جلسات إيمانية في رمضان (2)

الرئيسية » بأقلامكم » جلسات إيمانية في رمضان (2)
Ramadan202

جلسة إيمانية يوم 4 رمضان

ذكر الخوف والجوع في القرآن الكريم

1- قال تعالى: " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {126}" (البقرة: 126).
قدَّم نبي الله إبراهيم عليه السلام طلب الأمن لطبيعة المكان المُوحِش الذي ترك فيه أهله، فالإنسان قد يتغلب على الجوع حتى ولو بأكل الميتة، أما فقدان الأمن في هذا المكان لا مُنقذ منه ولا حافظ إلا الله تعالى.

2- قوله تعالى: "وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}" (النحل: 112).
في هذه الآية ما هو جدير بالتفكر

أ‌) تقدم ذكر الجوع على الأمن لأن القرية كانت تعيش في حالة من الاستقرار الأمني والاجتماعي، وهذا يُمكِّنها من التدبر وإعمال الفكر من أجل الوصول لواهب كل هذه النعم والإيمان به وشكره شكراً يضمن حفظ النعم وزيادتها، وكل ذلك لعدم وجود خوف من إكراه أو عقاب.

ب‌) عندما بطرت القرية النعم وكفرت بواهبها ومُسديها (فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)، أي اجتمعت على القرية المصيبتان معاً ليكون الجزاء من جنس العمل. وعبارة (لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) تدل على أن الخوف والجوع قد تمكنا من القرية أيَّما تمكن.

3- قوله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155}" (البقرة: 155).

عندما خاطب الله تعالى أمة الإسلام قال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ..) فخوف أمة الإسلام وجوعها أخف وطأة مما حدث للأمم السابقة، وهذا يدل على رحمة الله تعالى بأمة الإسلام.

* من اللطائف في الآية أن الله تعالى أسند البلوى لنفسه (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ)، وأسند البشارة بالخير إلى الرسول ﷺ (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) تكريماً لشأنه ﷺ وتنبيهاً للمؤمنين بأنه لن يصيبهم أي مكروه بسبب اتباعه.

4- قوله تعالى: "لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ {1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ {2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4}‏" (سورة قريش).

إن الذي يتدبر الآيات يجد أن الله تعالى قدّم الجوع بمقابل الشتاء، وجعل الأمن في مقابل الصيف.

إن الناس في الشتاء يحتاجون إلى الطعام أكثر فوجب تقديم قوله (أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ)، وفي الصيف يحتاجون إلى الأمن لكثرة الغارات وانتشار قطاع الطرق فوجب تقديم الأمن (وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).

من يتدبر كل ما سبق من آيات يلاحظ أن

- التدرج والاختلاف بين سلب الجوع وسلب الأمن ودرجة سلب كل منهما يكون حسب أولوية الاحتياج، وحسب حجم العقوبة التي يُوقعها الله تعالى على من يستحقها.

- إن الإنسان الآمن لو نزع منه هذا الأمن يكون عقوبة له رادعة.

- والإنسان الذي يعيش في رغد من العيش يكون حرمانه من هذا الرغد عقوبة له رادعة.

- إن الجوع في حد ذاته مُخيف لصاحبه ولكن الخوف لا يُجيع صاحبه.

- إن مجرد وجود الطعام قد يكون سبباً من أسباب الأمن.

- إن الخوف قد يكون من مجاعة مُحتملة، وترقب نزول المصيبة قد يكون أصعب حالاً من المصيبة ذاتها.

- من كل ما سبق نفهم أن هذا التدرج وهذا الاختلاف في تقديم الأمن تارة وتأخيره أخرى يخضع لإرادة الله تعالى ومشيئته وعلمه بما يهذِّب العباد ويردعهم.

اللهم أسبغ علينا نعمة الأمن وقنا شر الجوع ومغبته


جلسة إيمانية يوم 5 رمضان

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ

قال تعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ" (آل عمران: من الآية 103).

- إن حبل الله تعالى هو الحبل المتين الذي لا يخذل من تمسك به، ولا يُضِله، ولا يُضيعه، ولا يخيِّب رجاءه فيه.

- إن حبل الله تعالى طرفه في السماء والطرف الآخر مُتاح لكل من جعل هدفه وغايته ومُبتغاه وقبلته الله تعالى وحده والعمل لدينه وتبليغ دعوته.

- إن هناك أحبال كثيرة يزعم من يتمسك بأحدها أنه قد تمسَّك بحبل الله، وكذلك هناك أحبال الشيطان، وحقيقة كل هذه الأحبال أنها أوهن من بيت العنكبوت، لا تنقذ ولا تغيث أحداً، ولا توصل إلا إلى الهلاك والخسران المبين.

- إن المُوفق هو من وفقه الله تعالى لحبله المتين في وسط كل هذه الأحبال، لأن كل حبل سوى حبل الله بالي، وكل حبل سوى حبل الله مصيره إلى انقطاع ومصير من تمسك به إلى هلاك.

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: "كنَّا جُلوسًا عِندَ النَّبيِّ ﷺ فخَطَّ خَطًّا هكذا أمامَه، فقال: هذا سَبيلُ اللهِ، وخَطَّينِ عن يَمينِه، وخَطَّينِ عن شِمالِه، قال: هذه سَبيلُ الشَّيطانِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَه في الخَطِّ الأوْسَطِ، ثُمَّ تَلا هذه الآيةَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]" (تخريج المسند).

* إن الأمر في الآية واضح ومُحدد وصريح.

- الأمر (وَاعْتَصِمُواْ) والمطلوب أن يكون الاعتصام (بِحَبْلِ اللّهِ) وليس بأي حبل سواه، والكيفية، أن نكون (جَمِيعاً) مُعتصمين بهذا الحبل، ليس اعتصاماً فردياً ولكن كما جاء في الآية (جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) لأن الإسلام دين جماعي وثواب العمل الجماعي في الإسلام أضعاف أضعاف العمل الفردي.

