من الهدي النبوي: “تأليف القلوب وإعداد القادة”

الرئيسية » بصائر تربوية » من الهدي النبوي: “تأليف القلوب وإعداد القادة”
madinah30

من المعروف أن إعداد القادة ليس بالشيء الهيِّن، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "النَّاسُ كإبلٍ مائةٍ لا تَكادُ تجدُ فيها راحِلةً" (صحيح ابن ماجه).

ومن المعروف أيضاً أن منزلة القيادة هي منزلة الرأس من الجسد ، وأن القضاء على القيادة هو هدف أهل الباطل لاعتقادهم أنه متى تمكنوا من القضاء على الرأس فالقضاء على ما بعده أسهل.

أولاً: بعض سمات القائد الناجح

إن القائد الناجح هو الذي يكون شغله الشاغل إعداد كوادر وقادة يخلفونه من بعده في تحمل المسئولية واستكمال المسيرة، وهذا ليس بالشيء الهين، كما ذكرنا، ولكنه أصعب من نقل الجبال الرواسي من أماكنها، فنقل جبل من مكانه قد لا يؤثر على وجه الأرض مثلما يؤثر قائد واحد له غاية نبيلة، وهدف سامي، وطموح يفوق الجبال في شموخها.

إن القائد الناجح هو الذي يكون شغله الشاغل إعداد كوادر وقادة يخلفونه من بعده في تحمل المسئولية واستكمال المسيرة

إن من أهم متطلبات إعداد الكوادر والقادة توضيح الغاية التي من شأنها أن تستثير الطاقات المُختزلة الكامنة، كما يتطلب حسن الدِّراية بإمكانيات الأفراد ومعايشتهم المعايشة الكاملة التي من شأنها بناء الثقة المتبادلة، والتعارف الدقيق، والوعي البناء، والمسئولية التضامنية.

والقائد الناجح لابد وأن يكون موضوعياً في أفكاره وطموحاته في ضوء ما لديه من إمكانيات ، كما يجب عليه أن يكون مرناً بالقدر الذي يُمكِّنه من مواجهة واستغلال المستجدات من فرص وتحديات.

والقائد الناجح هو الذي يستفيد مما يواجهه من إيجابيات وسلبيات لتكون زاداً له ونبراساً فيما هو قادم من خطط وطموحات.

والقائد الناجح هو الذي يعلم أن الأهداف العظيمة الجليلة لا يمكن أن تتحقق خلال جيل واحد، خاصة البعيدة المدى منها، لذلك فهو يعمل على توريث القيادة توريثاً كاملاً ويطمئن على ذلك جيداً من خلال التدريب والتدرج والتفويض والمتابعة.

والقائد الناجح تكون لديه نظرة مستقبلية ثاقبة تجعله يُوقن بتغير الأحوال واختلاف الأجيال ، مما يجعله يحرص كل الحرص على غرس الثوابت والتأكيد عليها ثم يترك مجالاً للاجتهاد بما لا يخرق ثابتاً ولا يُعطل مُتفقاً عليه.

ثانياً: تأليف القلوب وإعداد القادة .. النبي ﷺ نموذجاً

إن النبي ﷺ حرص كل الحرص، ومن أول يوم، على أن يكون حوله نماذجاً من أصحابه قادرة على حمل مسئولية الدعوة بكل جوانبها، بما يضمن استمراريتها والحفاظ عليها إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

ولقد جعل النبي ﷺ سبيله إلى ذلك هو كسب قلوب أصحابه ليقينه ﷺ أنه متى كسب قلوبهم تفانوا في الأخذ عنه والاقتداء به والسير على نهجه، فيظل المنهج صافياً صالحاً، يصل لآخر الأمة كما وصل إلى أولها.

ولأجل هذا الهدف الجليل تعرَّف النبي ﷺ على أصحابه وقدراتهم وإمكانياتهم تعرفاً تاماً ضمن به تضافر الجهود وتكاملها لتحقيق الغاية المنشودة.

وفي ضوء معرفة النبي ﷺ لقدرات وإمكانيات أصحابه قام بتوظيفهم توظيفاً لا يكون معه صدْع ولا فتْق ولا اعوجاج، فهذا الصاحب والصديق، وذاك الخادم، وغيره مؤذناً، وغيرهم (كاتم السر، وسيف الله المسلول، وأسد الله، والحِب بن الحِب، وهذا يبشر بالجنة، وذاك لا يضره ما فعل بعد اليوم... الخ)، وغير ذلك من الألقاب والفضائل التي فجَّرت في كيان أصحابها ينابيع العمل لدين الله تعالى ولم يدَّخروا وسعاً في ذلك.

