في رحاب قوله تعالى: “وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا”

الرئيسية » خواطر تربوية » في رحاب قوله تعالى: “وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا”
Rosary and sunset.

قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل:18].

إن من يتدبر الآية يجد أن الله تعالى قال: (نِعْمَةَ اللّهِ) ولم يقل (نِعم الله).

لقد ذكر الله تعالى قبل هذه الآية بعض دلائل ألوهيته سبحانه وتعالى، وكل دليل من هذه الدلائل هو نعمة في ذاته، وداخل هذه النعمة الواحدة نِعم أخرى لا تُحصى ولا تُعد، ثم جاءت هذه الآية لتؤكد هذا المعنى صراحة {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}.

ذكر الله تعالى نعمة نزول الملائكة على أنبياء الله لهداية الخلق، وكفى بالهداية نعمة.

ونعمة خلق السماوات والأرض بما فيهن ومن فيهن.

ونعمة خلق الإنسان من نطفة.

ونعمة خلق الأنعام، وما فيها من منافع للإنسان في المأكل والمشرب والملبس، وتسخيرها للإنسان وجعلها مُطيعة مُريحة ذلولة.

ونعمة إنزال الماء من السماء وما فيه من منافع جمَّة للإنسان ولسائر المخلوقات، التي هي في ذاتها مُسخرة لخدمة ونفع الإنسان بصورة يدركها الإنسان أو لا يدركها، فالله سبحانه لم يخلق شيئاً عبثاً.

ونعمة إنبات الزرع بمختلف أنواعه وأشكاله وطعومه وفوائده.

ونعمة تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم التي بدونها لاستحالت الحياة على الأرض.

ونعمة تسخير البحر للسفر والترحال، ولصيد ما فيه من كائنات للأكل، واستخراج ما فيه من كائنات ومخلوقات للزينة.

ونعمة خلق الجبال لتكون للأرض رواسي وأوتاداً، وجعل بين هذه الجبال طرقاً، وجعل بينها أنهاراً، ومنها ما يكون علامات بارزة وفواصل تفصل بين المدن والدول وغيرهما.

ونعمة معرفة النجوم وأسرارها لتكون للخلق دليلاً لما يُحدِثه الله تعالى في الكون من ظواهر، وليهتدي بها الخلق حال سفرهم وترحالهم، بل وحال إقامتهم.

ثم اختتم الله تعالى كل ذلك بقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ {17} وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل:17-18].

السؤال هنا: لماذا بعد كل هذه النِّعم التي لا تُحصى ولا تُعد تم ذكرها بصيغة المفرد!

ربما جاءت كلمة (نعمة) بصيغة المفرد لتدل على أن الإنسان لو شغل نفسه بإحصاء ما في النعمة الواحدة من نِعم باطنة ما استطاع، فما بالك بباقي النعم!

وربما جاءت كلمة (نعمة) بصيغة المفرد لتدل على أن كل ما في الدنيا من نِعم يعتبر نعمة واحدة مقارنة بما ادخره الله تعالى لعباده من النعم في الآخرة.

وربما جاءت كلمة (نعمة) بصيغة المفرد لأن النعم تتكامل مع بعضها البعض لتكوِّن نعمة واحدة فلو أن الإنسان منا جُمعت له كل النعم وحُرم نعمة واحدةً ما اكتملت سعادته بباقي النعم.

يكفينا أن نعلم أن ...

الإنسان مهما أجهد نفسه وقدح زناد فِكره ليُحصي ما بنعمة واحدة من النعم ما بلغ ذلك ولا قاربه، فإذا كان ذلك في نعمة واحدة فما بالنا بباقي النعم التي هي الأخرى لا تُحصى ولا تُعد!

ذكر الإمام بن القيم رحمه الله في كتاب "شفاء العليل": "حديثُ صاحبِ الرُّمَّانةِ الَّذي عبَدَ اللهَ خمسمائةِ سنةٍ يأكلُ كلَّ يومٍ رمَّانةً تخرجُ له من شجرةٍ ثمَّ يقومُ إلى صلاتهِ فيسألُ ربَّهُ وقتَ الأجلِ أنْ يقبضَهُ ساجدًا وأنْ لا يجعلَ للأرضِ عليه سبيلاً حتَّى يُبعثَ وهو ساجدٌ فإذا كان يومُ القيامةِ وقف بين يديْ الرَّبِّ فيقولُ تعالَى أدخِلوا عبديَ الجنَّةَ برَحمتي فيقولُ يا ربِّ بل بعملي فيقولُ أدخِلوا عبديَ الجنَّةَ برحمتي فيقولُ ربِّ بل بعملي فيقولُ الرَّبُّ جلَّ جلالهُ قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعملِهِ فتؤخذُ نعمةُ البصَرِ قد أحاطتْ بعبادةِ خمسمائةِ سنةٍ وبقيَتْ نعمةُ الجسدِ فضلًا عليه فيقولُ أدخِلوا عبدي النَّارَ فيُجرُّ إلى النَّارِ فينادي ربِّ برحمتِكَ ربِّ برحمتكَ أدخِلني الجنَّةَ فيقولُ ردُّوهُ فيوقَفُ بين يديهِ فيقولُ يا عبدي مَن خلقكَ ولم تكنْ شيئًا فيقولُ أنت يا ربِّ فيقولُ من قوَّاكَ على عبادةِ خمسمائةِ سنةٍ فيقولُ أنت يا ربِّ فيقولُ من أنزلكَ في جبلٍ وسطَ اللُّجَّةِ وأخرج لك الماءَ العذبَ من الماءِ المالحِ وأخرجَ لك كلَّ يومٍ رمَّانةً وإنَّما تخرجُ مرَّةً في السَّنةِ وسألتَني أنْ أقبضَكَ ساجدًا ففعلتُ ذلك بك فيقولُ أنت يا ربِّ فيقولُ اللهُ فذلك برحمتي وبرحمتي أُدخلُك الجنَّةَ " (صححه الحاكم).