- مما سبق نعلم أنه ما من مكان ولا زمان تم فيه التمكين لأهل الحق إلا بعد أن توفر فيهم أمور، وهي:-

* الاعتصام بمبدأ شرعي ثابت وغاية واحدة.

* الالتفاف حول هذا المبدأ وهذه الغاية على قلب رجل واحد دون اتباع هوى، ودون تغيير ولا تبديل.

* نبذ الفرقة ونبذ أي سبيل يؤدي إليها، واللجوء إلى الوحدة والتوافق والتفاهم والتحاب.

تنويه
- ليعلم كل مسلم أن هناك جيوش مُجيشة من الشياطين وأعوان الشياطين من كل الملل والنِّحل تعمل على عدم تحقق هذه الأمور وتحاول بشتى السبل أن تحول بين المسلم وبين الاعتصام بحبل الله المتين، والفائز من يلحق مكاناً لنفسه بين المعتصمين بحبل الله كما يحب ربنا ويرضى.

* إن دول العالم تتكتل فيما بينها وتكوِّن تحالفات واتحادات إلا أنهم يغرسون بين الدول العربية والإسلامية الفتن والشقاق والعصبية للقوميات والأعراق ولا يسمحوا لهذه الدول بأن يكون بينها أي تحالف، ليقينهم بأنه في حالة تحالفهم واعتصامهم بحبل ربهم سيسودوا العالم ولن تقوم لغيرهم قائمة.

اللهم اجعلنا من المُعتصمين بحبلك المتين واجعلنا أخوة فيك مُتحابين.


جلسة إيمانية يوم 6 رمضان

رب الأرض والسماء يتولى بنفسه أمر الفتيا للنساء

قال تعالى: " وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ" (النساء: من الآية 127).

- لمكانة المرأة، ولعظم شأنها وقدرها في الإسلام تولى الله تعالى أمر النساء وإبلاغ ما شرعه لهن بنفسه، وهذا لعدة أمور:-

أولاً: عِظم القدر والمكانة في الإسلام كما أشرنا.

ثانياً: الحديث في شأن النساء وفي كل ما يتعلق بهن من تشريع في العبادات والمعاملات والسلوك يتطلب الوضوح والدقة وعدم اللبس في الحديث وهذا ليس اتهاماً للنبي ﷺ ولا تقليلاً من شأنه فالله تعالى حاشاه أن يفعل ذلك ولكن لطبيعة التكليف ولطبيعة المتلقي.

ثالثاً: إن المجتمع كثيراً ما يجير على المرأة ويهضمها حقها لذلك تولى الله تعالى تبليغ الأمر بنفسه ليقيم الحُجَّة على كل من يتجاوز في حق النساء (أماً أو أختاً أو زوجة أو أي صلة بالنسب أو بالمصاهرة أو غير ذلك).

رابعاً: إن النساء أكثر نسياناً وأكثر تهاوناً في تلقي التكليف وبالتالي فإنهن أقل التزاماً في التنفيذ فتولى الله تعالى الأمر بنفسه حثاً لهن على حُسن التلقي وحسن التنفيذ ولإقامة الحُجَّة عليهن كاملة.

إن كل ما سبق هو بمثابة رسالة من الله تعالى لولي أمر المرأة (أباً أو أخاً أو زوجاً أو كافل لها وضامن) أن يتولى أمرها بنفسه ولا يترك ما أوجبه الله تعالى عليه وألزمه به لأحد غيره، ليس ذلك تسلطاً منه ولا تعنتاً واستبداداً ولكن عطفاً وحناناً وبراً، وآداءً للأمانة، وإبراءً للذمة أمام الله تعالى، فـ (كلكم راع وكلكم مسئولاً عن رعيته).

- لا تترك إحداهن تتلقى تعاليم دينها عن من هو ليس ثقة أو عن من هو ليس أهلاً لذلك.

- لا تترك إحداهن تتلقى ثقافتها وسلوكها من مصادر مشبوهة تجرها إلى الهاوية جراً.

- لا تترك إحداهن تخالط أصدقاء وصديقات وتخرج متى شاءت أو أين شاءت بحجة الحرية أو بذريعة الثقة.

- إنهن جميعاً (حَرَمَك) الذي لو تركن بلا حامي له ولا حارس كنَّ مطمعاً لكل طامع وفريسة لكل نهم جائع.

- إنهن جميعاً يقتفين أثرك ويتخذونك قدوة لهن، فإذا استقمت استقمن وإذا اعوججت اعوججن.

- إنهن جميعاً تعجبهن النخوة والشهامة ويُطِعن أمر الحر الشهم الذي يَغار على عرضه وإذا رأوا عكس ذلك كانوا أكثر تفلتاً.

ونختم بهذا الحديث
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي قال: "مَن عالَ ابنتينِ أو ثلاثًا، أو أختينِ أو ثلاثًا حتَّى يَبِنَّ، أو يَموتَ عنهنَّ؛ كنتُ أنا وهوَ في الجنَّةِ كَهاتينِ. وأشار بأُصْبُعيهِ السبَّابةَ والتي تلِيهَا" (صحيح الترغيب).
* حتَّى يَبِنَّ: ينفصلن عنه بتزويج أو موت.

**********************************
اللهم احفظ نسائنا وبناتنا وأهلينا وأعنا على حسن تربيتهن وعظيم برِّهن وأجرهن.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

افرحوا بعيدكم فأنتم الأعلون

تقبل الله طاعتكم ومن النار أعتقكم وبرضاه أسعدكم وبالجنة بشركم ها هو شهر رمضان قد …