ثالثاً: مواقف عملية لتأليف القلوب وكسب النفوس

لكون أن تأليف القلوب وكسب النفوس ليس بالشيء اليسير نجد أن النبي ﷺ قد كانت له مواقف مع صحابته الكرام تخلع القلوب من أماكنها حُباً وسعادة لما حباهم به من فضائل وكرامات، وسنسرد هنا بعضها لتكون زاداً لمن اصطفاهم الله تعالى وجعلهم في موضع المسئولية.

1- موقف أمير المؤمنين عثمان في بيعة الرضوان.
عندما تخلف عثمان ابن عفان رضي الله عنه عن بيعة الرضوان فوجيء الجميع بالنبي ﷺ يقول: "هذه يدِي، وهذه يدُ عثمانَ" (أخرجه الترمذي).

2- موقف تأخر أبو ذر الغفاري عن الجيش في غزوة تبوك
ما كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه لينساها للنبي ﷺ يوم أن تأخرَ عن الجيش، "ونظر ناظرٌ من المسلمِين فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا الرجلَ ماشٍ على الطريقِ فقال رسولُ اللهِ ﷺ كُنْ أبا ذرٍّ فلما تأمَّلَه القومُ قالوا يا رسولَ اللهِ هو واللهِ أبو ذرٍّ" (البداية والنهاية بإسناد حسن).
في الموقفين السابقين نجد أن النبي ﷺ قد رفع الحرج عن صاحبيه، وعلّم القادة من بعده درساً في تلمس الأعذار وإقالة العثرات والتغافل عن الهفوات، طالما أن ذلك ليس تهاوناً من المرء ولا استهتاراً، وطالما أنه لا يؤثر على سير العمل ولا يعوق تحقيق الغاية.

3- موقف قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه "والله إني لأحبك".
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أخذَ بيدِهِ، وقالَ: "يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّكَ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّك، فقالَ: أوصيكَ يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ" (صحيح أبي داود).
في هذا الموقف صرَّح النبي ﷺ بحبه لمعاذ رضي الله عنه وخصَّه بوصية ترضي الله تعالى عنه وتزيده من الله قرباً، ولك أن تتخيل أثر ذلك على النفس!

4- موقف دعاء النبي ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنه
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: "ضَمَّنِي إلَيْهِ النبيُّ ﷺ، وقالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ" (صحيح البخاري).
أي غبطة يُغبط من أجلها عبدالله بن عباس رضي الله بعد أن نال شرفين في آن واحد، شرف ضم النبي ﷺ له، وشرف دعاء النبي ﷺ له، ولك أن تتخيل وقع ذلك على نفسه طوال حياته!

5- موقف تشجيع النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في غزوة أحد.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "لقد جمعَ لي رسولُ اللهِ ﷺ يومَ أُحدٍ أبويه فقال ارمِ سعدٌ فِداك أبي وأُمِّي" (صحيح ابن ماجه).
أي قوة تفجِّرها هذه العبارة في قلب من يسمعها! وأي شرف يشعر به من توجَّه إليه عبارة كهذه من حبيب الله ومُصطفاه ﷺ!! وأي قائد يعلم أحوال القلوب ودوائها كما يعلم النبي ﷺ!

6- موقف ثناء النبي ﷺ على قراءة أبي موسى الأشعري للقرآن الكريم.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رَسولُ اللهِ ﷺ قال لأَبِي مُوسى: "لو رَأَيْتَنِي وَأَنا أَسْتَمِعُ لِقِراءَتِكَ البارِحَةَ، لقَدْ أُوتِيتَ مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ" (صحيح مسلم).
منزلة عالية ومكانة رفيعة لأبي موسى الأشعري، وشهادة ما بعدها شهادة حين يشهد النبي ﷺ له بحلاوة صوته وصحة قرائته، ويخبره النبي ﷺ بأنه قد وقف يستمع لقرائته للقرآن، وعليه أنزل!

