تخطيط أنشطة الأطفال والمراهقين بين البيت والمدرسة.. ملاحظات أساسية

الرئيسية » بصائر تربوية » تخطيط أنشطة الأطفال والمراهقين بين البيت والمدرسة.. ملاحظات أساسية
arabic kids in the school, classroom wit a teacher

تُعتَبر أنشطة الأطفال والمراهقين في البيت والمدرسة وأماكن أخرى مثل الأندية ولدى جماعات الأقران، أحد أهم وسائل التنشئة السَّويَّة للطفل، ومِن دونها لا ينشأ الطفل سويًّا، سواء على المستوى النفسي أو على المستوى السلوكي والمهارات.

وعلى أهمِّيتها، يرى بعض خبراء التربية، ولاسيما الذين جمعوا بين الدراسات التربوية والاهتمام بالتاريخ الاجتماعي والسياسي؛ أنَّ أنشطة الأطفال توازي بل تفوق في كثير من الأحيان الأنشطة التعليمية المدرسية الإلزامية.

ويدلِّلون على ذلك بنماذج من التاريخ السياسي في الشرق الأوسط وأوروبا لرموز من عالم السياسة والحكم، أو في مجال الفنون والآداب، لم يتلقَّوا تعليمًا مدرسيًّا، وإنَّما تلقُّوا تعليمًا منزليًّا مع منظومةٍ مُخطَّطةٍ مِن الأنشطة، أدَّت بهم إلى أنْ يكونوا قادة حكم ورأي في مجتمعاتهم.

وتزداد أهمية الأنشطة اللاصفِّية والتي تتم خارج المدرسة، والتخطيط الجيد لها، كلما تقدَّمت المجتمعات الإنسانية وتعقَّدت صور الحياةِ فيها ، على النحو الذي نعرفه في مطلع القرن الحادي والعشرين، مع سهولة الوصول إلى المعلومات والأفكار المختلفة، بما فيها ما كان في الماضي في منزلة "التابوهات" المغلقة، ومع تأثير التقنية الرقمية على قدرات ومهارات الأطفال الذهنية والطَّرَفية/ الحركية.

فالمدرسة، وما يتم فيها من مناشط، والعملية التعليمية، لم تعُد قادرة على سدِّ الاحتياجات المطلوبة للتنشئة السليمة للطفل، وللمراهِق في ظل هذا التعقيد الذي نراه في حياتنا المُعَاصِرة.

المدرسة، وما يتم فيها من مناشط، والعملية التعليمية، لم تعُد قادرة على سدِّ الاحتياجات المطلوبة للتنشئة السليمة للطفل، وللمراهِق في ظل هذا التعقيد الذي نراه في حياتنا المُعَاصِرة

وفي ذلك تقول الدكتورة رحاب صالح برغوث، الأستاذ المساعد لمناهج الطفل بكلية رياض الأطفال، جامعة الإسكندرية، في دراسة لها عن الأنشطة اللاصفِّية ودورها في تنمية بعض مهارات السلوك القيادي لدى طفل الروضة:

"يُواجِه طفل القرن الحادي والعشرين جملةً مِن التحديات والمواقف على كافة الأصعدة، منها مواقف تعليمية واجتماعية ونفسية وذهنية تتطلب منه أنْ يسلك سلوكًا يتميز بالقيادة للآخرين تارةً، وبالاستقلالية تارةً أخرى، وبالجُرأة وتحمُّل المسئولية واتخاذ القرار تارةً، لذا فإنه يجب على خبراء التربية والتعليم من الاهتمام بوضع المناهج المُحَفِّزَة لتنمية بعض المهارات الذاتية لدى الطفل والتي تؤهله إلى مواجهة كافة المواقف التي يتعرض لها أثناء طفولته".

ونضيف على هذه الفقرة عبارة مهمة بعد عبارة الدكتورة رحاب، "أثناء طفولته"؛ حيث نضيف عليها "وفي مستقبله"؛ حيث إنَّه –مبدئيًّا– ينبغي الوضع في الاعتبار، أنَّ تربية الأطفال، وتخطيط الأنشطة الخاصة بهم؛ ينبغي أنْ يكونَ في ذهنية واضعها، والمربِّين في المدرسة، وأولياء الأمور في البيوت، تستهدف المستقبل بالأساس؛ حيث لا ينبغي قصر التفكير عند وضع أنشطة تنمية المهارات بشتى صورها، كيفية تعامُل الطفل مع واقعه، وإنَّما تربيته أيضًا لمستقبله.

وهو الأهم؛ حيث إنَّه في المستقبل سوف يُواجِهَ، تحديات جِسام، وأعقدَ وأهمَّ مما يُواجِه في طفولته، وسوف يواجهها مِن دونِ دِرعِ الحماية القوي الممثَّل في الوالدَيْن والأسرة.