إن كل ما تقدم يُوجب علينا أن نحمد الله تعالى بمجامع الحمد المأثورة، وألا تفتر ألسنتنا ولا قلوبنا ولا كل جوارحنا عن ذلك، وأن نكون على يقين أننا لن نستطيع أن نوفي الله حقه ولن نستطيع أن نشكره سبحانه وتعالى تمام الشكر الذي يليق بفضله علينا وبما أسبغ علينا من النعم ظاهرة وباطنة، ولا بما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه!

وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيم}

لما كانت نعم الله تحتاج من العباد الشكر عليها فإن العباد مهما أجهدوا أنفسهم وبالغوا في الشكر لن يوفوا الله تعالى حقه في هذا الجانب لكثرة نعمه سبحانه وتعالى، لذلك كان ختام الآية بقوله "إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ"

ليُبين أنه سبحانه...
يغفر الكثير ويجازي على اليسير.

وليُبين كذلك
أن هذه المغفرة وهذه الرحمة ينالهما من أقر بحقيقة النعم، ومن شكر جهد استطاعته ثم اعترف بعجزه عن إتمام حق الله تعالى عليه من الشكر لكثرة نعمه سبحانه وتعالى.

وفي موضع آخر قال تعالى: {... وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:من الآية 34].

جاء ختام الآية هنا بقوله تعالى: (إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ليبين أن تعامل الإنسان مع النعمة هو الذي يُحدد فائدتها بالنسبة له، فمن جحد النعم أو لم يُؤدي شكرها وصرَّفها في غير مرضاة الله تعالى فهو (ظلوم كفار) أي ظالم لنفسه جاحد لنعمة ربه عليه، فتنقلب النعمة عليه وبالاً وكانت في ذاتها سبباً في شتات أمره وكد عيشه وتنغيص حياته.

قبس من زاد الشاكرين

من صيغ الحمد الجامعة المأثورة عن النبي ﷺ: "الحمدُ للَّهِ كثيرًا طيِّبًا مبارَكًا فيهِ، غيرَ مَكفيٍّ ولا مُوَدَّعٍ، ولا مُستَغنًى عنهُ، رَبَّنا" (رواه أبو داود).

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "التَّحدُّثُ بنعمةِ اللهِ شُكرٌ، وتركُها كُفرٌ، ومَن لا يشكرُ القَليلَ لا يَشكرُ الكثيرَ، ومَن لا يشكرُ النَّاسَ لا يشكرُ اللهَ، والجماعةُ برَكةٌ، والفُرقةُ عذابٌ" (صحيح الجامع).

جاء في "عُدة الصابرين" لابن القيم أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "إن النعمة موصولة بالشُّكر، والشُّكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشُّكر من العبد" أهـ.

نظرة المؤمن للعطاء والمنع

إن المؤمن يدرك أن الفتنة والشقاء قد تكون في العطاء، وأن السلامة والراحة قد تكون في المنع، وأن الإنسان قد يطلب من الله تعالى ما يشقيه فيكفه عنه ويحرمه إياه رحمة به وشفقة عليه، لذا كان من أركان الإيمان أن نؤمن بالقدر خيره وشره.

قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35].

وعن صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له" (صحيح مسلم).

والمؤمن يُدرك أيضاً أن العطاء ليس دليل رضا ولا المنع دليل غضب، فبينما كان صناديد قريش يتقلبون في النعيم في بوتهم وأنديتهم بمكة كان النبي ﷺ وصحابته الكرام يأكلون ورق الشجر في شعب أبي طالب.

والمؤمن يدرك كذلك أن الدنيا ليست دار إقامة ومستقر، و " لو كانتِ الدنيا تعدلُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ" (رواه الترمذي)، وأن النعيم الحقيقي لا يكتمل إلا بشربة ماء من يد الحبيب المصطفى ﷺ وبرؤية وجه الله تعالى.

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "يودُّ أَهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يعطى أَهلُ البلاءِ الثَّوابَ لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بالمقاريضِ" (رواه الترمذي).

وأخيراً أقول

إن شكر لله تعالى يكون على إسداء النعم، وعلى دفع النقم، وعلى تهوين المصائب وعلى أجرها، وعلى الهداية للإسلام وعلى فضلها، وعلى ما نعلم وما لا نعلم، وعلى ما هو سبحانه به أعلم.

اللهم أسبغ علينا نعمك ما سألناك سبحانك منها وما لم نسأل، وألهمنا حسن شكرها وحسن تصريفها في طاعتك، وبارك اللهم لنا فيها ولا تحرمنا أجرها ولا أجر حقها علينا وشكرها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

ما الحكمة من تولى رب السماء أمر الفتوى فيما يخص النساء!

قال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي …