الاستسلام والخضوع لله …. سورة الصافات

الرئيسية » بأقلامكم » الاستسلام والخضوع لله …. سورة الصافات
Screenshot_2021-03-25-سورة-الصافات-مكتوبة-مع-التفسير-1280x720

هو مشهد ملائكي مهيب... ملؤه الاستسلام والخضوع لله.... حيث تعجّ السماوات بالملائكة وهي تقف صفوفاً في خضوع وامتثال تنتظر أوامر ربها لتتلقاها فتنفذها.... فمنها من يزجر السحاب ويسوقه.... ومنها من ينزل بالذكر من الله على من اصطفاه من عباده...

هذا هو المشهد الذي يطالعك أول ما تقرأ فواتح سورة الصافات:" وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ".

وكيف لا تستسلم أو تمتثل لأمر الله وهو رب السماوات والأرض وربّ المشارق والمغارب...." إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ".

وهذا الملكوت العظيم في الملأ الأعلى... يحفظه الله ويحميه من كل متسلّل شيطان يسترق السمع...فلا يجد في انتظاره إلا شُهُباً تحرقه بالنار...ولا عجب... فإذا كان الملك في عُرْف البشر يحمي قصره من كل متسلل يحاول أن يصل إلى عرشه خلسة.... فكيف بمن له ملك السماوات والأرض؟

" وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ".

نزل الذكر من السماء إلى الأرض ليكون بشيرا ونذيرا.... فأبى كثير من الناس الاستسلام والخضوع لما نزل من الحق.... يستهزئون ويسخرون.... لا بموعظةٍ يتذكرون.... أو بنصيحة ينتفعون... وهكذا ستجد في حياتك دوما من يُعرض عن الخير... ويكره الموعظة والنصيحة... ويستمر في غيّه وضلاله حتى يفجأه الموت..... ويلقى مصيره المشأوم يوم الدين.... عندها يدعو على نفسه بالهلاك " يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ".....

أبى أن يستسلم لله ويخضع له في هذه الدنيا لكنه اليوم مستسلم خانع " بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ" وبعد أن كان يكذب بالبعث وبهذا اليوم، يقول الله له ولمن على شاكلته " قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ".

بينما فريق آخر وصفتهم سورة الصافات أنّهم العباد المخلَصون ( بفتح اللام ) أي استسلموا لله بكل قلوبهم وجوارحهم فليس فيها لغير الله نصيب.... فكان جزاؤهم جنات النعيم.

" إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ".

ولقد تكررت أية " إلا عباد الله المخلصين" في هذه السورة قرابة خمس مرات تأكيدا على هذا المعنى، معنى الإخلاص والاستسلام المطلق لله.... فيا من تريد الفوز والنجاة... أخلِص لله...وسلم أمرك إليه... يكْفِك أمر الدنيا والآخرة....

ثم تنتقل بك السورة إلى مشهد آخر من الاستسلام والخضوع، إنه مشهد استسلام إبراهيم لأمر ربه حين أمره بأمر عزيز... ومطلب عظيم...

أمره أن يذبح ابنه.... هذا الولد الذي رُزق به إبراهيم على كبَر.... ورباه على عينه وتحت ظلّه.... يكبر بين يديه... حتى بلغ مبلغ الرجال فصار سنداً وعوناً لأبيه... في هذه العلاقة الحميمة بين الولد وأبيه يأتي الأمر لإبراهيم – عليه السلام – بذبح ابنه.... فكيف وصفت الأيات الاستجابة؟

" فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " وتأمل لفظة " أسلما " لتدلك أن الاستسلام لأمر الله كان من الاثنين الأب وولده... أي إيمان هذا؟... وأي ابتلاء هذا؟

وأنت أيها المؤمن ستمرّ في حياتك ابتلاءات وابتلاءات، في دينك ودنياك؟ فهل ستكون استجابتك كما فعل إبراهيم؟ هل ستقدم أمر الله على أمر نفسك وهواك؟ وهل ستربي ولدك على هذه التربية الايمانية كما فعل إبراهيم؟

إن منهج القرآن أن يقصّ علينا خبر القدوات لا سيما الأنبياء، ليخبرنا أننا لا نعيش في مثالية لا تتحقق، وأن الإنجازات العظيمة يمكن أن تتجسد في الواقع... يمكن أن تتحقق على أيدي من أخلصوا لله فكانوا من عباده المخلَصين.

ولا ينتهي المشهد حتى يخبرنا بثمرات هذا الاستسلام وهذا الخضوع.... فداء عظيم.. وبركة في المال والولد... فجاءت البشرى بإسحاق من بعده " وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ " ولتمتدّ البركة فيه وفي ذريته " وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ ". فتأمل كم عطاء الله واسع وكبير ليمتد عبر الأجيال.

وتنتقل السورة إلى مشهد آخر، وهو مشهد يونس عليه السلام وخبر قومه... " إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ" حين لم يؤمن قومه.... وأنذرهم بالعذاب ثلاثة أيام..... هنا تعجّل يونس عليه السلام..... فخرج غاضبا ساخطا على قومه قبل أن يأذن الله له بذلك.. فكان أن نقله الله من سعة هذه الأرض إلى ضيق بطن الحوت في ظلمات ثلاث..... عندها يرجع يونس إلى الاستسلام المطلق والذي شعاره التسبيح والتعظيم لله.... فلما عاد، عاد له الفرج وتمّت له النجاة.

" فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ "....هذه نجاةٌ كانت له.... وأما لقومه... " وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ" ولم يحدث في سيرة نبي أن آمن قومه أجمعون إلا قوم يونس.

وأنت... قف مع نفسك... كم مرة أبَقْت إلى قارب الدنيا المشحون بشتّى الفتن والمغريات وخرجت عن طريق الصواب؟...فهل ستعود إلى ربك وترجع إليه؟ هل ستخرج من صخب الشهوات والمنكرات إلى سكون التسبيح وخشوع العبادة... وعندها تتنزل عليك المغفرة والرحمات من ربّ الأرض والسماوات.

ويأتي بعد ذلك ختام السورة.... لتؤكد على أن من سلّم لله وامتثل أمره في القيام بمهمة الاستخلاف في الأرض.... سلّمه الله الأرض ومكّنه منها " وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ".

وتنتهي السورة بأجمل لفظ، وأحسن بيان في تنزيه من له العظمة المطلقة.... والعزة الغالبة... ومن يجب له الاستسلام والخضوع:" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

افرحوا بعيدكم فأنتم الأعلون

تقبل الله طاعتكم ومن النار أعتقكم وبرضاه أسعدكم وبالجنة بشركم ها هو شهر رمضان قد …