إن المصطلح الذي يعرف بالقوة الناعمة (soft power) وهو المصطلح الذي تنتهجه بعض الدول الكبرى ليكون لها تأثير عالمي بعيداً عن تأثيرها العسكري الذي تتميز به تلك الدول كدول عظمى، وأهم عناصر القوة الناعمة هي الإعلام والفن والسياحة والاقتصاد ومؤخراً دخلت الرياضة لتشكل عنصراً مهماً من عناصر القوة الناعمة.
وباتت كثير من الدول وتحديداً الصغيرة تركز على القوة الناعمة كاستراتيجية تساعدها على تقديم نفسها كدولة مؤثرة عالميًا من خلال الإعلام أو السياحة أو الاقتصاد أو حتى الرياضة.
تُفهم "القوة الناعمة" في كثير من الأحيان على أنها القدرة على تحقيق الأهداف في مجال السياسة الخارجية عن طريق إقناع واجتذاب التعاطف من الجهات الفاعلة الأخرى والقدرة على تحقيق المطلوب على أساس المشاركة الطوعية للحلفاء وذلك باستخدام الجاذبية وليس الاعتمادات، وهي بهذا تمثل قوة جاذبية النموذج الاقتصادي والسياسي والثقافة والتعليم والإنجازات العلمية والتكنولوجية وإن أحد العناصر الهيكلية الهامة في "القوة الناعمة" ودبلوماسيتها العامة هي بلا شك الرياضة، التي تؤدي كظاهرة ذات نطاق عالمي العديد من الوظائف الاجتماعية والسياسية كنشر أساليب الحياة الصحية وذلك أمر مهم للغاية بالنسبة للاقتصاد وللقدرة الدفاعية لأي قوة والعمل على ايجاد وظائف لتعليم وعمل جيل الشباب وتنشئته الاجتماعية وتطوير الشعور بالوطنية والصفات الأخلاقية والمشاركة في العمليات الاجتماعية وإن المساهمة بالنجاح الرياضي للدولة ككل يساهم هو الآخر في إقناع المواطنين بفكرة صحة الدور التي تنفذها الحكومة.
الكثير منا حين يستمع إلى مصطلح القوة الناعمة؛ فإن العقل يبادر إلى استرجاع ما له علاقة بتلك الكلمة أو الصورة التي يستحضرها الذهن عن تلك الكلمة. فأول شيء يتبادر إلى الذهن هو أن القوة الناعمة تعني القدرة على إقناع الطرف الآخر بطريقة عاطفية أو طريقة جذابة بدون العنف كما في ذلك القوى السياسية والبلدان المختلفة التى تتفق مع بعضها على التطور والتقدم دون أن يتعدى أحدهم على الآخر وتحقيق مفهوم السلام الذى لا يعني زوال الصراع والخصام وإنما تأسيس مجموعة من المبادئ والقيم الأخلاقية التى تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة والحريات والحقوق والواجبات المختلفة وغيرها من القيم الأخلاقية المختلفة ويكون ذلك عن طريق وسائل الاقناع الجذابة باستخدام وسائل تحقق ذلك، ولكن هل من الممكن أن تكون الرياضة إحدى تلك الوسائل؟!
كيف تكون الرياضة إحدى وسائل القوة الناعمة؟
فمن المفترض لدى الجميع أن الرياضة هي إحدى وسائل الترفيه لدى البشر، وهذا بالإضافة إلى كونها وسيلة ضرورية لبناء القوة البدنية والنفسية والذهنية للإنسان.
وتلعب الرياضة دورًا هامًا في السياسة العالمية حيث أنها هي الوحيدة التى لديها القدرة على جمع الناس من مختلف الطوائف مع تفاوت درجة التعليم واختلاف الديانات المختلفة؛ فتقوم الرياضة بتعزيز روح التبادل الثقافي بين الشعوب المختلفة.
فالشعارات التى تنطلق اليوم مثل (الرياضة ليس لها علاقة بالسياسة) ما هي إلا شعارات كاذبة تحمل في باطنها الكثير من المعاني حيث أن الكثير من الشعوب تقاس درجة تقدمهم على أساس المجال الرياضي وكذلك مما لا شك فيه؛ فإن انتشار الرياضة في بلد معينة يُساعد وبشكل كبير على انتشار العلامات التجارية الخاصة بتلك البلد وهو ما يحقق جزءاً كبيراً من الأرباح الاقتصادية، ولا يستطيع أحد إنكار الدور الذي تقوم به الرياضة لمواجهة بعض الأزمات التى قد تمر على الشعب من فقر وجوع وبطالة ورفع الروح المعنوية للشعب.
الميزة السحرية للرياضة
تبقى واحدة من أهم مميزات الرياضة و هي عدم الاختلاف عليها؛ فهي ليس لديها أعداء أو خصوم يحاولون إسقاط الفكرة، وذلك لأنه لا يوجد أحد يعترض على الرياضة، إنما قد يعترض البعض على بعض الممارسات الناتجة منها مثل العنف الناتج من التعصب الكروي لبعض الجماهير وتصدير بعض الأفكار السلبية عن الرياضة بصورة غير منصفة أو استخدامها بشكل دعائي للترويج عن منتجات غير سليمة وتجميلها بصورة تجذب الذهن والعقل.
