بعض معالم التربية الدعوية في القرآن الكريم

الرئيسية » بأقلامكم » بعض معالم التربية الدعوية في القرآن الكريم
quran

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، أما بعد:

عندما يقرأ الإنسان السيرة النبوية بتأمل، لا بد أن يلفت انتباهه شيء عجيب: وهو أثر القرآن الكريم على سامعيه على اختلاف أصنافهم، فهذا عتبة بن ربيعة وهو الرجل المشرك، يرجع إلى أصحابه بعدما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليه آيات من سورة فصلت، فيقول بعضهم لبعض: (نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به)، ويقرأ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه آيات من سورة مريم في مجلس النجاشي وهم على النصرانية، تقول أم سلمة رضي الله عنها وهي تصف الموقف: (فبكى والله ‌النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم)، وحتى المنافق يقرأ القرآن وهو كافر به، فيظهر عليه شيء من آثاره، كما قال صلى الله عليه وسلم: (‌وَمَثَلُ ‌المُنَافِقِ ‌الَّذِي ‌يَقْرَأُ ‌القُرْآنَ: كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ...).

ولكن الأمر الذي قد يسترعي اهتمام الداعية إلى الله تعالى، هي تلك الآيات القليلة التي استمع إليها الصحابة رضي الله عنهم أول إسلامهم، وإذا بهم ينطلقون نحو هدف واحد فقط، ألا وهو الدعوة إلى الله تعالى، ومن أمثلة ذلك: ما حدث للطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، حيث أسلم ثم رجع إلى قومه داعية إلى الله تعالى وهو لم يسمع إلا بضع آيات، ثم جاء بعد مدة وهو يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، قَالَ: (‌اللَّهُمَّ ‌اهْدِ ‌دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ)، وهكذا النفر من الجن الذين سمعوا آيات من القرآن الكريم، فرجعوا إلى قومهم يدعون إلى صراط مستقيم: قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة الأحقاف: 29-30]، فإذا سمعت هذه المواقف وغيرها الكثير، على مر السنين والدهور، بل حتى في وقتنا الحاضر، فلا تملكُ إلا أن ترجع إلى نفسك وتقول: يا ترى ما سر القرآن في تعزيز جوانب التربية الدعوية؟

عندما نتدبر القرآن ونتأمل في آياته، نجد فيه معالم كثيرة تربي المسلم في جميع جوانب الحياة، بل هي أفضل وأحسن وأقوم سبل التربية، قال تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [سورة الإسراء:9]، يقول السعدي رحمه الله في تفسيره: "يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته وأنه {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره".

ومن جوانب الهداية التي يهدي لأقومها القرآن، جوانب التربية الدعوية حيث تتغلغل في قلبه وروحه الآيات، فتصنع الفرد المكتمل فكرياً وعقائدياً وجسدياً وأخلاقياً ووجدانياً، وهذا من الحكم في نزوله مفرَّقاً لأجل أن يربي الأفراد تربية تدريجية حتى يصل بهم إلى الكمال، ذكر الزرقاني في كتاب مناهل العرفان في الحكمة من نزول القرآن منجمَّاً: (‌‌الحكمة الثانية: التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علماً وعملاً)، فكانوا يتعلمون العلم والعمل من القرآن، حتى اكتمل بتمام نزوله الإيمان، فأصبحت تلك الأمة التي يشار لها بالبنان، يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله: "بهذا الإيمان الواسع العميق والتعليم النبوي المتقن، وبهذه التربية الحكيمة الدقيقة وبشخصيته الفذة، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنسانية المحتضرة حياة جديدة".

وتعالوا لنلقي الضوء على بعض معالم التربية الدعوية في القرآن الكريم:

• التربية الدعوية وتحديد الغاية:

الإنسان مفطور على العبودية، فعندما يعلم الإنسان أن الغاية من وجوده في هذه الحياة هي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات:56]، وينطبع في قلبه وجوارحه هذا المعنى العظيم، ثم يجعل شعاره في الحياة: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [سورة طه: 84]، فعندها لا تسل عن الجهود والتضحيات التي تبذل في سبيل تحقيق الغاية من الوجود، يقول ابن القيم رحمه الله: "الْعُبُودِيَّة هُوَ ‌بتكميل ‌مقَام ‌الذل ‌والانقياد، وأكمل الْخلق عبودية، أكملهم ذلاً لله وانقياداً وَطَاعَة، وَالْعَبْد ذليل لمَوْلَاهُ الْحق بِكُل وَجه من وُجُوه الذل، فَهُوَ ذليل لعزه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فِيهِ وتصرفه، وذليل لإحسانه اليه، وإنعامه عَلَيْهِ، فَإِن من أحسن إليك فقد استعبدك وَصَارَ قلبك معبدًا لَهُ وذليلاً".

