ألا تَسْتَنْصِرُ لنا! (2-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » ألا تَسْتَنْصِرُ لنا! (2-2)
maxresdefault

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن مدى المُعاناة التي يعانيها أهل الحق وهم على الطريق، وقلنا أن هذه المُعاناة قد تجعل البعض يستبطئون نصر الله للذين آمنوا، بل ويتساءلون أين نصر الله للذين آمنوا!!

وقلنا أن نصر الله تعالى لا يتحقق إلا لمن يعملون له ولمن يستحقونه ويعرفوا قدره، حتى لا يضيع النصر سريعاً كما تحقق سريعاً.

وذكرنا نماذج من الصحابة الكرام كان الواحد منهم بألف رجل لما لديه من يقين راسخ لا يتزعزع، وإيمان قوي لا يلين، وعزيمة لا تخور، ونفس لا يتسرَّب إليها يأس، وهمَّة لا تعرف المستحيل.

وفي هذا الجزء سنتحدث بفضل الله تعالى عن:-

خامساً: توضيح سبب تأخر نصر الله تعالى بمفهومه الشامل

إن النصر قد يتأخر على الذين آمنوا رغم ما يتعرضون له من ظُلم وانتهاكات، ويكون هذا التأخير لحكمة يريدها الله تعالى.

1- قد يتأخر النصر لأن بنية الفئة المؤمنة لم تنضج النضج المطلوب بعد، ولم يكتمل بُنيانها بعد، ولم تحشد له كل طاقاتها بعد. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته سريعاً كما نالته سريعاً، لعدم قدرتها على حمايته!

2- وقد يتأخر النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طاقتها من قوة، وآخر ما تمتلكه من جهد مادي ومعنوي، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً إلا بذلته طواعية هيِّناً رخيصاً في سبيل الله.

3- وقد يتأخر النصر حتى تجرِّب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن كل هذه القوى وحدها بدون معيَّة الله تعالى لا تجلب النصر ولا تصونه بعد تحققه.

4- وقد يتأخر النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله تعالى، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سنداً إلا الله، ولا ملجأ إلا إليه وحده سبحانه في كل أوقاتها وفي كل أحوالها. وهذه الصِّلة هي الضمانة الأكيدة لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله تعالى، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق قيد أنملة، ولا تحيد عن العدل وهي قد ذاقت مرارة الظلم ولوعته.

5- وقد يتأخر النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تناله، أو تقاتل حمية وتشفياً، أو تقاتل حتى لا يُقال أنها جبُنت.

إن الله تعالى يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله وحده، مُجرداً من أي مشاعر ومن أي مقاصد. "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

6- وقد يتأخر النصر لأن في الشر الذي تواجهه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله تعالى أن يجرِّد الشر من هذا الخير، ويذهب الشر وحده هالكاً غير مأسوفاً عليه، لا تتلبس به ذرة واحدة من خير!

7- وقد يتأخر النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماماً. فلو زال هذا الباطل قبل أن ينكشف كل زيفه يكون له أنصار من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بفساده ولا بضرورة إزالته، فتظل للباطل جذور في نفوس هؤلاء المخدوعين الذين لم تنكشف لهم الحقيقة. فيشاء الله تعالى أن يُبقِى الباطل حتى يتكشف عارياً للناس، ويذهب غير مأسوفاً عليه بلا أنصار ولا مُشيعين ولا مُترحمين!

8- وقد يتأخر النصر لأن البيئة الموجودة حالياً لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذ للقيت مُعارضة من هذه البيئة لا يستقر للحق معها قرار. فيشاء الله أن يظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه!

من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله تعالى قد يتأخر النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام حتى يتم استيفاء أسباب النصر وأداء موجباته، وحتى تتهيأ النفوس قبل الأبدان، والقلوب قبل القوالب لاستقباله واستبقائه. حينها يأذن الله تعالى لأوليائه بنصر تقر به أعينهم، وتطيب به جروحهم، وينسون معه كل ألم، ويفرحون به فرحة الأم بعودة وحيدها.

قد يتأخر النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام حتى يتم استيفاء أسباب النصر وأداء موجباته، وحتى تتهيأ النفوس قبل الأبدان، والقلوب قبل القوالب لاستقباله واستبقائه

سادساً: علامات على طريق النصر

قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: من الآية 40].

وقال تعالى: {وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3].

لابد أن نفهم أن الله تعالى لا يقبل لعباده إلا نصراً عزيزاً يليق بقدرته سبحانه ويليق بما بذلوه من جهد وتضحية!!

* إن النصر العزيز يتطلب من المؤمنين تضحية عزيزة وجهد جهيد حتى إذا أتاهم تمسكوا به، وعضوا عليه بالنواجذ، ودافعوا عنه دفاع الأسد عن عرينه ودفاع الملك عن حِماه وحِياضه ودفاع الأبوين عن وليدهما الذي رزقا به بعد سنوات من الانتظار، ولا يُفرِّطون في النصر مهما كلفهم الأمر.

- إن النصر السهل يُعطل الطاقات ويُعوِّد على الكسل والتراخي، وهذا ليس من مقاصد النصر ولا من مقاصد الإسلام .

- إن النصر لابد أن تسبقه تربية وجدانية وهذه لا تتحقق إلا بالممارسة العملية للكر والفر، والقوة والضعف، والأمل والألم، والفرح والترح، والاطمئنان والقلق، والنصر والهزيمة.

* من أجل هذا كله، يؤخِّر الله تعالى النصر .. ومن أجل هذا كله جعل الله تعالى المؤمنين عاملاً من عوامله، ولم يجعل النصر مُجرد هِبة تهبط عليهم من السماء بلا جهد ولا عناء، فعلى قدر الإيمان، وعلو الهمم، والأخذ بكامل أسباب النصر، يكون النصر.

يقول ابن القيم رحمه الله: "ولله الهمم! ما أعجب شأنها، وأشد تفاوتها. فهمة مُتعلقة بمن فوق العرش. وهمة حائمة حول الأنتان والحش. والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يُحسنه. والخاصة تقول: قيمة المرء ما يطلبه. وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه" اهـ.
* الحش: مكان قضاء الحاجة.

من هنا نعلم أن صاحب الهمة العالية لا تتوقف آماله ولا تنتهي طموحاته فهو كالطائر الذي اعتاد أن يُحلق في فضاء رحب فسيح، لا يرضى بالدُّون مهما كانت العقبات ومهما تكاثرت المَلمَّات ومهما غلت التضحيات.

وختاماً أقول:

إن كل تضحية في سبيل نصرة الحق هي تضحية مأجورة، إما بالبركة وطيب الذكر وحسن الأثر في الدنيا، وإما بالنعيم المُقيم في الآخرة .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "يودُّ أَهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يُعطى أَهلُ البلاءِ الثَّوابَ لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بالمقاريضِ" (صحيح الترمذي).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "يُؤْتَى بأَنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النَّارِ يَومَ القِيامَةِ، فيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا، مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ" (صحيح مسلم).

وأقول:

إننا أمرنا بالعمل وسنُسأل عنه، أما النتائج فهي بإذن الله تعالى وحده يأذن بها لمن يشاء وقتما شاء وكيفما شاء .

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا وثبتنا على الحق وثبت الحق بنا وقر أعيننا بنصر عزيز تعز به أهل طاعتك وتذل به أهل معصيتك.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

التربية والمجتمع.. لماذا نقف فقط عند باب المدرسة؟!

نكادُ لا نقرأ كلمة "التربية" في وقتنا الحاضر، إلا وهي مقترنةً بكلمة "التعليم" فقد اختزلت …