ولكن قد يتم كذلك تصدير بعض الرسائل الإيجابية من الرياضة مثل الصورة التي التقطت من مونديال 86 لـ “مارادونا” وقد كتب على قميصه لا للمخدرات و ”بيليه” وقد كتب على قميصه لا للفساد ولكي لا نذهب بعيدا ففي عصرنا الحالي يتم استخدام بعض اللاعبين؛ وذلك لشدة تأثيرهم في النفوس لمحاولة إقناع البعض بالتخلي عن المخدرات.
أصبحت الرياضة بالطبع عاملاً مهماً في السياسة العالمية ففي تشكيل الأجندة الدولية تؤدي الدبلوماسية الرياضية دورا متزايد الأهمية فهي تفعل وتنشط الهياكل الحكومية وغير الحكومية في إطار تنفيذ السياسة الخارجية للدولة عبر تنظيم الأحداث الرياضية الدولية والمشاركة فيها، ولابد أن تكون هناك عملية نشطة لتشكيل دبلوماسية رياضية كتكنولوجيا إنسانية فعالة من ترسانة استراتيجية "القوة الناعمة" القادرة على حل مهام الدولة على الساحة الدولية.
وتكتسب الدبلوماسية الرياضية زخماً شعبيا كبيرا مفعلة بعدد من الأسباب الموضوعية كالتغييرات الكبيرة في الدبلوماسية التقليدية وطرازها الكلاسيكي المنطوي على التفاعل الدولي وتحوله بشكل موضوعي إلى واحد من الأجزاء الرئيسية في العالم الحديث وتزايد عدد المنظمات الرياضية ونشر تأثيرها في الساحة الدولية مما أفرز تقاربا بين الرياضة والدبلوماسية من حيث قدرتها على بناء صورة إيجابية عن البلد في الخارج إذ وبفضلها يمكن أن تتغير صورة بلد ما بسرعة كبيرة وسريعة والتي تكون في بعض الأحيان أقل شأنا حتى بالنسبة لنتائج الأعمال الدبلوماسية، وإن جودة تنظيم الأحداث الرياضية الدولية الكبرى ومستوى تدريب الرياضيين ورغبتهم في الفوز والقدرة ليس فقط على الفوز بل في القدرة على مواجهة الهزيمة بشكل كاف وكل ذلك يساهم في تكوين الصورة الإيجابية للدولة.
إن الرياضة لديها القدرة على جمع الناس معا بغض النظر عن الأصل والتعليم ومعتقداتهم الدينية أو الوضع الاقتصادي وتحفز على تنمية التبادل الثقافي والحوار بين الثقافات وتوفر تفاهما دوليا أفضل وتظهر وحدة تطلعات الشعوب لمختلف الدول والقارات، ولذا تعتبر الدبلوماسية الرياضية عنصراً هاماً في استراتيجية "القوة الناعمة"، وبالنظر إلى أن مفهومها له طابع سياسي واضح فإنه ليس من المستغرب أن شعار "الرياضة خارج السياسة" يظل مجرد شعار لأنها أداة قوية في صراع السياسة الخارجية وطريقة التأثير السياسي مع الإمكانات الهائلة والفرص الفريدة، وإن الرياضة أداة قادرة على التعبير عن جوهر العلاقات الدولية والتأثير في نموها فحتى النقاط والأهداف والثواني لها طابع سياسي واعتمادا على نتائج أداء الرياضيين لبلد معين في الساحة الدولية يتم إنشاء فكرة عن الحالة العامة لنظام إدارة الدولة وليس فقط في مجال الرياضة والتي لها تأثير ملموس على السياسة الخارجية للدولة وتشارك في تشكيل صورتها على المسرح العالمي وتشجيع العلامات التجارية الوطنية إذ أن انتصار الرياضيين في المسابقات الدولية الكبرى يسهم في تنمية الدولة ويزيد من سلطتها في العلاقات الدولية، كما وتعتبر الرياضة اليوم ساحة ليس فقط لتعزيز العلامة التجارية وانما أيضا للنضال السياسي.
والرياضة هي قناة مهمة للتلاعب فيما يتعلق بمجموعة من الناس الذين يشكلون جزءًا مهمًا من الحياة وترتبط الرياضة الحديثة ارتباطًا وثيقًا بأنشطة مجموعة واسعة من الجهات الحكومية وغير الحكومية ولا يمكن أن توجد رياضة محترفة تماما عن السياسة لأنها تخاطر بفقدان الهدف الرئيسي والخصائص المميزة، ويتم تحديد قيمة البيئة الرياضية للسياسيين والقوى السياسية من خلال معيار الطابع الجماعي للرياضة والتفرع من المنظمات الدولية والإقليمية.