الانعزال الاجتماعي… التأثير الخطير للتكنولوجيا الحديثة

الرئيسية » بأقلامكم » الانعزال الاجتماعي… التأثير الخطير للتكنولوجيا الحديثة
islolation-alone3

على الرغم من تواجد الجرائد والصحف لأكثر من مئتي عام، إلا أن الناس في القرن الخامس عشر لم يدمنوا عليها كإدمانهم لبعضهم البعض. فكانوا يسمعون الأخبار من أصدقائهم عما يجري داخل المدينة وخارجها، ويتشوقون للجلوس مع عائلتهم وأطفالهم من أجل التسلية والترفيه، ومتقاربين مع جيرانهم للدعم ومساعدة البعض.
لم يكن هناك الكثير من الكتب، فكنت تسمع أغلب الأحاديث وتتلذذ بها مع أشخاص آخرين وليس مع نفسك حينما تقرأ كتاب ما مثلاً.

لكن تدريجياً مع مرور الزمن، بدأت الصحف والكتب تصبح أكثر شهرةً، وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر، حتى أصبحت أعداد غفيرة من الناس يجيدون القراءة والكتابة، عندها تحولت أحاديثهم – التي كانت آنية ومفيدة – إلى ما قرأوه في الجرائد والكتب من أخبار وقصص ودراسات وخيال، وأفرغ الأفراد المثقفون معظم أوقاتهم للانعزال والقراءة والدراسة بدلاً من الاختلاط والتجمع. لأنه لم يكن هناك حاجة لسماع الأخبار من الاصدقاء بعد الآن، فالصحف والكتب (بالرغم من أنها كانت منقولة ومكتوبة من قبل أشخاص غرباء) استبدلت جزءاً من أدوار الحديث بين الأقارب والأصحاب.

ثم جاء العصر الأكثر تأثيراً للتواصل والمعلومات، رأى الناس الذين عاشوا في القرن العشرين الكثير من التقنيات التي أسرعت من عمليات التواصل، من الراديو إلى التلفاز إلى الهاتف النقال إلى الإنترنت.

الراديو استطاع أن يكتسب جماهير متنوعة مع انتشاره بشكل واسع في التسعينات من القرن الماضي، على عكس الكتب والجرائد، لم يتطلب الراديو اكتساب مهارات من الفرد المستمع مثل إجادة القراءة، لذلك اقتناه طبقات متنوعة من الشعوب وليس فقط الطبقة المثقفة. شغل الناس الراديو للاستماع إلى الأخبار أو الأغاني أو حتى للاستماع الى حديث بسيط بين شخصين في الاستوديو، فبذلك ابتعد الأفراد عن لقاء بعضهما أكثر من السابق، وهذه المرة للاستمتاع بسماع أحاديث أكثر إثارة في الراديو بدلاً من التكلم مع الصديق، واصبح الجميع صامتين ليسمعوا صوتاً واحداً صادراً من جهاز إلكتروني.

ازداد الأمر تعقيداً عندما تم تقديم التلفاز للعامة في الخمسينات من القرن الماضي. استطاع التلفاز أن يغطي فراغنا العاطفي وجعلنا نشعر بالانتماء بالرغم من أننا كنا وحيدين ومتباعدين، واستغل حاستنا البصرية مع السمعية للولوج إلى عالم المحاكاة، وبالفعل تمثل هذه الحقبة (التلفازية) بداية دخول الإنسان إلى العالم الافتراضي والابتعاد أكثر من الواقع والاجتماع البشري. لم نكن بعد الآن مضطرين إلى حمل تفاهات الناس حولنا أو ضغوطات وعبء المجتمع، يمكننا تغيير المزاج فقط بضغطة زر على الجهاز التحكم. لكننا أيضاً بهذه الفعلة اغتربنا عن المجتمع وعن طبيعتنا البشرية بشكل أعظم من السابق.

وأخيراً، اجتاح الإنترنت العالم في التسعينات من القرن العشرين ليوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. عدمية التواصل الجسدي والرؤية الفعلية للآخر، الشعور بالوحدة والاغتراب والكآبة بسبب العزلة وإمضاء ساعات طويلة على الهاتف الذكي، قلة الرغبة في الخروج أو اكتساب أصدقاء حقيقيين، هذه جميعها آثار تراكمت علينا تدريجياً من آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا في القرن العشرين وشهدوا تلك التقنيات المعلوماتية.

بالرغم من أننا نحقق نفس الهدف في مواقع التواصل الاجتماعي الذي نفعله عند الحديث مع الناس (للحصول على معلومات من الآخرين، التعرف على أشخاص جدد، والتسلية مع الأصدقاء)، لكن وسيلتنا تغيرت نحو ذلك الهدف، ومع هذا التغير غير الطبيعي، تولد ناس غير طبيعيين، يريدون دائماً الشعور بالشوق والإثارة المطلقة التي هي مغايرة تماما عن الأحاديث اليومية البسيطة. اختفت الحاجة إلى التكلم والجلوس ومشاركة الأخبار مع البعض مع تطور مواقع أخرى مثل اليوتيوب والانستغرام وغيرهم.

لا يحول بيننا وبين الاستثمار التام في الإنترنت سوى معرفتنا بأنه خيالي غير حقيقي، إنه عالم افتراضي كما يقولون لنا. لكن تخيل لو لم نقدر على التفرقة بين العالم الافتراضي والحقيقي، ما الذي سيحدث حينه، هل يا ترى سيبقى المجتمع مرتبطاً كما في سابقه؟ أم سيتخلص كل واحد من عائلته وقرينه وجيرانه من أجل هذا العالم الخيالي المثير!

لو قارنا ما كنا عليه وما أصبحنا فيه سوف نرى فرقاً شاسعاً بينهما. ربما لن نعود أبدا إلى ما كنا عليه بعد اعتمادنا الشامل على تلك التقنيات للعمل والترفيه والحصول على المعلومات. لكن هناك رسالة واضحة واحدة، وهي أننا يجب أن نوعي أنفسنا على ما يحصل فينا، وربما يجب أن نعيد تلك الارتباطات العائلية والصداقات ليست لأنها فقط حقيقية، بل لأنها طبيعية، ونحتاج أن نشبع طبيعتنا الجينية النفسية الاجتماعية، التي يجب أن نعتني بها كما نعتني ببطوننا وصحتنا الجسدية.

هذه الطبيعة البشرية لا تتغير في ليلة وضحاها، كما قال ابراهام لنكولن – أحد رؤساء الولايات المتحدة –: أفعال الإنسان يمكن تعديلها إلى حد ما، لكن طبيعة الإنسان لا تتغير أبداً.
نحن غيّرنا من أفعالنا وسُبلنا بالتواصل مع بعضنا، ولعلنا حققنا بعض من رغباتنا الاجتماعية بشكل غير طبيعي، إلا إننا نحتاج أن نفعل – في حين وآخر – ما فعله أجدادنا القدماء من التواصل طبيعياً ومباشرةً وبسيطاً، دون حائل يحول بين بعضنا ودون أحاديث مستوحاة من الأفلام والمسلسلات.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التفكير داخل الصندوق

"هناك تبلورٌ لحالةٍ ملموسة من التديّنِ الفرداني، يبدو أقل نضالية، وينتمي بوضوح إلى العالم المعاصر، …