• التربية الدعوية وتحديد المحبة الكبرى (محبة الله تعالى):

الحب: من الحاجات النفسية التي ينبغي أن تشبع في الإنسان، ولذلك نزل القرآن بتحديد المحبة العظمى والتي لا ينبغي لأي محبة أخرى أن تطغى عليه، فقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [سورة البقرة: 165]، فتمتزج محبة الله تعالى في شغاف القلب، ويعلم علم يقين أنه لا شيء يحب لذاته إلا الله، وأن ما سوى الله لا يحب إلا لله، وأن كل محبة فينبغي تكون بأمره، وفي رضاه، وتحت طاعته، وأن لا تشغل عن محبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة: 24]، عندها سيكون الأمر من الله هو عين الرضا، وانشراح الصدر، يقول ابن القيم رحمه الله: "بل أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب ونعيم الأرواح ولذات النفوس وبها كمال النعيم، فقرة عين المحب في الصلاة والحج، وفرح قلبه وسرره ونعيمه في ذَلِكَ وفي الصيام والذكر والتلاوة، وأَما الصدقة فعجب من العجب، وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والدعوة إِلى الله والصبر على أعداء الله سبحانه، فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف ولا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم".

• التربية الدعوية وتحديد الهدف:

الإنسان لا بد له من أهداف يسعى إلى تحقيقها في هذه الدنيا، ومن يقرأ قوله تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يوسف: 108]، فيؤمن بها حق الإيمان، ويعرف أن هدفه الذي ينبغي أن يسعى لتحقيقه: هو الدعوة إلى الله تعالى وحده لا شريك له، على علم وبصيرة، مقتدياً في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أمره الله تعالى بذلك في قوله: { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [سورة الأحزاب: 21]، ويلامس قلبه فضل هذا العمل، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة فصلت: 33]، ويتمنى أن يكون من هؤلاء الذين أثنى عليهم رب العزة والجلالة، ويعلق على صدره وسام الداعية إلى الله تعالى، بل ويعلم أن خيرية هذه الأمة إنما كانت بدعوتها وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، كما قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}، ويعلم حاجة العالم لدعوته، عندها ستكون الدعوة إلى الله تعالى هو الهم الأكبر في حياته، يقول محمد إقبال: "أن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ولا ليساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم واليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والإتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة، ومقام الإرشاد والتوجيه، ومقام الآمر الناهي".

• التربية الدعوية وتحديد الأسلوب:

لقد اعتنى القرآن بالتربية الدعوية حتى أنه أشار للأساليب التي ينبغي للداعية أن يستعملها في دعوته، فيقول الله تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [سورة النحل: 125]، ويقول سبحانه: {وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً} [سورة البقرة: 83]، بل ويبعث موسى وهارون عليهما السلام إلى من ادعى الربوبية والألوهية ويقول لهما: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44]، وهكذا في توجيه متكرر إلى الأساليب المناسبة لكل مقام ومقال، لأن طريقة وفن الدعوة أمر مهم، وله أثر كبير في استجابة المدعوين وقبولهم للحق، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "قال الله سبحانه في نبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون الداعي حكيما في الدعوة، بصيراً بأسلوبها، لا يعجل ولا يعنف، بل يدعو بالحكمة، وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث، وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله عز وجل، أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع ... لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم، وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكثر".

وهكذا لا تكاد تخلو سورة أو آية في تربية المسلم ليكون داعية لله تعالى، فنرى آيات القرآن الكريم تتدفق على قلوب المسلمين، فتحول المسلم من مجرد فاعل لأعمال الإسلامِ إلى داعية إليها، وهكذا من أحب شيئاً دعا إليه، وهذا هو السر الذي يجعل من يقرأ القرآن ينطلق داعياً إليه وإلى ما فيه كما فعل الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

وما ذكرناه إنما هو غيض من فيض، وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، وإنما أردنا من قارئ القرآن أن يتأمل في آياته، ويتدبر في معانيه، ليصل إلى المقاصد التي أرادها الله تعالى من عباده، لعلنا نتربى بآياته، ونكون من المفلحين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، جعلنا الله تعالى مباركين أينما كنا، والحمد لله رب العالمين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

تجارة وتجارة …. سورتي الصف والجمعة

تأتي سورة الجمعة في ترتيب المصحف بعد سورة الصف، وفي السورتين يذكر الله تعالى نوعين …