وتشمل الأنشطة التي يجب توجيهها للأطفال في مراحل الطفولة المبكرة والمُتأخِّرة، وفي مرحلة المراهقة، طائفةً واسعةً مِن الأنشطة، سواء لجهة محتواها أو مستهدفاتها، والتي ينبغي أنْ تكونَ مَرِنَةً بحيث تراعي خصوصية واعتبارات كل مرحلةٍ مِن هذه المراحل الفرعية.

فعلى مستوى المهارات؛ فإنَّه ينبغي الموازنة في الأنشطة المُختارَة بين تطوير المهارات الذهنية والحركية، وما يتعلق بتعضيد السلوكيات الإيجابية لدى الطفل والمراهِق، والقضاء على السلوكيات السلبية، أو تقليصها قدر الإمكان، وتعزيز هويته الدينية والاجتماعية، وتوضيح رؤيته لنفسه ولدوره في هذه الحياة.

كما ينبغي التنويع في الأنشطة بحيث لا يملُّ الطفل أو المراهِق؛ فتحسين نوعية معينة من المهارات، ينبغي أنْ يتمَّ بأكثرِ مِن نشاطٍ.

كذلك يجب أنْ يكون النشاط جذَّابًا وملائمًا لبيئة الطفل؛ فليس من السليم مثلاً اختيار أنشطة مثل الهرولة وقيادة الدرَّاجات في البيئات الأكثر فقرًا، والتي لا تتوافر فيها الثقافة اللازمة لفهم مثل هذه النوعية من الأنشطة، أو البيئة المناسبة لممارستها، مثل الشوارع المُمَهَّدَة.

وفي هذا، تقول الكثير من الدراسات التربوية، إنَّه مِن أهمَّ ما ينبغي أنْ يتوافر في الأنشطة المُخَطَّطة جيدًا للطفل والمراهِق، هي تلك النابعة من بيئته بالفعل ، سواء لجهة تعريفه بها، وبمفرداتها، أو لجهة تعزيز قدرته على التفاعل مع هذه المفردات.

فهنا مثلاً يكون من بين الأنشطة ما يتضمن الخضروات والفواكه، والطيور والحيوانات التي تكون مِن حوله، ولا يُشتَرَط أنْ يتمَّ ذلك من خلال نماذج حية أو حقيقية، فيمكن أنْ يتم تعريفه بها من خلال الألعاب والنماذج الخشبية والبلاستيكية، وإنْ كان مِن المهم أنْ يكون هناك تفاعلٌ حيٌّ بينه وبين هذه المفردات على أرض الواقع.

ومن بين الأنشطة الجاذبة أيضًا، الأنشطة المرتبطة بالفنون الهادفة؛ حيث إنَّها ترتقي بالإنسان، وتعمل على تهذيب سلوكه، وجعله أكثر قابلية للاندماج والمشاركة الإيجابية، ومنها الرسم وفنون التمثيل المختلفة التي تتم من خلال أدوات ملائمة للطفل، مثل مسرح العرائس.

وبشكلٍ عامٍّ؛ فإنَّه على القائمين على النشاط، سواء المُعَلِّم أو المُعَلِّمَة في المدرسة، أو الوالدَيْن في البيت، أو المُرَبِّي في الأماكن الأخرى التي يرتادها الطفل والمراهِق، القيام ببعض الواجبات الأساسية عند تخطيط الأنشطة، ومنها.

- تحديد الهدف من النشاط.

- تحديد محتوى النشاط، والمفاهيم والقيم والاتجاهات التي سوف يتضمنها.

- تحديد بيئة التعلم بما يتلاءم مع طبيعة كل نشاط؛ فناء المدرسة أو المنزل، أو الشارع، أو من خلال المكتبة والأماكن المغلقة.. إلخ، وإعداد المكان/ البيئة إعدادًا بالصورة الملائمة.

- تحديد الوسائل والأدوات المُساعِدة المُستَخدَمة في تنفيذ النشاط بالشكل الذي يُحقِّق المستهدَفَات، ويشمل ذلك تحديد السياسة المُستَخدَمَة في التنفيذ؛ الحوار والمناقشة، أو التدريب العملي.. إلخ.

ويتضمن العمل السليم في هذا الصدد، تدوين مخطط النشاط بالكامل قبل التنفيذ، وتقويمه من خلال أكثر من أداةٍ، ومن بينها مناقشة الطفل أو المراهِق فيما تم من أنشطةٍ، سواء لجهة كفاءة الأداء، أو لجهة الاستفادة.

وبشكل عامٍّ؛ فإنَّه ينبغي على الآباء في البيوت، والمربِّين في المدرسة والمنتديات، أنْ يكونوا على أكبر قدرٍ من الوعي بمثل هذه الأمور، والاطلاع على أحدث مبتكرات العِلم في هذا المجال، ومراعاة تطوُّر الظروف الاجتماعية والوسائط المختلفة المحيطة بنا في هذا العصر.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

هكذا علمتني الحياة في ظل “سيف القدس”

خلال الأيام القليلة الماضية؛ قدم مرابطو القدس وحي الشيخ جراح ومن ورائهم مقاومو غزة العزة …