في واحد من أهم التساؤلات التي تتداخل فيها الإجابات، وتتشعب فيها الأسباب، وتحتار فيها التفسيرات حول مشكلات هذا الجيل، وما آل إليه حاله من التناقضات، رغم التقدم الكبير في أساليب التربية والتعليم على مستوى المؤسسات التربوية الرسمية وغير الرسمية، وعلى درجة كبيرة من الحيرة يبرز السؤال: لماذا هناك إشكالية في تعديل السلوك غير المرغوب رغم ما يبذل في سبيل تحقيق الأهداف التربوية؟
لماذا لم تعد تؤثر المؤسسات التربوية في تشكيل سلوك الطلبة المرغوب فيه رغم الاعتماد على أحداث الطرق والوسائل، وتحسين جودة المدخلات، واتخاذ التدابير اللازمة في سبيل ذلك؟
ألهذا الحد لم ينجح الخطاب التربوي في تشكيل اتجاهات تنطوي على العقلانية والمنطق وقبول الآخر والتسامح، والإبداع؟
ولأني لا أنتظر الإجابة عن هذه الأسئلة، التي قد تبدو إجابتها خلافية بين مؤيد ومعارض، لا أعتقد أن هناك خلاف بين عاقلين على أن هذا الجيل لا يتصف بما نصبوا إليه، ولا بما نطمح معه لبناء مستقبل مشرق، وإن كان الخير فيّ، وفي أمتي إلى يوم الدين، إلا أن الشواهد العامة لا تبشر بخير، شواهد تجعلنا نعتصر ألما عندما نقارن حالنا بحال غيرنا.
قد يكون جميعنا ضحايا، وقد يكون أغلبنا مقصرون، ضحايا أنظمة متوارثة لم تخلف إلا التبعية ولم تعتد إلا التنفيذ، ومقصرون في اعتماد أسلوب التلقين الذي لم ينم نسقاً قيمياً يتناسب مع الأهداف التربوية المعلنة، أو ينمي المسؤولية الاجتماعية والوطنية بأقل دليل يتمثل في عدم الحفاظ على الممتلكات العامة والرغبة في الهجرة، وتراجع الانتماء الوطني، وانحسار الغايات في اجتياز الامتحانات والحصول على الشهادات.
إن ما يحدث الآن، لا يخرج عن أن الخطاب التربوي ينمي المنحنى اليوتيوبي في معالجة القضايا المجتمعية، والدعوة إلى الحوار والتسامح وقبول الآخر، والحفاظ على الصالح العام، فبينما يدعو إلى مجتمع نموذجي- المدنية الفاضلة- تذوب فيه الفوارق ويطبق فيه القانون والعدالة، وأن لكل مجتهد نصيب، وأن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وما يجب أن يكون، يرى الأفراد بأم أعينهم ويعايشون واقعاً يتناقض تماماً مع بيانات وتوجهات هذا الخطاب.
وما يزيد الطين بلة، هو أن استسلام المتعلمين في ظل تراجع الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمعلم لمعلوماته ومعارفه بطريقة التلقين، أدى إلى تنامي ظاهرة النمطية في البحث والكلام، والحديث، وتقمص الشخصيات والتقليد، وهو ما نراه شاخصاً على مواقع التواصل الاجتماعي من القص واللصق وعدم تحري دقة وصدق المعلومات.
وهنا نصل إلى مسألة لا بد من الإشارة إليها وهي الخلط المتعمد بين الخطاب التربوي والخطاب السياسي، الذي سحب العملية التعليمية لتكون أداة سياسية تنظيرية، دون أن يكون لها الأثر الفعلي في التغيير، الأمر الذي ترتب عليه تنامي ظاهرة الاغتراب عن المجتمع الناتج عن:(يقولون ما لا يفعلون)، والإحساس المرارة والقهر نتيجة التناقض بين المكانة الاجتماعية ومستوى التعليم، وإضفاء هالة من التقديس على أصحاب القرار، والخطاب التربوي الممزوج دينياً باعتباره امتحاناً سماوياً يختبر الصابرين.
لعل ما كتبت بين السطور أعمق مما هو عليها، وللقارئ حرية التحليل بحجم الوجع الذي ينتاب المخلصين، والذين يرون فيه أن كل ما ينفق على التعليم والتربية والإصلاح لم يؤتِ ثماره بالكم والنوع المطلوبين، وبحجم اللامبالاة التي تسري في دم المزيفين الذين حملوا ألقابهم لينفعوا أنفسهم ومصالحهم الضيقة، وخانوا القسم ولم يفكروا استراتيجيا بالأجيال القادمة.
لذا فإني أرى أن خطابنا التربوي لم يعد أداة لإصلاح الخطاب السياسي، وأنه يعيد إنتاج نفسه، وإن كان يحمل عبقاً من التجديد فهو يقتصر على تنمية الميول المتناسبة مع أيديولوجيا النظام الاجتماعي القائم، أيديولوجيا التعبئة فقط.