7- موقف بشارة النبي ﷺ بأنه سمع دَفَّ نعليه بين يديه في الجنة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لِبِلالٍ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ: "يا بلالُ حَدِّثْنِي بأَرْجى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلامِ، فإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ. قالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجى عِندِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا، في ساعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهارٍ، إلّا صَلَّيْتُ بذلكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لي أَنْ أُصَلِّيَ" (صحيح البخاري).
هنيئاً لبلال الحبشي رضي الله عنه، يُبشَّر بالجنة وهو ما زال على قيد الحياة، لك أن تتخيل حال بلال رضي الله عنه بعد هذه البشارة، وتتخيل مدى تعجله للقاء ربه! قال سعيد بن عبد العزيز: "لما احتضر بلال قال غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه. قال: تقول امرأته واويلاه. فقال وافرحاه" (سير أعلام النبلاء).

8- موقف بشارة النبي ﷺ لطلحة رضي الله عنه بالجنة
عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: "كان على رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ درعانِ فنهضَ إلى الصخرةِ فلم يستطع فأَقْعَدَ تحتَهُ طلحةَ فصعد النبيُّ ﷺ حتى استوى على الصخرةِ قال فسمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ أَوْجَبَ طلحةُ" (سنن الترمذي).
خبرني بالله عليك كيف يكون شعور أحدنا لو نال مثل هذه الشهادة من النبي ﷺ، وكيف كان شعور طلحة رضي الله عنه عندما سمعها مباشرة من النبي ﷺ: "أَوْجَبَ طلحةُ"، أي: وجبت له الجنة.

9- موقف شهادة النبي ﷺ لمن حضر بدراً من الصحابة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللهَ تعالى اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرٍ، فقال: اعْملُوا ما شِئْتُمْ فقدْ غَفرْتُ لَكُمْ" (صحيح الجامع).
وخبرني بالله عليك كيف كان شعور الصحابة رضي الله عنهم الذين شهدوا بدراً، عندما أبلغهم النبي ﷺ بقبول أعمالهم ومغفرة ذنوبهم!

10- موقف ثناء النبي ﷺ على الأنصار.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَسَمَ الغَنَائِمَ في قُرَيْشٍ فَقالتِ الأنْصَارُ: إنَّ هذا لَهو العَجَبُ، إنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِن دِمَائِهِمْ، وإنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عليهم، فَبَلَغَ ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فَجَمعهُمْ، فَقالَ: ما الذي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ قالوا: هو الذي بَلَغَكَ، وَكَانُوا لا يَكْذِبُونَ، قالَ: أَما تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بالدُّنْيَا إلى بُيُوتِهِمْ، وَتَرْجِعُونَ برَسولِ اللهِ إلى بُيُوتِكُمْ؟ لو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأنْصَارُ وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الأنْصَارِ" (صحيح مسلم).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "آيَةُ الإيمانِ حُبُّ الأنْصارِ، وآيَةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأنْصارِ" (صحيح البخاري).
يا لها من منزلة عظيمة ومكانة رفيعة خصَّ بها النبي ﷺ الأنصار عن غيرهم من الناس!
ويا لها من شهادة بليغة من سيد الخلق ﷺ تجعل الأنصار يترفعون عن الدنيا وما فيها من أجل القيام بحق شهادته فيهم ومنزلتهم عنده!
ويا لها من عبقرية -لم يصل إليها أحد من الخلق- تجعله ﷺ يزيل كل ما في صدور الأنصار نحو إخوانهم المهاجرين، ويُطهِّر نفوسهم، ويُشعرهم بأنهم قد فازوا فوزاً عظيماً ونالوا شرفاً ما بعده شرف!

والمواقف في هذا الجانب كثيرة ومتلاحقة تلاحق أمواج البحر الهادر.

وأخيراً أقول
كيف سيكون شعورنا عندما نرِد حوض النبي ﷺ ونلمح بريق الشوق لنا في عينيه ﷺ! أليس هو القائل: "وَدِدتُ أنِّي قد رأيتُ إخوانَنا، قالوا: يا رسولَ اللهِ: ألسْنا إخوانَك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لم يأتُوا بعدُ، وأنا فَرَطُهم على الحَوضِ" (تخريج مشكاة المصابيح).

وأقول
هكذا يجب أن تكون القيادة الواعية التي تعرف كيف تغوص في النفوس، وكيف تأسِر القلوب، وكيف تفجِّر الطاقات وتحسِن توظيفها بما يضمن تحقيق غاية سامية منتهاها الجنة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

وسائل التعليم الحديثة وأزمةٌ تُواجه تعلُّم اللغة العربية

ما مِن شَكٍّ؛ فأنَّ اتِّباع التطور في شتى العلوم ومجالات التطوُّر الحضاري بشكلٍ عام، هو …