مملكة ومملكة….. سورة النمل

الرئيسية » بأقلامكم » مملكة ومملكة….. سورة النمل
ice_screenshot_20200309-135429

تبدأ سورة النمل بوصف القرآن بأنه كتاب مبين، وأنّ فيه الهدى والبشرى للمؤمنين، (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).

ولكنه في مقابل ذلك نذير للكافرين، يذكّرهم بالأخرة وينذرهم سوء العاقبة (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ).

وهكذا تقسّم مقدمة السورة الناس صنفين لا ثالث لهما: مؤمن فائز و كافرخاسر.

ثم تؤكد السورة علويّة الخطاب القرآني، وأنه منزّل من عند الله "العليم الحكيم" عليم بما يصلح لعباده في دينهم ودنياهم، حكيم فيما ينزّل عليهم من الأحكام والشرائع في هذا الكتاب المبين.

وتتنقّل بك سورة النمل عبر سياقها من مملكة إلى مملكة، وفي كل مملكة قصة وعبرة، وتستهل السورة الحديث بمملكة فرعون، فتصفها بالفسق والفجور، والظلم والطغيان رغم كل الآيات البينات التي جاءهم بها موسى –عليه السلام- (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) وما ذلك إلا لفساد قلوبهم وعقولهم التي عرفت الحق ولكنها كذبته جحوداً واستكباراً (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).

وبعدها يأتي الحديث عن مملكة مؤمنة، ملكها نبي صالح هو سليمان عليه السلام، الذي أوتي ملكا لم يؤت أحد مثله، هذا الملك العظيم يسمع نملة صغيرة تحذّر بني جنسها من جنده أن يدوسوهم من حيث لا يشعرون (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

وما أبلغ خطاب هذه النملة، فقد جاء فيه: نداء (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ) وأمْر (ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) وتنبيه وتحذير (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) واعتذاروإعذار (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

وتأمّل معي خوف النّملة على فصيلها، واستشعارها المسئولية بإنذارهم وتحذيرهم، وشفقتها عليهم أن يصيبهم الأذى والخسف، وهذه والله صفات الدعاة إلى الله المشفقين على الناس، الحريصين على هدايتهم إلى ما فيه خيرهم ونجاتهم.

فما كان ردّ سليمان إلا أن تبسّم من قولها، واستشعر نعمة الله عليه وطلب منه سبحانه أن يعينه على شكرها (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).

ثم تأخذك السورة إلى خبر آخر عن مملكة أخرى كافرة، تلك مملكة سبأ وملكتها بلقيس، هذا الخبر يأتي به هدهدٌ تأخّر عن مجلس سليمان، متحمّلا في ذلك كل النتائج والعواقب، ليخبر نبي الله بكفر هذه الملكة وقومها،ويذّكره بواجبه في دعوتهم إلى التوحيد (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ).

وتلك والله غيْرة حريٌّ بكل مسلم أن يتحلّى بها، فيغار على دين الله، ولا يرضى ان تُنتهك حرماته في الأرض، فهذا هدهد لم يرض أن يُعبد غير الله في أرضه، وأدّى ما عليه في إيصال الخبر إلى سليمان، ليكون هذا الهدهد سبباً بعد ذلك في هداية هذه الملكة وقومها فيسلموا جميعاً مع سليمان لله رب العالمين.

ومرّة أخرى يتكرّر الشكر في قصة سليمان حين رأى قصر بلقيس قائماً أمامه في طرفة عين (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).

إنه المُلك الذي يريد الله من عباده أن يقيموه في الأرض، مُلك يقوم على الرحمة والعدل، وشكر النعمة لا على الظلم والطغيان والبطر والاستعلاء في الأرض.

ثم تنتقل السورة للحديث عن المملكة الربانية الكبرى في هذا الكون الفسيح الذي خلقه الله، فتعرض السورة مشاهد من مظاهر قدرة الله في خلقه، وفي ثنايا عرضها يتكرّرقوله تعالى (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) أي: في ذلك دليل ساطع وبرهان واضح على ربوبيته وألوهيّته، ومن يتأمّل نهايات الأيات في هذه المقاطع يجد غفلة المعرضين، وضلال المكذّبين، وكيف يعيب الله عليهم كفرهم وتكذيبهم بغير حجة ولا برهان، كقوله تعالى (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ).

وبعد ذلك كله فإن الرسالة التي توصلها سورة النمل -من شفقة النملة إلى غيْرة الهدهد- أن يحمل الدعاة إلى الله هدي هذا القرآن ليبلّغوه للناس، ويعمروا به هذه الأرض عبادة ًوإحسانا (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ويرغّبوا الناس في رحمة الله (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقوله (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ولا يبالون بمكر أعدائهم (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) لأنّ الله سيردّ عليهم مكرهم (ومَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ولذلك يأخذون عدّتهم من التوكل على الله (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) ويعلمون أن الله سيجازيهم على إحسانهم ولن يضيع أجر أعمالهم (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) ويوقنون أنّ العاقبة والتمكين ستكون للمتقين (وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).

ويأتي ختام السورة ليربطها بأوّلها، فأوّلها يصف القرآن بأنه هدى وبشرى، وآخرها يصفه بأنه هدى ورحمة.

(وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ثم يأتي الأمر بتلاوته واتباع منهجه (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ).

هذا الكتاب المبين به يسير المؤمن على هدى من ربه، فتنزل عليه الرحمة، و يفوز بالبشرى وآياته هي الأيات البيّنات التي لا يعقلها إلا العارفون، ولا يردّها إلا الغافلون (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟

قال تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " …