنت من القضاء على مصدر الخطر بالنسبة لقواتهم في الجزائر، إلا أن المقاومة ظلت مستمرة بعد وفاة "بوبغلة" لأكثر من قرن من الزمان إلى أن جاء المناضل "محمد العربي بن مهيدي" الذي خاطب قوات الاحتلال الفرنسي بقوله: "إنكم ستهزمون لأنكم تريدون وقف عجلة التاريخ، وإننا سننتصر لأننا نمثل المستقبل الزاهر".

سادساً: عودة جمجمة "الشريف بوبغلة" إلى الجزائر بعد 170 سنة من مقتله.

ظل موضوع إرسال جماجم قادة المقاومة الجزائرية إلى فرنساً سِرَّاً لا يعرفه إلا السلطات الفرنسية إلى أن تم اكتشاف الأمر بعد أكثر من قرن ونصف من الزمان، ويرجع الفضل في اكتشاف أمر هذه الجماجم إلى الباحث الجزائري "علي فريد بلقاضي"، الذي اكتشف وجودها مُخبّأة في متحف الإنسان بفرنسا عام 2011م.

تسبب اكتشاف أمر جماجم قادة المقاومة الجزائرية في إثارة الرأي العام الجزائري، وزادت المطالب والنداءات بإعادة هذه الجماجم ودفنها بشكل لائق في الجزائر.

وبالفعل، بعد ضغوط ومباحثات بين الجزائر وفرنسا، استقبلت الجزائر 24 جُمجمة لمناضلين جزائريين لم تدفن جثثهم منذ أكثر من 170 عاماً، وكان ذلك في 3 يوليو 2020م.

تم استقبال جماجم قادة المقاومة الجزائرية القادمة من فرنسا في توابيت ملفوفة بالعلم الجزائري، ليتم دفنها يوم 5 يوليو 2020م، الموافق للذكرى الـ58 لاستقلال الجزائر، مما يُعد استعادة لجزء من ذاكرة التاريخ الجزائري، وثأراً لهؤلاء القادة المغاوير الذين سطروا أمجادهم وأمجاد بلادهم بأحرف من نور في سجلات النضال ضد الظلم وضد الاحتلال.

أخيراً أقول

إذا كان معروفاً في عصرنا هذا أن الدواعش يقومون بقطع رؤوس ضحاياهم، وأن العالم يستغل ذلك الفعل الهمجي اللاإنساني لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، فلابد أن نؤكد أن قدوة الدواعش في ذلك الإجرام هو ذلك الاحتلال الفرنسي المجرم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

قراءة سريعة في كتاب (موجبات تغير الفتوى في عصرنا)

من الرسائل القصيرة التي خطها الإمام القرضاوي وخصّ بها الاتحاد العام لعلماء المسلمين في طبعتها …